كيف فهم الدكتور مهاتير محمد الأسلام والأسلمة؟ 3 والأخيرة

تقديم: وجدي أنور مردان

الاسلام، كما يردد كثير من المسلمين ، "طريقة حياة" . إنه دليل شامل لطريقة عيش المسلم وليس "معتقدا" فقط، وعندما يعيش المرء وفقا لما أمر به الاسلام ، سيلقى نعيما في الآخرة كما وعد القرآن الكريم، و "طريقة الحياة" هذه تشمل كل شيء يقوم به وليس أداء الشعائر الدينية فقط.

بما أن الآيات المحكمات واضحات لا لبس فيها ، ينبغي عدم وقوع خلاف في فهمها وتفسيرها ولذلك ينبغي ألا ينقسم المسلمون بسببها ، لكننا وكما بينا أعلاه في حالة قتل المسلمين بعضهم بعضا ، لن يتوانى الأشرار والمضللون عن القتل، على الرغم من وضوح الاية التي تنهى عن ذلك ، بزعم أن خصومهم ليسوا " مسلمين حقيقيين" أو ليسو مسلمين اصلاَ.

المشكلة الثانية التي تنشأ عن أختلاف التفاسير الميل الى التشديد على شكل الرسالة لا على مضمونها.

يؤكد القرآن على الحاجة الى القراءة في سورة العلق ومطلعها "إقرأ". عندما يقرأ المرء، يكتسب المعرفة بالتأكيد، لذلك قرأ المسلمون الاوائل الذين امتثلوا لهذه الاية كل ما وقعت عليه ايديهم لينهلوا من المعرفة.

وبما أنه ليس هناك كثير من الاعمال المكتوبة عن الاسلام في حياة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) ، وبما أن الامر بالقراءة لايضع قيودا على المواد الواجب قراتها ، أطلع المسلمون الاوائل على ما يبدوا على مؤلفات اليونانيين والهنود والصينيين والفرس. وكي يتمكنوا من ذلك ، توجب عليهم تعلم لغات تلك الاقوام ، ونحن نعرف الآن أن العلماء المسلمين الاوائل أعادوا إنتاج الاكتشافات العلمية والنظم الرقمية التي توصلت اليها الشعوب المذكورة، والاهم من ذلك أنهم أجروا دراساتهم وبحوثهم الخاصة وكانت لهم إضافات في كثير من ميادين المعرفة، فالعلماء المسلمون كانوا رواد علم الفلك والجبر ودراسة الامراض والطب والاجرام السماوية وغيرها.

بقي المسلمون متقدمين على الحضارات الاخرى طوال قرون بإتقانهم العلوم والطب والرياضيات . لكن بدات تفسيرات جديدة بالانتشار في وقت قريب من القرن الخامس عشر بعد الميلاد، وفحواها أن كلمة " إقــرأ" تعني اكتساب العلوم الشرعية فقط.

أراد هؤلاء ، القول إن الدراسة التي تلقى استحسان العلماء هي دراسة الدين فقط وأن كل الدراسات أو ميادين المعرفة الأخرى لاتكسب صاحبها أي فضل ، والاشخاص الذين أعطوا هذه التفسيرات كانوا اشخاصا تعمقوا في دراسة الدين، ولابد من انهم مالوا بالبداهة الى اعتبار هذا الفرع من المعرفة أهم العلوم.

واياَ يكون سبب هذا التشدد على دراسة العلوم الشرعية حصرا، الحقيقة هي أن اشتغال العلماء المسلمين بدراسة ميادين المعرفة الاخرى تراجعت في وقت قريب عنها في القرن الخامس عشر ، وبمرور الوقت، أصبح المسلمون شديدي الجهل بهذه الموضوعات.

وصادف أنه في الوقت الذي عزف فيه المسلمون عن دراسة العلوم، لاحظ المسيحيون الأوروبيون، الذين كانوا في العصور المظلمة آنذاك، تفوق حضارة المسلمين وقرروا امتلاك معارف المسلمين فتعلم الكهنة المسيحيون اللغة العربية ودرسوا الكتب العلمية وغيرها والتي كانت تزخر بها المكتبات العظيمة في العالم الاسلامي.

النتيجة النهائية كانت انكفاء المسلمين وتقدم المسيحيين الأوروبيين السريع بعد أن ترجمت المعارف التي اكتسبوها الى اللاتينية أولا ثم الى اللغات الاوروبية الاخرى. وبذلك أتيحت المعرفة للمواطنين العاديين وليس للكهنة فقط مثلما كانت ممارسة الكنيسة في العصور الوسطى.

ومع انكفاء المسلمين بسبب قلة المامهم بالعلوم ، اصبحوا ضعافا وعاجزين عن الدفاع عن أنفسهم. لم يتمكنوا من تطوير دفاعاتهم باسلحة وأستراتيجيات جديدة ، وسقطت الدول الاسلامية الواحدة تلو الاخرى في ايدي الأوروبيين الذين امتلكوا أسلحة أفضل.

هذه هي عاقبة التفسيرات الخاطئة للآيات القرآنية، مثل الخطأ في تفسير " اقـــــرأ" والعجيب أن بعضاَ لم يحمل الآية على معنى القراءة ، لكنهم أقلية لحسن الحظ.

على أن هناك تفسيرات أخرى للقرآن الكريم اذنت الى انكفاء المسلمين، فالقرآن يأمر المسلمين [امتلاك القدرة على الدفاع عن أنفسهم، ولهذا السبب ذكر القرأن الخيل التي تستخدم في الحروب " وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" الانفال 60. وكان لدى النبي الكــــــريم ( صلى الله عيله وسلم) خيول واسلحة أخرى يدافع بها عن المجتمع.

المؤسف ان التفسيرات الحرفية لهذه الاية جعلت المسلمين يهملون أهمية القدرة الدفاعية، وشددوا بالمقابل على امتلاك الخيل عملا بالتفسير الحرفي، والاسلحة التي استخدمها النبي الكريم  بوصفها السنة التي يتعين على المسلمين اتباعها، ولو أنهم شددوا على الدفاع، لعززوا قدراتهم الدفاعية بتحديث اسلحتهم مثلما فعل أعداؤهم الأوروبيون.

اسهم إهمال دراسة العلوم والرياضيات في عجز المسلمين عن أختراع اسلحة جديدة وتطويرها. وفي النهاية ، ارغموا على حيازة الاسلحة من أعدائهم وتدهورت بالكامل قدرتهم  على الدفاع عن أنفسهم ، وهي القدرة التي أمرهم القرآن بامتلاكها.

نلاحظ هنا أيضا أنه حتى حين تكون الآية القرآنية واضحة، يمكن أن تفوت المفسرين الرسالة الحقيقية التي فيها، بميلهم الى المعنى الحرفي. ويتعين عزو الحالة الكئيبة التي يعيشها المسلمون اليوم، وعجزهم عن الدفاع عن أنفسهمالى التشدد الخاطئ في تفسيرات تعاليم الاسلام.

يقدم لنا القرآن توجيها آخر غالبا ما يساء تفسيره أو فهمه بما يلحق الضرر بالمسلمين. فليس هناك ضير مثلا في وجوب طلب المسلمين العون بالابتهال الى الله في صلواتهم عندما يواجهون مشكلات أو تهديدات.

يشدد مدرسو الدين على الحاجة الى أداء الصلوات للتوسل إلى الله في أوقات الشدة أو عند التعرض للتهديد لكنهم لم يشددوا على الآية الكريمة التي تقول " إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم" الرعد 11.

من الاهمية بمكان أن نحاول مساعدة أنفسنا، فالصلاة وحدها لن تساعدنا إلا في الحالات التي لايسعنا فيها فعل شيء لأنفسنا، لكن إمكانية معاناتنا عجزا كاملا نادرة للغاية.

 

 

إن الوضع البائس الذي يعيشه المسلمون اليوم راجع جزئيا الى عدم قيامهم بشيء، أو قيامهم  بشيء ضئيل للغاية عدا طلب النصرة من الله تعالى. يتعين أن يكون 1,3 مليار مسلم في عداد أغنى الناس في العالم لأن الله أنعم عليهم بثرو غير محدودة من الموارد النفطية. لكن هل يستطيعون القول إنهم استخدموا تلك الثروة في مساعدة أنفسهم على الخروج من وضعهم الحالي؟

الواضح أنهم لايعملون بتوجيهات القرآن التي أمرتهم بمساعدة أنفسهم أولا ، إذا كانوا يريدون من الله أن يساعدهم، ولوم الآخرين لن يوصلهم الى شيء لأنه لايمكنهم في الواقع توقع قيام الآخرين بعمل لأنقاذ المسلمين فيما لايقوم المسلمون بشيء من الناحية الفعلية لأنقاذ أنفسهم.

مررت بوقت شعرت فيه بارتباك بشأن الاسلام وتعاليمه، فعندما كنت أدرس موضوعات علمية في الجامعة ، وجدت أني أشكك ببعض تعاليم الاسلام.

يطالب الاسلام المؤمنين، أكثر مما يطلب أي دين آخر، بالقبول باي شيء بوصفه من العقيدة الجوهرية التي لايمكن التشكيك فيها، وهذا ما يقوله دارسو العلوم الشرعية على لااقل، وما عليك سوى الايمان بما تعلمته وعدم طرح الاسئلة، لكن بوصفي عالماَ، تعلمت طلب الدليل في كل شيء وبدا أن الذي وجدته في العلم مناقض في الظاهر لتعاليم ديني في حالات كثيرة.

في الطب، كل شيء يفسر بطريقة منطقية. تنجم الامراض عن كائنات عضوية صغيرة الحجم أو قصور في اداء جسم الانسان ولعلاج الاعتلال الجسدي، عليك أن تخلًص جسم المريض من التاثيرات التي تضر بصحته، عليك أن تقتل الجراثيم أو تستاصل الاطراف الميتة، يمكن أن تنجح فيشفى المريض، أو تفشل فيموت.

ربما تصلي وتدعو الله أن يشفيهن لكن  يتعين عليك تقديم العلاج الموصوف إذا كنت تريد أن يستعيد المريض عافيته من جديد, اذا كان المريض سينجو، فسوف ينجو سواء أدعوت الله أم لم تدعهُ، ففي النهاية المريض من غير المسلمين يتماثلون للشفاء أيضا. وفي الواقع، يطلب المسلمون العلاج من أطباء غير مسلمين.

أحسست بالتشوش والارتباك، لم أقو على رفض الايمان، لكن ما لاحظته لايفسره الاسلام وهو دين أؤمن به.

أبدى الأساتذة الذين علموني الدين معارضة قوية لمفهوم التعليل العقلي أو تحكيم العقل في شؤون الدين، وأرادوا مني الايمان فحسب، ارادوا مني في الواقع القبول بما قالوه لأنه كلام الله وليس من حقي أن أجادل، وتوجب عليَ الايمان ببساطة.

لكن بسبب ميلي الى طلب تفسيرات رفضت مجرد الايمان، لاشك في أنه يتعين أن يكون كلام الله منطقيا ومستندا الى المنطق. فمحال أن يكون الدين مجرد أداء شعائر، ويتعين وجود سبب لكل شيء، لأن الله أعطى الانسان القدرة على التفكير وهو يعني البحث عن السبب ولايمكن انتفاؤه في إيماننا.

سعيت لمدة طويلة من الزمن الى الوقوف على الاسباب التي تعلل معجزة الحياة، أرشدني العلم إلى كل ما له علاقة بالوظائف الجسمانية، مثل حاجتنا الى الاكل والتنفس والتخلص من الفضلات وما سوى ذلك. لكن لماذا يجدر بنا العيش اصلا إذا كنا سنموت في النهاية مهما أكلنا وتنفسنا؟

وحتى حين درست علوم الأحياء والكيمياء والفيزياء في السنة الجامعية الأولى ، تأملت مليا في الحقيقة التي تسمى معجزة الحياة . ثم بدا لي بالتدريج أن العلم لايمكنه دائما تفسير " سبب" حدوث الأشياء ، وإنما يمكنه فقط تفسير "كيفية" حدوثها.

يقال لنا إننا نستنشق الأوكسجين من الهواء لأشباع الدم به، والذي بدوره يؤكسد خلايا الأنسجة لأبقائها حية ثم تمرر الخلايا الفضلات الناتجة عن عملية الأكسدة للدم عل شكل ثاني أوكسيد الكربون وفضلات أخرى يتخلص منها بعد ذلك عبر الرئتين أو الكليتين أو مخرج البدن. وبهذه الطريقة ، يتمكن الكائن العضوي أو المخلوق الانساني من العيش.

لكن لماذا ينبغي أن تسير الأمور على هذا النحو؟ العملية الموصوفة أعلاه متعلقة بـ " كيفية" اكسدة الجسم وإفرازه الفضلات، لكنها لاتعطينا الأجابة عن " سبب" منح هذه العملية الحياة للكائن العضوي؟

ولماذا الأوكسجين وليس الكلور أو أي غاز آخر؟ يبين العلم أن الكلور سيسمم الجسم. ويشرح العلم باسهاب العملية التي تقتل فيها الكائنات العضوية بواسطة الكلور. ما من مرة تساءلت فيها عن سبب عمل شيء وفقا للطريقة التي يعمل فيها، أو ما إذا كانت عملية إحياء أم " إماته" إلا وفسر الجواب كيفية حدوث العملية فقط.

وفي النهاية ، أرغمت على الاستنتاج أن هناك قوة حددت سبب حصول كل شيء وكيفية حصوله. يطلق العلماء على هذه القوة اسم " الطبيعة" لكن ماهي الطبيعة؟ ولماذا تحدد الأشياء على هذا النحو؟

استنتجت بانه بتعريف تلك القوة بأنها الطبيعة، يسعى العلماء لتجنب الاعتراف بوجود قوة لايمكنهم تفسير قدرتها على تحديد كل شيء حصل في العالم. حتى إن هذه القوة حددت قوانين العلوم وطريقة تحكمها  بكل فعل ورد فعل.

استنتجت بان ما يسمونه الطبيعة إنما هو الله القادر على تحديد كل ما يحكم تصرفات جميع الاشياء على الكرة الارضية وغيرها.

هذه القدرة أكبر بكثير مما قيل لنا، نحن نعرف الآن أن الكون ، بنجومه ( شموسه) ومجموعات نجومه التي لاتحصى أوسع بكثير مما كنا نعتقد. ونحن نعرف أن الفضاء من الاتساع بحيث يستغرق الانتقال من نجم الى آخر عدة سنين ضوئية حتى داخل المجموعة ذاتها.

لكن كل شيء على الكرة الارضية يتألف من إلكترونات وبروتونات وجزيئات أخرى هي من الدقة والصغر بحيث نعجز عن رؤيتها، تحدد هذه الجزيئات خصائص مادة معينة وسلوكها، على المستوى الجزئي، ويمكن أن تكون تركيبتها طليقة مثل الغاز الى  حد تمكين الاشياء من المرور فيها، لكن تركيبتها يمكن أن تكون من الكثافة مثل الاجسام الصلبة بحيث يمكنها مقاومة الجهود القوية لتغيير اشكالها الفيزيائية.

إن القدرة التي تخلق هذا الكون الفسيح الذي يتعذر قياس حجمه وهذه الذرات والالكترونات والبروتونات الدقيقة والجزيئات دون الذرية، والقدرة التي تحدد خصائصها وسلوكها ، والقدرة التي تخلق الحياة والقدرة المتحكمة بكل شيء ، من اصغر الاشياء حجما الى الكون الهائل الشاسع لابد من انها قدرة تتجاوز قدرة الانسان على الاحاطة بها. لابد من  أن القدرة  تلك هي قدرة الخالق، الذي هو الرب وهو الله. ومالم نؤمن بوجود خالق، سنعجز عن تفسير أسباب حصول كل شيء وطريقة حصوله في هذا الكون، سنتوه ببساطة ، ولن نقدر على فهم لماذا ظهرت الأشياء على هذا النحو.

شعرت بارتياح لأكتشاف ذلك ، عرفت الان حدود العلم. يشرح العلم كيف تبدو الأشياء، والالمام بالعلم يفضي الى كثير من الاستخدامات العملية، لكن ما هو اقصى ما يمكن العلم الوصول اليه. وفي اللحظة التي يلجأ فيها الى العلم فيها لتفسير سبب ظهور الأشياء على الشكل الذي تظهر فيه، لن تجد لديه جوابا سواء الان أو في المستقبل.

" يخلق " علماؤنا الآن من خلال الاستنساخ مستخدمين خلايا جذعية، وما الى ذلك، نجحوا في ذلك وفي وسعهم إخبارك عن كيفية حصول الأشياء التي فعلوها، لكن حين يسالون لماذا يمكن إجراء الاستنساخ، وخلق حياة جديدة ، لن تجد لديهم اي جواب.

إن ما قاموا به لايعدو كونه تسخيرا لسلوك كائنات حية خلقها الله. وفي النهاية ، يمكن اي منا خلق حياة، إننا نقوم بذلك من خلال معجزة الولادة. يمكننا شرح كيفية تلقيح المنيَ للبويضة، لكننا لانستطيع هنا أيضا شرح السبب، لماذا لايضع البشر بيضاَ؟ فهذه العملية يمكن أن تخلق حياة أيضا. لكن الانسان يخلق في رحم امرأة، ولو شاء الله أن ينجب الرجل من خلال عملية وضع البيض، ماذا كنا سنقول؟ سنبين كيفية وضع البيض، وتخصيبها وتفقيسها. لكننا لن نقدر على شرح سبب عدم حصول الحمل في رحم المرأة مثلما يحصل الآن، وجل ما يمكننا قوله إنها ارادة الله.

أصبح إيماني اقوى من أي وقت مضى لأني عرفت الآن ما لم يعرفه المسلمون العرب الاوائل، وهو قدرة الله أكبر بكثير مما أعتقدوا، وانها تمتد ملايين السنين  في الزمن،وانها تحكم كونا هائل الحجم على نحو يفوق التصور. لايمكن العلم إنكار قدرة الخالق،  كما لايمكن العلم الحلول محل الايمان، لذلك ليس في تعلم العلوم ما نخشاه، ولايمكن أن تقوض دراسة العلوم الايمان، بل إنها تقويه في الواقع، لذلك ، لا سبب يمنع المسلمين من دراسة العلوم.

أنا أعتبر هذه الحقيقة على قدر عظيم من الاهمية لأن أحد أسباب تخلف المسلمين هو جهلهم في المجال العلمي ، ومع أن عزو جميع الظواهر الى الله صحيح ، لكن دراسة "الكيفية" التي يشرحها العلم شرط لتمكننا من تسخير ما خلقه الله في تحسين أوضاعنا.

أكبر إساءة للحضارة الاسلامية تلك الاستنتاجات والتعاليم المنقولة عن علماء ومفادها أنه ينبغي للمسلمين عدم دراسة العلوم لأنها علمانية وغير دينية . وبعيد رواج هذه التعاليم ، انكفأت الحضارة الاسلامية واصبح المسلمون في النهاية ضعافا عاجزين عن الدفاع عن انفسهم.

وأسوأ من ذلك أن هؤلاء العلماء نسبوا الانكفاء الى قدرة الله وتجاهلوا التحذير الالهي من أن الله لن يساعد الامة حتى تبذل الجهد في مساعدة نفسها أولاَ " لايغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم" . ولاريب أن حيازة المعرفة العلمية تعطي المسلمين القدرة على الدفاع عن الامة ، وعندما يفشلون في ذلك، لن يلقى دعاؤهم إجابة.

هناك أمور يمكن فعلها بطبيعة الحال حتى في الوقت الحالي، على أنه على الرغم من النعم التي أنعم بها الله على المسلمين، لم يفعلوا شيئا لتحصين دفاعاتهم ورفع مستوى رفاهيتهم، مع أن الاسلام في غاية الوضوح في مسالة الحاجة الى اداء ما أصطلح على تسميته فرض كفاية، وهو الفرض الذي يشترط أن يكون في المجتمعات الاسلامية أفراد تسهم قدراتهم وأفعالهم في الدفاع عن مجتمعاتهم وتقديم ما هو خير لها وللاسلام نفسه. وإذا لم يوجد فرد  قادر على توفير هذه  الامور ، يعتبر المجتمع باسره آثماَ.

أنا أرى أن توفر مدراء جيدين وأطباء ومهندسين وجنود وقادة سيطهر المجتمع الاسلامي من آثام عديدة ،وهؤلاء الأشخاص هم الذين يؤدون بحق فرائض الاسلام.

ومع أن الفرد يثاب على أداء فروض الصلاة والصيام والزكاة والحج ، فإن سد حاجات المجتمع الاسلامي تعود على الفرد بالثواب ، كما تطهر المجتمع من آثام شائعة.

ومن دواعي الأسف أن تشدد المسلمين والذين يدرسون الدين على فروض العين مثل أداء الصلوات والصيام والزكاة والحج أكثر تشددهم على فروض الكفاية، لكن ليس في القرآن آية ولا في السنة حديث صحيح يفيد بأن فرض العين الذي يعود على الفرد وحده بالثواب أو في جزاء يوم القيامة من فرض الكفاية.

يعرف المسلمون جيداَ أن الجنود الذين يقتلون دفاعا عن الاسلام أو عن الامة الاسلامية يعتبرون شهداء جزاؤهم الموعود دخول الجنة ، يستتبع ذلك أن الثواب الذي سيناله المشاركون في تحصين دفاعات المجتمع وتحسين رفاهيته، في الآخرة ، ليس أقل من ثواب الذين يؤدون الفرائض المختلفة ويدرسون الشريعة ويؤمون المسلمين ويتلون القرآن.

إن الدفاع عن بلاد المسلمين ليس مقتصراَ على الجنود ، ولكن يشمل العاملين في الصناعة الدفاعية والباحثين ومبتكري الاسلحة  الدفاعية ومنتجيها، بل  الادارة برمتها في الواقع. وإذا أدوا جميع أعمالهم بإخلاص وبالشكل اللائق، يتعين اعتبارهم في عداد مؤدي فروض الكفاية وهم يستحقون الثواب ذاته.

وإذا فشلوا في أداء مهمتهم ، وإذا كانوا فاسدين يكونون بطيبيعة الحال في جملة مرتكبي الكبائر ويستحقون العقاب في الآخرة.

كانت دراستي للقرآن الكريم نافعة للغاية في توجيهي في حياتي الشخصية وفي أدائي المهام التي أًتمنت عليها بوصفي قائدَ بلادي

وأحسست بأنه ينبغي للآخرين الانتفاع منها أيضاَ. فإذا حظي كل القاطنين في ماليزيا " بالتوجيه الصحيح" ، لابد من أن تصبح دولة عظيمة وستساعد على ابطال الاعتقاد الشائع بانه لايمكن الدول الاسلامية أن تصبح دولاَ متطورة مثل الدول غير الاسلامية. ربما يوجد قدر من الغرور في ادعائي، لكن ذلك لاينقص من حقيقة أن أعمالنا تجعل الاسلام دينا مبجلا وقويا.

عندما قررت إضفاء مغزى إضافي على المادة الدستورية التي تنص على أن الاسلام هو الدين الرسمي للدولة، لم أقصد أنه يتعين على جميع سكان ماليزيا الآخرين أن يصبحوا مسلمين. كل ما أردناه هو تشريب الماليزيين القيم الاسلامية حتى من دون حملهم على التحول الى الاسلام ، لذلك أعلنت في سنتي الثانية في رئاسة الوزراء أنه ينبغي للحكومة الماليزية الاسترشاد بالقيم الاسلامية.

يوجد اختلافات كثيرة في نظم القيم بين أبناء الديانات المختلفة في ماليزيا ، لكني لا أعتقد أن تلك الاختلافات عميقة أو كثيرة ، وعلى وجه العموم ، القيم الاسلامية الجيدة مماثلة للقيم الغربية التي تعتبر جيدة أو التي تسمى القيم العالمية.

وإذا بدا أنه يوجد اختلاف ، فذلك لايرجع الى تعاليم الاسلام ولكن يرجع الى التفسيرات التي ذكرها الذين يشعرون بالحاجة الى أن يكونوا مختلفين. يوجد بطيبعة الحال قيم غربية معينة لايرتضيها الاسلام ، وبخاصة القيم التي تبلورت في الازمنة الحديثة، على أنه حتى غير المسلمين في ماليزيا يودون نبذ هذه القيم.

حتى إني عجزت وأنا صبي عن فهم سبب تخلف الدول الاسلامية وضعفها مقارنة بالدول الغربية ، ولايمكن عزو ذلك الى تعاليم الاسلام . إن  التعاليم الصحيحة هي المذكورة في القرآن وليس في تفسيرات بعض من تلقوا تعليما شرعيا، والحقيقة هي أن المسلمين كانوا أكثر تقدما من الغرب في مرحلة معينة.

قرأت أن المسلمين الذين استقروا في الاندلس في اسبانيا كانوا متقدمين كثيرا على الأوروبيين في الزراعة ، وبنوا العبارات لجر المياه من الجبال وري الارض وبرعوا في البناء كما يتجلى في قصر الحمراء بغرناطة. وشقوا الطرقات للمسافرين والتجار وبنوا خانات للتجارة الى جانب حظائر لجمالهم وخيلهم ، وكان لديهم اسواق للتجار المتجولين ولأصحاب المحلات المقيمين.

خاضوا البحار الهائجة وعبروا الصحارى مهتدين بالنجوم، وعبر التجار العرب المحيط الهندي الواسع للتجارة مع التجار الصينيين والهنود وقايضوا السلع معهم في الموانئ الاستيداع في جنوب شرق آسيا، وكانت بلدانهم ومدنهم حسنة التنظيم ، وعكست مساجدهم مهاراتهم وفهمهم لقوانين الفيزياء، وتقديرهم للجمال وتميزت جيوشهم بحسن التنظيم والقوة وكذلك قواهم البحرية.

كان كل شيء يشير الى تفوق المسلمين وحضارتهم، لكن وجد مسلمون متعصبون ، شديدوا التمسك بأداء فروضهم الدينية ، وكانوا متبحرين في دينهم. تعمق علماؤهم في دراسة الدين وكتبوا مجلدات عن نواحي الاسلام المتنوعة ، بل أنهم برعوا في العلوم والرياضيات والفلك والطب.

أحترم العالم الاسلام والمسلمين آنذاك، وسبب هذا الاحترام نجاح المسلمين في جميع الميادين.

إن كون بلد ما ناجحا لايجعله غير اسلامي ، وسيعتبر بلد ما غير إسلامي إذا تجاهل تعاليم الاسلام فقط، وليس في تعاليم الاسلام ما يفيد بأن الفشل في الحياة الدنيا سينفع صاحبه في الآخرة.

ذكرت في كلمة ألقيتها في الاجتماع العام لحزب سياسي غير مسلم في سنة 1996 م أن ماليزيا دولة إسلامية ، لم يعترض غير المسلمين على ذلك لأنهم عرفوا أن الأغلبية المسلمة التي هيمنت على الحكومة منذ إقامة ماليزيا عاملتهم بعدل وانصاف. لكن هناك مسلمون حتى في ماليزيا، يعتقدون أن الشيء الوحيد الذي يجعل دولة ما دولة اسلامية هو ضرب اعناق القتلة وقطع ايادي السارقين.

لكنه معيار تعسفي، فالقرآن يدعوا إلى إقامة مجتمع اسلامي لا الى إقامة دولة اسلامية. ولاشك في أن المسلمين مأمورون بالتسامح والتراحم، يقول الله تعالى في الاية 45 من سورة المائدة "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُۥ" وكذلك "وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم"التغابن: 14..ويتضح أن الاسلام مبني على التراحم والتسامح ووفق ذلك ، العدل هو الذي يجعل المجتمع إسلاميا. يقول القرآن الكريم "وإذاحكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا" النساء (58)"

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,352,739

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"