تقديم: وجدي أنور مردان
الاسلام، كما يردد كثير من المسلمين ، "طريقة حياة" . إنه دليل شامل لطريقة عيش المسلم وليس "معتقدا" فقط، وعندما يعيش المرء وفقا لما أمر به الاسلام ، سيلقى نعيما في الآخرة كما وعد القرآن الكريم، و "طريقة الحياة" هذه تشمل كل شيء يقوم به وليس أداء الشعائر الدينية فقط.
بما أن الآيات المحكمات واضحات لا لبس فيها ، ينبغي عدم وقوع خلاف في فهمها وتفسيرها ولذلك ينبغي ألا ينقسم المسلمون بسببها ، لكننا وكما بينا أعلاه في حالة قتل المسلمين بعضهم بعضا ، لن يتوانى الأشرار والمضللون عن القتل، على الرغم من وضوح الاية التي تنهى عن ذلك ، بزعم أن خصومهم ليسوا " مسلمين حقيقيين" أو ليسو مسلمين اصلاَ.
المشكلة الثانية التي تنشأ عن أختلاف التفاسير الميل الى التشديد على شكل الرسالة لا على مضمونها.
يؤكد القرآن على الحاجة الى القراءة في سورة العلق ومطلعها "إقرأ". عندما يقرأ المرء، يكتسب المعرفة بالتأكيد، لذلك قرأ المسلمون الاوائل الذين امتثلوا لهذه الاية كل ما وقعت عليه ايديهم لينهلوا من المعرفة.
وبما أنه ليس هناك كثير من الاعمال المكتوبة عن الاسلام في حياة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) ، وبما أن الامر بالقراءة لايضع قيودا على المواد الواجب قراتها ، أطلع المسلمون الاوائل على ما يبدوا على مؤلفات اليونانيين والهنود والصينيين والفرس. وكي يتمكنوا من ذلك ، توجب عليهم تعلم لغات تلك الاقوام ، ونحن نعرف الآن أن العلماء المسلمين الاوائل أعادوا إنتاج الاكتشافات العلمية والنظم الرقمية التي توصلت اليها الشعوب المذكورة، والاهم من ذلك أنهم أجروا دراساتهم وبحوثهم الخاصة وكانت لهم إضافات في كثير من ميادين المعرفة، فالعلماء المسلمون كانوا رواد علم الفلك والجبر ودراسة الامراض والطب والاجرام السماوية وغيرها.
بقي المسلمون متقدمين على الحضارات الاخرى طوال قرون بإتقانهم العلوم والطب والرياضيات . لكن بدات تفسيرات جديدة بالانتشار في وقت قريب من القرن الخامس عشر بعد الميلاد، وفحواها أن كلمة " إقــرأ" تعني اكتساب العلوم الشرعية فقط.
أراد هؤلاء ، القول إن الدراسة التي تلقى استحسان العلماء هي دراسة الدين فقط وأن كل الدراسات أو ميادين المعرفة الأخرى لاتكسب صاحبها أي فضل ، والاشخاص الذين أعطوا هذه التفسيرات كانوا اشخاصا تعمقوا في دراسة الدين، ولابد من انهم مالوا بالبداهة الى اعتبار هذا الفرع من المعرفة أهم العلوم.
واياَ يكون سبب هذا التشدد على دراسة العلوم الشرعية حصرا، الحقيقة هي أن اشتغال العلماء المسلمين بدراسة ميادين المعرفة الاخرى تراجعت في وقت قريب عنها في القرن الخامس عشر ، وبمرور الوقت، أصبح المسلمون شديدي الجهل بهذه الموضوعات.
وصادف أنه في الوقت الذي عزف فيه المسلمون عن دراسة العلوم، لاحظ المسيحيون الأوروبيون، الذين كانوا في العصور المظلمة آنذاك، تفوق حضارة المسلمين وقرروا امتلاك معارف المسلمين فتعلم الكهنة المسيحيون اللغة العربية ودرسوا الكتب العلمية وغيرها والتي كانت تزخر بها المكتبات العظيمة في العالم الاسلامي.
النتيجة النهائية كانت انكفاء المسلمين وتقدم المسيحيين الأوروبيين السريع بعد أن ترجمت المعارف التي اكتسبوها الى اللاتينية أولا ثم الى اللغات الاوروبية الاخرى. وبذلك أتيحت المعرفة للمواطنين العاديين وليس للكهنة فقط مثلما كانت ممارسة الكنيسة في العصور الوسطى.
ومع انكفاء المسلمين بسبب قلة المامهم بالعلوم ، اصبحوا ضعافا وعاجزين عن الدفاع عن أنفسهم. لم يتمكنوا من تطوير دفاعاتهم باسلحة وأستراتيجيات جديدة ، وسقطت الدول الاسلامية الواحدة تلو الاخرى في ايدي الأوروبيين الذين امتلكوا أسلحة أفضل.
هذه هي عاقبة التفسيرات الخاطئة للآيات القرآنية، مثل الخطأ في تفسير " اقـــــرأ" والعجيب أن بعضاَ لم يحمل الآية على معنى القراءة ، لكنهم أقلية لحسن الحظ.
على أن هناك تفسيرات أخرى للقرآن الكريم اذنت الى انكفاء المسلمين، فالقرآن يأمر المسلمين [امتلاك القدرة على الدفاع عن أنفسهم، ولهذا السبب ذكر القرأن الخيل التي تستخدم في الحروب " وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" الانفال 60. وكان لدى النبي الكــــــريم ( صلى الله عيله وسلم) خيول واسلحة أخرى يدافع بها عن المجتمع.
المؤسف ان التفسيرات الحرفية لهذه الاية جعلت المسلمين يهملون أهمية القدرة الدفاعية، وشددوا بالمقابل على امتلاك الخيل عملا بالتفسير الحرفي، والاسلحة التي استخدمها النبي الكريم بوصفها السنة التي يتعين على المسلمين اتباعها، ولو أنهم شددوا على الدفاع، لعززوا قدراتهم الدفاعية بتحديث اسلحتهم مثلما فعل أعداؤهم الأوروبيون.
اسهم إهمال دراسة العلوم والرياضيات في عجز المسلمين عن أختراع اسلحة جديدة وتطويرها. وفي النهاية ، ارغموا على حيازة الاسلحة من أعدائهم وتدهورت بالكامل قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم ، وهي القدرة التي أمرهم القرآن بامتلاكها.
نلاحظ هنا أيضا أنه حتى حين تكون الآية القرآنية واضحة، يمكن أن تفوت المفسرين الرسالة الحقيقية التي فيها، بميلهم الى المعنى الحرفي. ويتعين عزو الحالة الكئيبة التي يعيشها المسلمون اليوم، وعجزهم عن الدفاع عن أنفسهمالى التشدد الخاطئ في تفسيرات تعاليم الاسلام.
يقدم لنا القرآن توجيها آخر غالبا ما يساء تفسيره أو فهمه بما يلحق الضرر بالمسلمين. فليس هناك ضير مثلا في وجوب طلب المسلمين العون بالابتهال الى الله في صلواتهم عندما يواجهون مشكلات أو تهديدات.
يشدد مدرسو الدين على الحاجة الى أداء الصلوات للتوسل إلى الله في أوقات الشدة أو عند التعرض للتهديد لكنهم لم يشددوا على الآية الكريمة التي تقول " إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم" الرعد 11.
من الاهمية بمكان أن نحاول مساعدة أنفسنا، فالصلاة وحدها لن تساعدنا إلا في الحالات التي لايسعنا فيها فعل شيء لأنفسنا، لكن إمكانية معاناتنا عجزا كاملا نادرة للغاية.






