منذ الاكتساح الشهير للموصل من قبل عناصر الدولة الاسلامية في يونيو/ حزيران الماضي، والصحافة العالمية تتبارى في احصاء المقاتلين القادمين من اوروبا للانضمام الى صفوفها، والكل مشغول في البحث والتحليل عن اسباب جاذبيتها.
وعلى الرغم من ان البعض من هذه الاحصائيات والتحليلات ليست بريئة، بل وراءها اهداف سياسية واستخباراتية تصب في الاتجاه العام للحملة العالمية لمحاربة الدولة، فان التقرير الاخير الصادر عن الامم المتحدة يشير الى توجه ما يقارب الخمسة عشر الف اجنبي من بلدان فرنسا وبريطانيا وروسيا وبلجيكا والمانيا وهولندا والدنمارك ودول اخرى للانضمام اليها. فمن فرنسا توجه 1000 متطوع، ومن بريطانيا 500 ومن روسيا 2500، واذا كان عدد المقاتلين الاجانب 7000 متطوع في مارس/ اذار الماضي، فان عددهم بلغ اليوم اكثر من 15 ألفاً، بل ان بعض التقارير اشارت الى ان عدد الملتحقين شهريا بلغ 1000 شخص، ما يفوق ارقام الملتحقين في مرحلة الجهاد ضد الاحتلال السوفييتي لافغانستان، رغم الكثير من الفتاوى التي كانت تشجع عليه، ودخول دول غنية وذات موقع ديني روحي داعمة له بالمال والسلاح والتدريب انذاك.
قد تُفهم اسباب جاذبية الدولة الاسلامية في الوطن العربي، في ضوء التهميش والاقصاء والقتل الحاصل في سوريا وقبلها العراق، وكذلك قد تفهم في سياق الحرب الطائفية المستعرة في المنطقة عموما، التي كان سببها الرئيس ايران، التي تكرس في دستورها الحاكمية لمذهب معين، وتتحرك سياسيا بغطاء مذهبي في مواقع سياسية لمذهب اخر، حتى حصلت المواجهة بين هذا المذهب والاخر، في اليمن والبحرين وسوريا ولبنان والعراق، مدعوما بميليشيات انشأتها لاغراض التمدد السياسي.
لكن ما نحاول الاجابة عليه هنا هو ما هو الجاذب في صورة تنظيم الدولة الاسلامية للشباب القادم من اوروبا، الى الحد الذي باتت حتى الفتيات يغالبن الصعاب ويخاطرن بحياتهن من اجل الانضمام اليه، تاركات حياة الرفاهية التي كُنّ عليها مع اقرانهن.
الصورة النمطية لمن يلتحقون بمنظمات انتحارية كانت دوما تشير الى انهم اصحاب سوابق جرمية، ومن الذين يعانون مشاكل نفسية واقتصادية طاردة لهم اجتماعيا، لكننا اليوم امام كسر تام لهذه القاعدة. التقارير البريطانية والروسية تشير الى ان الملتحقين البريطانيين والروس هم من ذوي الدخل الجيد، ومن الذين لا يملكون سجلا جُرميا وليسوا في حالة عزل اجتماعي، وهو ما اكدته تقارير غربية اخرى. واذا كان من المنطقي بالنسبة للبعض ان يكون التحالف الدولي عامل ردع للمتطوعين، فالحقيقة هي ان الاستقطاب مازال مستمرا لصالح هذا التنظيم. قد يُعزى ذلك الى دور شبكة الانترنت والافلام التي يبثها التنظيم عبر مواقعه، والتي تكون قادرة على الاقناع واستقدام عناصر جديدة، لكن التحالف الدولي كان شطر من حملته يعالج هذا الموضوع ايضا. اذن ما السر وراء هذا الاندفاع الشبابي الاوروبي للانضمام؟ المحيط الاوروبي عالم فاقد تماما للقيم المقدسة ولا وجود فيه لقيم عليا، حتى انها قُزّمت الى مفهوم واحد هو المنفعة، وعندما يدرك بعض الناجحين بان هذه المجتمع لن يستطيع ان يقدم له سوى المنفعة، عندها سيعاني من الاستلاب والتغريب اللذين يقودانه الى البحث عن طريق للتضحية بالنفس كي يعتق روحه من هذا السجن، وفي الوقت نفسه هو اعتراض جهوري على النظام، وهذا ما بشّر به تقرير صدر عام 2009 عن مجموعة من علماء الاجتماع الالمان والفرنسيين، حيث توصلوا الى ان هنالك تحولا كبيرا في النظام الاجتماعي والاقتصادي في العالم الغربي، وان المواطنين باتوا يعيشون في وضع الشعور بانتهاك العدالة مما سيجبرهم على الاحتجاج، وقد يكون طريق العنف هو الطريق السالك الى نفوسهم في ظل الوضع الجديد للتعويض عن الشعور بانتهاك العدالة. ولو اسقطنا هذه النتيجة على ارض الواقع سنجد ان الدولة الاسلامية باتت هي المخلص من هذا الشعور، بالنسبة لمن ينتسبون اليها اليوم ممن ولدوا وعاشوا في هذه المجتمعات.
ان المواصفات المتحققة في هذه التسمية، الدولة الاسلامية، توفر لهم الملاذ الآمن في ظل دولة ليست افتراضية، بل هي تملك كل المقومات عدا الاعتراف الدولي. هي من يسيطر على 144 كم مربعا تقريبا من الارض، واكثر من 6 ملايين انسان كشعب، وتملك موارد بترولية ومائية ومالية تصل الى ما يقارب المليارين ونصف المليار دولار، اضافة الى القوة العارية تملك ايضا القوة الناعمة التي قوامها قيم روحية تشكل دافعا قويا للمنتمين حديثا للاسلام، كانوا يفتقدونها في مجتمعاتهم، رغم ان هذه القيم ليست قيما تشير الى حقيقة الدين الاسلامي. لكن العامل الحاسم والاهم في الجاذبية التي تملكها الدولة الاسلامية، كانت الحرب الخاطفة والنصر المتحقق فيها، التي اعطت انطباعا لدى المتطوعين بانها ليست كيانا فاشلا او مجموعة انتحارية تقودها حالة اليأس الى درجة الانتحار، فعملية الموصل والاندفاعة التي تلتها اعطت انطباعا لدى البعض من الشباب، بان هنالك مستوى عاليا من القدرة على التخطيط والمتابعة والقيادة والسيطرة، واستغلال الموارد البشرية والمادية استغلالا علميا، من قبل مختصين وليسوا مجموعة من الرجال الاميين، مما اثمر عن الحاق هزيمة نكراء بجيش صُرفت عليه مليارات الدولارات، انشئ ودُرّب تحت رعاية واشراف دوليين. هذه المواصفات هي البوتقة التي شجعت الشباب القادمين من اوروبا على وضع رغباتهم في تحقيق الذات فيها، من خلال الالتزام بقضايا كبرى اعلن عنها هذا التنظيم، تمثل اعلانا عن وجود الذات لدى هؤلاء الشباب ايضا، لذلك فان حملة التحالف الدولي ضد هذا التنظيم قد لا تكون قادرة على اسقاط جاذبيته، بقدر ما تكون عاملا يزيد من بريقه في عقول المندفعين للانضمام اليه، على اعتبار انه تحد لقوى كبرى في العالم.
كتبت احدى الفتيات على صفحتها في احد المواقع، بان انتقالها للعيش في هذا المحيط الجديد يعطيها فرصة للزواج والانجاب والمشاركة الفعالة في الكثير من الامور، ولو نظرنا الى هذه الاهداف لا نجد ايا منها ذا طابع مادي، بل هي رغبات في تحقيق الذات المفقودة في المجتمعات الغربية، التي تعيش ازمات حقيقية، الى الحد الذي باتت تنتج فيه نقاط ضعف كثيرة تسمح بظهور العديد من الممارسات التي لم يعرفها المجتمع الاوروبي سابقا.