الصورة: مشهد من آثار العدوان على العراق، وفي الإطار غلاف الكتاب.
تأليف: رينيه دومون عرض: غازي فيصل حسين
تبنى الكاتب الفرنسي، رونيه دومون، موقفاً مناهضة للحرب الرأسمالية الأميركية ضد العراق، وحاول من خلال مؤلفه الذي نشرته دار سوي في باريس، تحت عنوان : هذه الحرب لا تشرفنا، الكشف عن العناصر والدوافع والمؤشرات التي صنعت قرار الحرب التي ادت الي تعريض المدن والسكان، لتدمير واسع النطاق، لتكون واحدة من الجرائم البشعة في عصرنا الراهن، ولتكشف عن التواطؤ بين دول الحلفاء، لشن الحرب تحت لافتة الشرعية والقانون الدوليين، وبما يتعارض مع القانون الدولي الإنساني ومقاصد الأمم المتحدة، هذا التواطؤ، لن يشرف جميع الذين اشتركوا في الحرب ضد العراق، سواء من خلال العمليات العسكرية، أم فرض الحصار الاقتصادي، في محاولة لاعادة العراق الى العصر الحجري، وهنا يمكننا الاستنتاج أن جميع ما يحصل غير شرعي ولا يمكن تبريره اطلاقاً.
هذه الحرب بدت بشعة ومجرمة، وكان هدفها الاول محاولة بناء نظام دولي جديد، والذي يعني من وجهة نظر الرأسمالية، وبسهولة، ضمان سيطرة 15% من سكان العالم، علي 80% من مصادر الثروات في العالم، لذا حاول المؤلف رونيه دومون كشف الاهداف الحقيقية للحرب، وتحليل عدد من التصورات التي تتعلق بأهمية العمل لتقويض النظام الدولي الرأسمالي، وبناء نظام عادل يستند الى قدرة الشعوب في السيطرة على ثرواتها والعمل على ضمان حماية البيئة وتحقيق السلام والمساواة بين الشعوب، بما يؤمن بقاء واستمرار الانسانية، لمجابهة النظام الامبريالي الذي سيعمل على تدمير فرص السلام والأمن في العالم. لقد شهد العالم، منذ عام 1945، أبشع مذبحة في التاريخ، وظهر المنتصرون الخمسة: اميركا، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين، الذين أسسوا منظمة الأمم المتحدة، واحتلوا تلقائيا مقاعد الدول دائمة العضوية، في مجلس الأمن الدولي، الذي يعد أهم هيئة سياسية تستهدف حماية السلام، ان الدول الخمس ذاتها، هي التي شنت الحرب عام 1991 والتي كان بالإمكان تجنبها، من دول التحالف الدولي عبر القبول بالحوار والدبلوماسية لحل النزاع. لقد دان رونيه دومون هذه الحرب، لأنها استهدفت تعريض حياة شعب بأكمله للمذبحة، والعمل على تدمير قدراته الإنتاجية. أن النتائج البشعة للحرب، ظهرت في تقرير الامير صدر الدين آغا خان، في تموز عام 1991، وهذا ما دفع رونيه دومون للقول: ان ما يحصل الآن في العراق بفعل الحصار هو جريمة حقيقية ضد الانسانية ويكون ادانة لجميع الدول المشاركة في العدوان والحصار. ما دوافع الحرب؟ للإجابة على هذا السؤال، يؤكد رونيه دومون، أن فلسفة البحث عن نفط بأسعار رخيصة، تكون العوامل الأساسية لهذا الصراع، الذي انتج وولد جريمة الحرب، ومهما حاولت الدول الغربية الحديث عن مقاصد وتبريرات او غايات حيال العراق، لكن الذي يدفع الثمن الحقيقي لهذه الجرائم واعمال الدمار هو الشعب، وبإمكاننا الاستنتاج أن الغرب بهذه الطريقة الوحشية، بفكر في فرض هيمنته على العالم الثالث، أو عبر الوسائل الاقتصادية، من خلال البنك الدولي او فرض شروط صندوق النقد الدولي. الحرب ضد العراق اذاً، هي ليست سوى تحذير وانذار موجه لجميع دول الجنوب، فالدول التي سترفض الهيمنة الأميركية، كما فعل العراق، عليها ان تعرف أي مصير ينتظرها. وهنا يحاول رونيه دومون اثارة انتباه القارئ الى مسالة مهمة جداً، تتعلق بالإنفاق العسكري والتسلح وعلاقته في صنع السياسة الدولية، فمنذ عام 1945 ارتفع الإنفاق العسكري في الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتحولت مصانع الأسلحة إلى منشآت ضخمة للاستثمار والتوظيف ما اعطاها ثقلا سياسياً واقتصادياً مهماً جداً، وحول التجارة الخارجية للأسلحة الى اداة حصرية لمواجهة العجز التجاري في البلدان الصناعية، لتحسين أدائها الاقتصادي، وهنا تبدو بوضوح الأسباب الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي كونت عناصر السياسة الخارجية للدول الرأسمالية واتباعها ضد جمهورية العراق. من المفيد التذكير، بأن الرئيس الأميركي الجنرال ايزنهاور، سبق ان حذر من مخاطر ظهور قوة ضاربة تستند الى علاقة ثنائية مركبة، عسكرية صناعية، هذه القوة ظهرت فعلا في الاتحاد السوفيتي. عندما تبلورت بنية النظام على قاعدة بيروقراطية-عسكرية، قامت بدور حاسم في صنع الحياة السياسية، والتحكم في مستقبل الأمن الدولي. الأمن، البيئة، التنمية لقد ظهرت مفارقة غريبة، في العلاقة بين الأمن والتنمية، ففي عام 1983 أنشأت في الأمم المتحدة هيئة دولية للبيئة والتنمية برئاسة السيدة جروهارلم بروندتلاند، التي استمرت في أعمالها ل4 سنوات بعد الإفادة من مقترحات واراء اكثر من 1000 خبير واختصاصي، وعلى اكثر من مئة ملتقى وحوار علمي، وضعت تقريراً مهماً، تضمن استنتاجاً اساسياً مفاده: أن تخفيض الاتفاق على التسلح في العالم بصورة جدية، سيسمح بتوفير مصادر مالية مهمة للمشاريع المتعلقة بحماية البيئة ولمساعدة بلدان العالم الثالث. واشار التقرير، إلى أن تخفيض الانفاق العسكري بنسبة 20% في الدول الصناعية سيوفر 120 مليار دولار، ويكفي هذا المبلغ لتلبية العديد من الاحتياجات المهمة جداً، ويحل مشكلات معقدة ومختلفة يعانيها العديد من المجتمعات والدول. القد دفع التقارب بين الشرق والغرب، قبل تفكك الاتحاد السوفيتي الى الاعتقاد ان العالم سيتقدم وبسرعة نحو نزع السلاح بما يخدم قضية السلم والأمن، لكن الآمال تقوضت بسرعة بعد شن الحرب ضد العراق، وظهور دعوى زائفة الى بناء نظام دولي جديد، لكن رونيه دومون، يعتقد ان النظام الدولي الحقيقي هو الذي يتيح الفرصة لتحقيق الهدف الجوهري في بناء النظام، والمتمثل في تطبيق برنامج شامل لنزع السلاح في العالم. لقد دفعت الأوضاع الدولية، بعد وصول رونالد ريغان الى منصب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية عام 1981، الى بذل جهود استثنائية لدعم القوة العسكرية لأميركا ولحلف شمال الأطلسي وهذا ما رفع من معدلات الإنفاق العسكري الى قرابة 3 آلاف مليار دولار خلال 10 سنوات، و مما اضعف الاقتصاد الأميركي، بسبب ارتفاع الديون الداخلية في الفترة ذاتها الى ألفي مليار دولار، واسهم في رفع العجز في الميزانية، خصوصاً الميزان التجاري الخارجي، هكذا تحولت الولايات المتحدة الأميركية الى مجرد قوة عسكرية. لهذه الأسباب ظهرت العديد من التحليلات في اوروبا، في نيسان عام 1991، تؤكد أن القوة السياسية ـ العسكرية للولايات المتحدة الأميركية، لن تستطيع منع انهيار الاقتصاد الأميركي وتفكك المجتمع، من هنا ندرك لماذا اندفع جورج بوش نحو خيار الحرب ضد العراق، على الرغم من معارضة البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية، كما أشار بوب وود في كتابه: القادة، مستغلا اختلال القوة في النظام السوفيتي وحلف وارشو لان خيار الحرب بالنسبة لجورج بوش سيدفع لاظهار اميركا كسيدة للعالم. الحرب ، بالنسبة لجورج بوش، بدت ذات تأثير مزدوج، فهي مناسبة سياسية مهمة لفرض هبية واشنطن على العالم، مما سيمكنها من حل مشكلاتها الاقتصادية، الثاني: أن التقدم التقني والتفوق الأميركي سيسمح باستثمار نتائج الحرب ضد العراق، لنسيان هزيمة الجيش الأميركي في فيتنام التي كونت جرحاً عميقاً مزق وهز المجتمع الأميركي. لقد ظهر العديد من الشخصيات السياسية والفكرية، في الولايات المتحدة الأميركية، التي عارضت الحرب، كما برزت خلافات حقيقية على صعيد النقاشات في الكونغرس الأميركي بشان قرار الحرب، وفي فرنسا صوت 47 من اعضاء مجلس الشيوخ ضد الحرب و 53 مع الحرب، والذين صوتوا مع الحرب كانوا ضحايا التظليل الاعلامي الواسع حول السياسة العراقية. فالكذبة الكبرى، حول قصة الحاضنات في المستشفيات الكويتية، والادعاءات الزائفة ان العراقيين قاموا بقطع الاوكسجين عن الأطفال الخدج، جميع هذه التلفيقات ساعدت على قبول فكرة شن الحرب ضد العراق. من المعلوم أن الولايات المتحدة، تعد أضخم منتج ومستهلك للنقط، وهي المسؤول الأول عن التلوث البيئي في العالم. واستطاعت بناء نظام السيطرة والهيمنة على الشرق الأوسط الذي يضم اضخم احتياطي للنفط في العالم لكي تستمر في تبذير هذه الثروة الطبيعية النادرة، لذا كان الدافع الأساس للحرب هو الهيمنة على النفط، لكن الاعلام الأميركي، حاول دفع الرأي العام للاهتمام بقضايا أخرى، من خلال تقديم الواجب الذي يقوم به الجيش الأميركي، الذي يتمثل في الدفاع عن القانون الدولي، وعن المثل والقيم العليا للعالم الحر والحضارة الغربية. عبر الحرب لتدمير العراق، أراد جورج بوش التأكيد أنه قائد النظام الدولي الجديد، الذي لن يكون، كما يؤكد رونيه دومون: اقل بشاعة من النظام الدولي الاستعماري القديم، لهذه الأسباب تعالت وتوسعت الاحتجاجات من العلماء والكتاب والسياسيين والصحفيين والاحزاب المعارضة الحرب، في فرنسا، وبريطانيا والمانيا وايطاليا وأميركا وروسيا والصين والدول الإسلامية والنامية واندفعت التظاهرات في المدن الأوربية الكبرى، وخرج عشرات الألوف ثم مئات الألوف للتنديد بالحرب، كما رفض الحرب الأميركية الدموية العديد من الشخصيات البارزة في الحياة السياسية الأوروبية: كلود شيسون، جان بيير شوفانمون، ماكس كالو، ميشيل جوبير، بول ماري دولا غورس، والبابا جان بول، والأميرال ديغول ، وميشيل دوبريه، وكوف دو مورفيل، ومئات من المفكرين والقادة الذين آمنوا بالسلام ورفضوا أمركة العالم. تدمير قدرة الانتاج العراقية عندما اندلعت الحرب في فجر 17 كانون الثاني/يناير 1991، دعيت في الصباح الجمعية الوطنية الفرنسية الى عقد جلسة خاصة، لمناقشة الاثار الخطيرة لاتخاذ قرار الحرب، لقد بدا للعيان وبوضوح منذ الضربات التدميرية الأولى التي وجهت العراق، ان ادارة الحركات العسكرية، وقيادة العمليات، كانت حصرا تحت اشراف مباشر من هيئة الأركان المشتركة الأميركية، من دون استشارة أو اخذ راي الحلفاء، انها حرب امريكية، غطاؤها الشكلي دول الحلفاء وغطاؤها القانوني الأمم المتحدة. لقد بلغ مجموع ما القي على العراق ومسرح العمليات الجنوبي من قنابل يقدر بـ (88500) طن، خلال 5 أسابيع، وتبدو هنا مخالفة خطيرة لقرارات مجلس الأمن الذي حدد العمليات في منطقة الكويت، بينما الواقع الفعلي ان القنابل والصواريخ استهدفت: بث الرعب بين السكان المدنيين، وتدمير القدرات الانتاجية للاقتصاد العراقي والقدرات الدفاعية. حاول الإعلام الغربي اظهار دقة القنابل الذكية والصواريخ الموجهة والتي لا تخطى إلا بنسبة 1من 10 عند اصابة اهدافها العسكرية، الأعلام هنا، يحاول اقناع الرأي العام أن هذه الحرب الالكترونية ذات التقنيات المتقدمة، لا تستهدف المدنيين، بل المواقع الاستراتيجية العسكرية وبدقة، أن الواقع يشير الى عكس ذلك تماماً، فالصواريخ والقنابل الذكية لم تكن سوى 7% من مجموع ما القي من قنابل على العراق، اي 6500 طن، أما المقذوفات الأخرى غير الذكية، فتكون 93% ودقة اصابتها 20%، وهذا ما عرض السكان المدنيين لمخاطر واسعة جداً خصوصاً ان الطائرات الأميركية كانت تلقي قنابلها من ارتفاعات عالية جداً تقدر بعشرة آلاف متر لتجنب الدفاعات الجرية العراقية، وهذا ما كان يقلل من دقة الإصابة، ليكون هو الآخر مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني. فبعد ضرب عدد من المواقع العسكرية، استهدفت الصواريخ والقنابل الأميركية، منذ الساعات الأولى، مدينة بغداد، حيث نفذ برنامج لتدمير: جميع المضخات ومنظومات مياه الشرب، ومنظومات تصريف المياه الثقيلة، وجميع محطات انتاج الطاقة الكهربائية والمحطات الفرعية، اضافة الى تدمير المصانع المدنية وضرب وتعطيل 129 جسراً على نهر الفرات ودجلة. بعد شهرين من الحرب حاول الأمريكان تحويل بغداد التي يسكنها حوالي خمسة ملايين نسمة، الى مدينة تفتقد جميع الخدمات المتعلقة بديمومة الحياة الانسانية كالكهرباء والمياه والاتصالات والمستشفيات. هذه الحرب البشعة والقذرة، وصفها الاعلام الاوربي والأميركي، بالحرب النظيفة والتي وصفها الجنرال الفرنسي كالوا: بانها استهدفت الانسان والتقدم والمدنية، لم تكن حربا جراحية، كما ادعي كيسنجر، لكنها كانت حرباً استهدفت تصفية العراق الحديث، الذي نجح بقطع شوط واسع نحو التنمية والتحديث، انها حرب قذرة، لأنها استهدفت اعادة العراق عشرات السنين الى الوراء، عبر تدمير البني الارتكازية فيه. هذا الهدف لم يوضع في اطار قرارات مجلس الأمن، لكنه وضع في اطار الاستراتيجية الأميركية لتدمير العراق. الجنرال كالوا يؤكد لأثبات دقة ما ورد أعلاه، ان قيام واشنطن بإلقاء 90 ألف طن من القنابل على العراق لا يستهدف اخراج الجيش العراقي من الكويت، كما طالب مجلس الأمن الدولي، بل استهدف تدمير كامل البنية الصناعية والقدرات الاقتصادية للعراق، التي شملت مجموعة المنشآت البحثية والعلمية، ومصاف النفط ومحطات الكهرباء، ومنظومات المياه، والاتصالات والسايلوات ومخازن الغذاء والمستشفيات والمدارس والملاجئ، وهذا ما عرض حياة السكان المدنيين لمخاطر الموت بفعل الاعمال العسكرية، او التلوث في المياه والبيئة وانتشار الأمراض. ثم، وللامعان بجرائمها ارتكبت الولايات المتحدة الأميركية جريمة بشعة تخالف قوانين الحرب عندما قامت قواتها بمهاجمة القطعات العراقية، المنسحبة من ساحة العمليات في الجنوب بعد وقف اطلاق النار. لقد وصف الجنرال كالوا الطريق الممتد بين سفوان والبصرة، بطول يقدر بأربعين كيلومترا بأنه: طريق الموت. كما وصفه ضابط بريطاني بأنه: لم يشاهد ما هو اكثر بشاعة وفظاعة مما شاهده في هذه المناطق، حيث استخدم الأميركان قنابل محرمة دولياً، وهنا يحق للمجتمع الدولي، وللرأي العام العالي ان يثير السؤال التالي: لماذا هذه المذيحة البشرية التي خططت لها الادارة الأميركية؟ أن الطريقة التي قادت بها واشنطن العمليات العسكرية والأهداف التي دمرتها تتعارض تماماً مع اتفاقيات جنيف التي تلزم احترام السكان المدنيين، وعدم التعرض للأهداف غير العسكرية وجميع المنشآت المدنية، واحترام ضحايا الحرب، وهذا ما لم تفعله وتلتزم به القوات الأميركية. خصوصاً عند ضربها القطعات العسكرية المنسحبة من مسارح العمليات بعد وقف اطلاق النار. عبر قرون طويلة، تعلمنا أن الحقيقة، هي الضحية الأولى في جميع النزاعات، فوسائل الاعلام المضللة قامت بإظهار العمليات العسكرية، وكأنها موجهة فقط ضد المنظومات الدفاعية العراقية. لكن الوقائع ظهرت العكس تماماً، لقد كان هدف واشنطن من الحرب هو انهاء العراق. ان اوروبا وأميركا، سواء دولاً أم شركات، دخلوا الى المنطقة عام 1918 لاستثمار الثروة النفطية ولم تهتم بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إنها لم تهتم ببناء ديمقراطية حقيقية ولا بإرساء قواعد التحديث، له انحصر هدف هذه الدول والشركات، للتركيز على ضمان تدفق النفط بكميات غير محدودة، وبأسعار رخيصة ولتأمين استمرار الرفاهية في الدول الرأسمالية . ان الحصار الذي تقرر في مجلس الأمن الدولي في 6 آب/أغسطس 1990 شمل التجارة الخارجية للعراق وجمد امواله وممتلكاته في الخارج بصورة كاملة، لكن الاحتجاجات الواسعة في العالم دفعت مجلس الأمن الدولي الى اصدار قرار في ايلول/سبتمبر 1990 يسمح للعراق بشراء الأدوية والسلع الغذائية الأساسية للمدنيين، من دون تحرير الأموال العراقية المجمدة والتي من دونها لا يمكن شراء مواد غذائية وادوية، لقد حرم العراق ايضا شراء الأدوات الاحتياطية، لإصلاح العديد من الأجهزة الحيوية في المنشآت التي تقدم خدمات انسانية في المستشفيات ومنظومات الاتصالات والمياه والكهرباء والنقل والري. ومنذ توقف العمليات العسكرية ضد المدن العراقية، ارتفعت تدريجياً معدلات البطالة في القطاعين الخاص والعام مما شل الحياة الاقتصادية وعطل فرص العمل، لقد تحولت الأمم المتحدة بفعل استمرار فرض الحصار على العراق الذي عطل قدرات المجتمع الإنمائية الى اداة لارتكاب واحدة من أبشع جرائم الحرب، عندما حولت شعبا بأكمله الى رهينة بناء على قرار دولي، غير مسوغ اطلاقاً، ومن المثير للسخرية، ان بعض الأميركان، اعلنوا عبر تصريحات عن ميلهم لإعطاء العراقيين مواد غذائية، بدلاً من السماح لهم بامتلاك وسائل لإنتاج الغذاء، وهكذا يعامل شعب، غير مسؤول عن اندلاع حرب دموية بطريقة لا انسانية، وليوضع بأكمله محكوما عليه في السجن. عندما ظهر تقرير الامير صدر الدين اغا خان، كشف عن الحقائق المريرة التي نتجت عن اثار العدوان العسكري على العراق، وعرضت المجتمع المدني لأخطار تعارض القانون الدولي الإنساني. لقد اصدر مجلس الأمن قراراً في 15 آب/أغسطس 1991، استناداً إلى ما ورد في تقرير اغا خان، سمح للعراق بتصدير ما قيمته 1.6 مليار دولار لشراء أغذية وادوية، لكن جمهورية العراق، رفضت القرار لان آلياته ، وما لحقه من قرارات، تعرض المجتمع للخضوع للهيمنة المطلقة للإمبريالية الأميركية. لقد تصاعدت الاحتجاجات والادانات في العديد من دول العالم، للتنديد بالسياسة الأميركية، فالسيد رامزي كلارك وزير العدل الأميركي الأسبق، الذي بقي في العراق اثناء الضربات الجوية اعلن: أن الهجوم الجوي الذي استهدف المدنيين، يعد جريمة من جرائم الحرب، هذا التصريح يضع الادارة الأميركية تحت طائلة المساءلة القانونية، وفي ضوئها يعد جورج بوش مجرم الحرب الأول الى جانب وزرائه وهيئة الأركان المشتركة. هكذا، انطلقت التظاهرات لإدانة الحرب على العراق، في هونغ كونغ اعترض الشعب على الحكومة لأنها دفعت 230 مليون دولار لآلة الحرب، وفي ماليزيا ندد الشعب بالاستعمار البريطاني تعبيرا عن اعتراضهم على الحرب، وفي الفلبين طالب الشعب بغلق القاعدة الأميركية، أما في اليابان فندد الشعب بانبعاث النزعة العسكرية اليابانية مذكرين بجرائم تدمير هيروشيما وناكازاكي، وفي استراليا احتج المتظاهرون على الممارسات التحليلية للإعلام التي شوهت الحقائق امام الراي العام، وفي مدريد واوسلو واستكهولم، كما في العديد من المدن الكبرى في الهند وفي جنوب افريقيا، وفي مختلف انحاء العالم، نشطت الجماعات والأحزاب والمنظمات لتعبئة الراي العام، ضد الحرب ونتائجها وضد سياسة دول التحالف اللاإنسانية. ولاستكمال فضح جرائم الولايات المتحدة الأميركية، جمع العديد من الوثائق والشهادات حول هذه الجرائم، وفي 9 آذار/مارس 1991 اعلن السيد رامزي كلارك في بيان مفصل: أن ما قام به جورج بوش، وهيئة اركانه العسكرية من مخالفات للقانون الدولي، يعد جريمة ضد المدنيين، كما فضح الرشاوى التي قدمتها واشنطن لعدد من الدول على شكل قروض او مساعدات مالية، فالصين استحوذت على قرض بقيمة 140 مليون دولار من البنك الدولي، وحصلت زائير على وعود بالحصول على مساعدات عسكرية، أما الديون المصرية العسكرية البالغة 7 مليارات دولار فقد تم اطفاؤها والغيت نصف ديون مصر المدنية، حصة سوريا من الصفقة كانت أطلاق يدها في لبنان ثمنا لجهودها في دعم حرب الحلفاء على العراق، اما السعودية، فقدمت لها واشنطن وعد ببيعها أسلحة الكترونية متفوقة بقية 12 مليار دولار، وكانت حصة اليمن تهديده بقطع المساعدات العسكرية الأميركية اذا ما استمر في مواقفه المساندة للعراق. الى جانب كل ما تقدم، قامت الولايات المتحدة بتقديم 187 مليون دولار للأمم المتحدة ثمنا لتصويتها لصالح اعلان الحرب، وهذا ليس الا بعضا من فضائح ما قامت به الولايات المتحدة لتمرير سياساتها غير المشروعة في المنطقة. ثم يختتم السيد بونيه دومون كتابه، الذي يعد وثيقة مهمة لإدانة السياسة الأميركية بفصل مهم جدا يتضمن معلومات قيمة، تكون في مجموعها انتقادات علمية للنظام الاقتصادي الدولي المبني على الأيديولوجية الليبرالية والذي سيقود العالم الى نهايته وحتفه، ويؤكد السيد رونيه دومون كلمة اخيرة: علينا أن لا ننسي، بان المعركة مستمرة ولن تكون لها نهاية.