التجهيل في العراق سياسة وفكر استعماري

شاهين محمد

إن الجهل  ليس نتاج عفوي في عقل المرء  ولا يتراكم دون معطيات ولا هو بالقدر التلقائي للفرد أو المجتمع بل تتم صناعته بتغييب الحقائق وخلق بيئة مناسبة لإقناع الجاهل انه ليس كذلك، ليكن بالمستطاع توجهيه نحو أهداف وغايات تُرسم له فيكن معارضا للتغيير بعنف ، وبالتوازي مع ذلك يتم خلق مجتمع لا ينفر من  الجاهل ويتقبله رغم ظلاميته و مجتمع يمتنع عن البحث عن الحقائق التي ترفع من شأنه . لذا اعتبر الاستعمار القديم والحديث أن أهم ركائز ثالوثه هو الجهل مترابطا مع المرض والفقر . والتجهيل ترسيخ وتعميق للجهل في المجتمع وأدواته مخالب قاتلة للمجتمع.

ولأجل بناء الجهل وفق قواعد علمية عُقد في لندن  مؤتمر هنري كامبل بانيرمان عام 1906 كان هذا المؤتمر من أطول المؤتمرات  التي تستهدف عقل الإنسان في التاريخ حيث استمر شهرا كاملا وقدمت فيه دراسات تعني بمصالح الدول  الاستعمارية وفي مقدمتها بريطانيا ، والشروع بتأسيس مؤسسات ومعاهد تقوم بإعداد استراتيجيات للتجهيل بطرق علمية  ، وكانت من بين أهم تلك الدراسات والقرارات تلك التي تستهدف منطقتنا العربية وشعوبها فأجمعت دراساتهم هذه على ضرورة ( إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة ( العرب الهدف الجوهري)) ووفقا لما ذهب إليه الباحثون في هذا المؤتمر أن هذه الدول المستهدفة  لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ويوجد تصادم حضاري معها، وتشكل تهديدًا حال تفوقها (وهي بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام)، والواجب تجاه تلك الدول هو حرمانها من الدعم، ومنع اكتساب العلوم والمعارف التقنية، وعدم دعمها في هذا المجال ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية. ومن أهم وسائل تعزيز التفكيك والجهل هو إثارة العداوة بين طوائف هذه الدول التي تتــم بواسطة صناعة الجهل وتغليفه في هيئة جميلة ونشره بين الفقراء لان ذلك يساهم في إضعاف المجتمع ولجعل إفراد الطائفة الواحدة متقوقعيين اجتماعيا لخوفهم من الآخر  وينحسر مستوى الوعي عندهم  لرفضهم التوسع الثقافي لكي لا يتأثروا بالثقافة العامة ويتمسكوا بمنظورهم  الطائفي أو الجهوي الضيق .

فمنذ 2003 سعى المحتل في تكوين التكتلات الطائفية وعززها بفكر ديني ليحصل الفرد في الطائفة على قداسة  الحفاظ على الطائفة وتبرير إي عمل معادي للطوائف الأخرى تحت غطاء القدسية الدينية . وعندها يتمكن الموجهين للطائفة وهم أصحاب المصالح الخاصة سياسيا أو اقتصاديا   أن يبعدوا أبناء الطائفة  عن إدراك الحقائق التي حولهم ومنعهم من البحث عنها بخلق جوا من الإرباك ليصنع مجتمعا جاهلا يُستخدم في تنفيذ أجندات سياسية ذات طابع استعماري.

إن ترسيخ الجهل والحفاظ على ما تحقق  من طائفية في المجتمع لابد من  تحطيم عالم التعليم وتدمير وسائل المعرفة  والترويج للجهل عبر قنوات إعلامية تافهة متعددة فأصبح المواطن العراقي بين فكي التخطيط الخارجي الاستعماري وبين أدواته الإعلامية وأحزابه التي تفرض إعلاما جاهلا طائفيا وتًدخل الأحزاب بالملاكات التعليمية والتي تُركز على مدارس الابتدائية والثانوية لخلق قاعدة للجهل المتنامي ناهيك عن سرقة أموال البنى التحتية للتعليم، فقد كثرت في جنوب العراق مدارس مبنية من طين رغم رصد مليارات الدنانير لغرض بناء المدارس ذاهبة بذلك لجيوب الأحزاب . إن فساد منهاج التعليم وإبعاد الكفاءات ذات الاختصاص في التربية والتعليم أدى إلي تدني مستوى التعليم  في العراق ليكون في ذيل القائمة  العالمية، بعد أن خرج العراق من ظلام الأمية في نهاية سبعينيات القرن الماضي . لقد أشار عدد غير قليل من الباحثين والكتاب عن الكارثة التعليمية في العراق ولُخصت المخاوف في تقرير كتبته السيدة شذى خليل من مركز الروابط للبحوث والدراسات في اب / أغسطس 2018جاء فيه :

(مستقبل العراق مظلم بسبب حال التعليم الذي تم تدميره بطريقة ممنهجة خدمة لمصالح المتربصين بالبلاد والراغبين في السيطرة عليه من قوى إقليمية وعالمية ، التعليم في العراق بحاجة إلى ثورة ضد الفساد والمفسدين للنهوض به من جديد ، وسيدون التاريخ من أساء للعلم والتعليم في العراق ، ليكون وصمة عار في جبينه )

وآخر صيحات التجهيل في العراق هو دخول الميليشيات وبشكل رسمي على خط التعليم لفرض وصايتهم عليه عبر ما يسمى الحشد التربوي وفرض رؤيتهم في تفسير الحياة على الضد من المنهج التعليمي وجعل المعلم أداة للتجهيل لأنه تابع لفكرهم اللاديني  المنحرف ذو الخرافة  الفارسية .

نحن إمام مؤامرة كبيرة منظمة على مستقبل  العقل العراقي من خلال تجهيل التعليم  بشكل ممنهج وزيادة منسوب الخرافات والحكايات ذات الطابع الهدام  بواسطة القنوات التابعة للأحزاب التي تعج بالمتعممين لإسداء صدقية على الجهل باسم الدين  وقنوات أخرى مجهولة التمويل بالإضافة إلى جيش التجهيل الالكتروني .

إن نظريات الإصلاح التربوي المعروفة عالميا أو الخبرات العراقية الأصيلة في هذا المجال  لا يمكن لها أن تجد مناخا مناسبا للقيام بأي دور لتغيير واقع الحال  لأنها لا تملك أدوات التغيير الأساسية وهي فرض رؤية علمية لمكافحة الجهل ولا تستطيع أن تمنع القوة التدميرية للعقل العراقي من العبث في مستقبل العراق الحضاري إلا في حالة إزالة العوائق المانعة لذلك وأهمها أداة التجهيل وهي الميليشيات المدعومة من إيران وتنفذ أجندتها و برضى اميركي صرف وهذا الأمر لا يتم إلا بإلغاء العملية السياسية التي سمحت لوسائل التجهيل أن تتعمق في المجتمع ومنها الطائفية والفساد المالي والإداري والسياسي  وهيمنة الخرافة على المجتمع مغطاة بيافطة قانونية أسموها الدستور عند ذاك يمكن البدء بثورة ضد الجهل وادوات التجهيل واستعادة الموروث الحضاري للعراق عبر قرارات نهضوية .

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,353,591

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"