تعديلات دستورية ضد الدولة

محمد سيف الدولة

العملية التى انطلقت للتمديد للسيد عبدالفتاح السيسي ليحكم مصر حتى عام 2034 وما بعدها عبر ما يسمى بالتعديلات الدستورية، هي عملية موجهة ضد مصلحة الدولة المصرية بكافة مؤسساتها.

 

لن أتحدث هنا عن انتهاك الدستور والعدوان على حقوق الشعب وحرياته، والعصف بأبسط اسس ومبادئ النظم الديمقراطية. وانما سيقتصر حديثي على الدولة التى يكرر السيسي دائما ان مهمته الأولى هي تثبيتها والحفاظ عليها وسط محيط اقليمي غارق في الفوضى والمؤامرات الخارجية.

فما هي مصالح مؤسسات الدولة في ان يتم التمديد لعبدالفتاح السيسي ليحكم مصر وحده 14 عاما أخرى أو أكثر؟!

ليس لأى منها مصلحة في ذلك، بل ان فيه اضرارا كبيرا بأوضاعها وتهديدا مباشرا لاستقرارها واضطرابا في مراكزها واهتزازا لمكانتها وتراجعا في أدوارها ومخاطر قد تنال من امتيازات اعضائها والقائمين عليها.

فليس لمؤسسة القضاء بطبيعة حال أي مصلحة في ان تفقد ما تبقى لها من استقلال، بموجب التعديلات المطروحة بشأنها، ناهيك على ان سمعتها ستتعرض الى إساءة بالغة وستفقد كثيراً من الهيبة والثقة والاحترام الشعبى لها، اذا شاركت في تمرير هذه التعديلات عبر هذا الاستفتاء المزمع عقده، والذى لا يمكن إجراءه وتمريره بدون العدوان الكامل على قواعد النزاهة والشفافية والمصداقية، حيث سيتم تزويره بالضرورة. فما حاجة مؤسسة القضاء ان يقترن بسمعتها وتاريخها تزوير جديد في الصناديق يتم تحت إشرافها ورقابتها؟!

واما البرلمان فلا يوجد انسان عاقل في العالم لا يعلم ان كل زيادة او تركيز لمزيد من السلطات والصلاحيات في ايدي رئيس الدولة وسلطته التنفيذية يأتي على حساب صلاحيات البرلمان وسلطاته، ليقلصها ويعتدى عليها.

اما بالنسبة للقوات المسلحة، فانه فليس لها أي مصلحة في تركيز السلطات في ايدي رجل واحد. فمصلحتها حتى في ظل الحكم العسكري الكامل في ان يستمر حكمها العسكري اطول فترة ممكنة، وان تظل محتفظة بسطوتها وهيمنتها وبامتيازاتها الى ما لا نهاية. ولكن تمديد حكم السيسي الى الأبد سيعرض هذه المكانة وهذه الامتيازات لخطر شديد، وسيجعلها في مهب الريح، حيث ان المصريين لن يتوقفوا عن مقاومة هذا الوضع بكافة الطرق والادوات. فاذا نجحوا، ولو بعد حين، فسيقومون بهدم المعبد على من فيه.

وماذا يضير القوات المسلحة ان تختار من بين صفوفها كل ثمانية سنوات رئيسا جديدا لمصر؟  ما مصلحتها ان يحتل رجلا واحدا كرسي الحكم لعشرات السنين؟

 ليس لها ادنى مصلحة.

اما الشرطة فانه حتى في ظل حكم الدولة البوليسية، بكل تجاوزاتها وانتهاكاتها للقانون وللحقوق والحريات وتحولها الى اداة قمع للمواطنين وللمعارضين السياسيين، الا انها اكثر من أي مؤسسة اخرى ليس لها أي مصلحة في ان تتحمل مخاطر هذا الوضع، وتعيش في ظل تهديدات ومخاطر امنية طول الوقت، وتتورط في مواجهات مستمرة مع كافة أشكال المعارضة المصرية السلمي منها والعنيف التى ستسعى بكل السبل والطرق الى اسقاط هذا الحكم الفردي المؤبد.

ان وزارة الداخلية تستطيع هي الاخرى ان تحتفظ بكل امتيازاتها ونفوذها وهيبتها، في ظل تداول لكرسي الحكم وتغير للرؤساء وتعددهم.

وكذلك اجهزة المخابرات والأمن القومي التى ستواجه مزيدا من الصعاب والتحديات والاختراقات نتيجة زيادة أنشطة الاستخبارات الاجنبية التي دائما ما تتعيش وتقتات على الغضب العميق والمكتوم في ظل انظمة الحكم الديكتاتورية المؤبدة التي لا تترك لشعوبها أي أمل في المستقبل، مما يدفع بعض حركات المعارضة للدعم الخارجي والاستقواء بالخارج.

فاذا أضفنا هذه المؤسسات الى جموع الشعب المصري بكافة طبقاته وفئاته وطاقاته الفكرية وقواه وحركاته الوطنية والسياسية، فسنجد ان الكل في مصر خسران، فيما عدا رجلا واحدا ومن حوله من بطانة قليلة، مهما زادت فستكون محدودة العدد.

وليقل لنا أي من رجال الدولة أو خبرائها الاستراتيجيون: ما هي الفوائد التى عادت على القوات المسلحة من استمرار مبارك في الحكم كل هذه المدة؟ او تلك التي نالتها الشرطة التى دفعت أثماناً فادحة من هيبتها وسطوتها نتيجة ثورة يناير التى تفجرت ضد مشروعات التمديد لمبارك او التوريث لجمال؟ او القضاء التى شهد اضطرابا شديدا وتدخلا سافرا في شؤونه ودوائره واحكامه بذريعة فرض النظام وانقاذ مصر من الفوضى؟ او الأمن القومي الذى كان في مهب الريح؟

وما الذى حدث لكل قادة مؤسسات مبارك بعد الثورة؟

اذا كان ذلك كذلك فلماذا يقبل كل هؤلاء المشاركة في مهزلة دستورية سيكونون هم اول ضحاياها؟!

ولماذا يدعمون ترتيبات وسياسات ستعمل ضد مصالحهم وضد استقرارهم على المدى المتوسط والبعيد؟ بل ربما أقرب من ذلك بكثير؟!


comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,359,273

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"