أوراق مختارة من سجل العلاقات العراقية– الإيرانية 8

رعـد البيدر

الاقتدار والانهيار الفارسي في خلافة هارون الرشيد

تمهيداً لما بيناه في ورقةٍ سابقةٍ، فقد منحَ هارون الرشيد البرامكة سلطات واسعة حال توَّليه الخلافة ، فاستوزَرَ يحيى البرمكي وزارة تفويض، وتلك وزارة لا تتطلب مصادقة الخليفة على قرارات وزيرها لكي يباشر المعنيون بتنفيذها. 

ومنح "الفضل" وهو الأبن الأكبر ليحي البرمكي وأخ الرشيد من الرضاعة - الولاية على بلاد المشرق (خراسان وطبرستان وأرمينيا وبلاد ما وراء النهر) وهي بلاد واسعة تمتد إلى حدود الصين، ومنح الأبن الأصغر جعفر البرمكي الولاية على الجزيرة والشام ومصر وأفريقية. كان جعفر محبوباً عند الرشيد ، فأبقاه في بغداد ليكون قريبا منه .

إن حصيلة الثقة الكبيرة التي أولاها الرشيد للبرامكة جعلت لهم نفوذاً واسعاً في الدولة ، وفسحت لهم مجالاً غير مُقيَّد للتحكم والإشراف على جميع مرافق الحياة العامة في الدولة خصوصاً: الإدارة والعلوم والجيش.

تغيَّرت قناعة الرشيد بإخلاص البرامكة للدولة العباسية ، وعلى أثرها تغيَّرت مكانتهم وقناعاتهم من داعمين إلى معاديين للحكم - عداءً بين خافٍ وظاهر . لا يتسِّع مجال المقال التوَّسُع بما احتوته المؤلفات التاريخية من مسببات وتبريرات، إضافة إلى عدم وجود إجماع بين المؤرخين لتحدد السبب الذي دفع الرشيد بأن يغير قناعته بالبرامكة ، ويبدأ مرحلة التخلص منهم . من أجل ذاك فقد احتوت كُتُب التاريخ على الكثير الروايات الكاذبة - التي أجمع المُحققون ببطلانها أو ضعف مصداقية الكثير من أحداثها .

المُرَّجَح من الأسباب وفق قناعتنا الشخصية هو وجود كتلتان: أحداهما عربية ، والأخرى فارسية - كانتا تتنافسان فيما بينهما للتقرب من الرشيد - الذي يُمَثل متخذ القرار الرئيسي في الدولة، وكانت إحداهما تُكيدُ على الأُخرى ، بعض تلك المكائد تتعلق بأحقية من سيتولى الخلافة العباسية بعد الرشيد ، لا سيما أن أبنه الأكبر " المأمون" مولوداً من أمٍ فارسية .

وإزاء تعاظم نفوذ البرامكة، واحتدام الصراع بين الكتلتين العربية والفارسية، بدأت الأمور تتخذ منحىً جديداً - خصوصاً بعد أن حققت الدسائس والوشايات نجاحاً في إثارة ضغائن الرشيد على البرامكة، أهمها تلك التي استهدف مروجوها إظهار الرشيد بمظهر العاجز عن الاقتدار أمام استبداد وجرأة البرامكة، والمبالغة بإظهار ما بلغته قدرات البرامكة من الجرأة على الخليفة نفسه ، وتحكُمِهم بتسيير أمور الدولة ، حتى صار لهم الكثير من الأنصار والأعوان، فقرر الرشيد التخلص من البرامكة ووضع حد لنفوذهم . لم يكن ذلك الانقلاب في السلوك والممارسة بالمهمة السهلة، لذا فقد اتبَّع الرشيد أسلوب التخطيط المُتقن والكتمان العالي، ليحقق مفاجأة البرامكة  قبل أن يعلموا ، فيتمكنوا من أفشال نوايا الرشيد المحتملة .

في نهاية كانون ثاني/ يناير 803 م أصدر الرشيد توجهاته إلى المعنيين بالقبض على جميع البرامكة، وأعلن معاقبة كل يؤويهم، وصادر أموالهم ودورهم وجميع مقتنياتهم ، فأنهى في ساعات قليلة أسطورة البرامكة ومحى نفوذهم في الدولة ، عندها تبددت سطوة تلك الأسرة الفارسية التي انتهت إليها مقاليد الحكم وأمور الخلافة لفترة طويلة من الزمن، تلك النهاية المأساوية التي اصطُلح على تسميتها تاريخاً بـ" نكبة البرامكة ".

ترتب عن تلك الحادثة ردة فعل كبيرة أثارت كراهية الفرس للرشيد ، فعمدوا من حينها إلى اليوم يشوهون صورته ، ويصفونه بهتاناً بما ليس فيه من القبائح و بشائع الصفات . بينما تصفه المصادر التاريخية المحايدة بكونه رجل التقوى والورع والخشية من الله ، رغم حياة الترف في زمنه التي عاشها الحاكم والمحكوم بسبب كثيرة خيرات وموارد الدولة .

توفي أقطاب البرامكة يحيى البرمكي وولده الفضل في السجن في حياة الرشيد . وفي أواخر عام 808 م خرج الرشيد للحرب واستخلف ولده الأمين لإدارة الحكم ببغداد ، وخلال تنقله في الطريق مَرُضَ واشتد عليه المرض ، ثم توفي في 24 مارس / مايو 809 م بعد خلافةٍ دامت (23) عاماً ، ودُفنَ في مدينة " مشهد " أحدى مدن بلاد فارس الخاضعة لحكم الدولة العباسية ، ثم تولى الخلافة من بعده ابنه "محمد الأمين".

بعد ثورة 17 تموز/ يوليو 1968 طالبَت الحكومة العراقية باسترجاع رفات الخليفة هارون الرشيد، كونه رمزاً لبغداد في عصرها الذهبي، وفقاً لحثٍ ودعوةٍ تبناها الدكتور عبدالجبار محمد شيت الجومرد أحد الوزراء السابقين في حكومة عبدالكريم قاسم (1958 – 1963) . لكن إيران رفضت الطلب العراقي بإعادة الرفات، واشترطت طلباً تعجيزياً للتملص – هو مبادلته برفات الشيخ عبدالقادر الكيلاني ، كونه من مواليد كيلان الإيرانية ، وفقاً للادعاء الإيراني المستند على اللقب "كيلاني" ، رغم أن الشيخ الكيلاني لا يمثل قيمة وفق المعتقد الديني لإيران.

استوضح الرئيس أحمد حسن البكر من العلامة مصطفى جواد الحقيقة التاريخية لأصول الشيخ عبد القادر الكيلاني ، فأجاب بأن الشيخ الكيلاني من مواليد قرية تسمى (جيل) قرب المدائن، ولا صحة لكونه من إيران أو أن جده اسمه كيلان (جيلان) ، وهذا الجواب يتطابق مع ما أكده العلامة حسين علي محفوظ في مهرجان جلولاء الذي أقامه اتحاد المؤرخين العرب عام 1996. أكد العلامة سالم الألوسي مفاتحة العراق لإيران باسترجاع رُفات الرشيد ، وأكد أيضاً رأي العلامة حسين علي محفوظ ، كون الألوسي كان حاضراً في جلسات ومناقشات مهرجان جلولاء .

  • هل تحسن حال الفرس في دولة بني العباس بعد موت الرشيد؟

  • ما هو دور الفرس في نشوب القتال بين الأمين والمأمون؟

  • هل ظهرت قومية أُخرى نافست الفرس في قصر الخلافة العباسي؟

إجابات الأسئلة أعلاه ستكون محاور مضمون الورقة التاسعة ... بمشيئة الله تعالى.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,058,603

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"