الصورة: للمبدع عماد الحجاج.
محمد سيف الدولة
حديث الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن وهب هضبة الجولان المحتلة الى (اسرائيل)، حديث وقح ينم عن جهل عميق، ناهيك على كونه باطلا ومتخلفا وخطيرا وارهابيا ويستوجب ردا عربيا عنيفا خاصة من مصر وسوريا.
-
أما انه كلام وقح فلأنه يحمل استخفافا واحتقارا لكافة الشعوب العربية، وينصب نفسه إلهاً للعالم وللبشرية يهب الأرض لمن يشاء وينزعها عمن يشاء!
-
وهو رسالة تستوجب الرد من كافة الدول الحرة والمستقلة في العالم، وعلى رأسها روسيا/ بوتين، التي اذا صمتت هذه المرة أيضا، فانها سترسل إشارة لشعوب المنطقة بأن ليس لا وزنا او قيمة وان كل من يراهن عليها او يتحالف معها او ينضم الى محورها هو خاسر لا محالة، وانه لا بديل عن الانضواء تحت جناح الولايات المتحدة.
-
وهو ينم عن جهل عميق، لأن الشعوب تستقر على اوطانها وتختص بها دون سواها من الشعوب الأخرى او من القوى الاستعمارية، عبر قرون طويلة من الصراع والنضال والتضحيات، فلا يستطيع هذا الأحمق أو غيره أن يأتى في يوم وليلة ويأمر بانتزاعها من اصحابها وبمنحها لغيرهم حتى لو كان رئيس الولايات المتحدة الأميركية.
-
وما أكثر الحمقى من قادة الاستعمار الغربي الذين تصورا على مر التاريخ ان بمقدورهم سلبنا اوطاننا، وفي النهاية ذهبوا الى الجحيم.
-
أما انه باطل فلأنه ينتهك ميثاق الامم المتحدة الذي ينص في مادته الأولى على امتناع الدول ((عن التهديد باستعمال القوة او استخدامها ضد سلامة الاراضي او الاستقلال السياسي لأية دولة))، كما انه ينتهك عشرات القرارات للأمم المتحدة على رأسها القرار 242 الذي ينص على ضرورة انسحاب (اسرائيل) من الاراضي التي احتلتها عام 1967، وكذلك القرار رقم 497 لسنة 1981. القاضي ببطلان القرار الذي اتخذته (إسرائيل) بفرض قوانينها وولايتها القضائيّـة وإدارتها على الجولان السوري المحتل، وعلى اعتباره لاغيّاً وليست له أيّة شرعيّة دولية.
-
أما انه رجعي ومتخلف فلأنه يعود بنا مرة أخرى الى العصور الوسطى، الى مبدأ "حق الفتح" او حق الاحتلال لمن استطاع اليه سبيلا، وهو المبدأ الذي قررت البشرية بعد الحرب العالمية الاولى الغاءه وتجريمه واستبداله بمبدأ حق تقرير المصير.
-
اما انه خطير فلأنه يمثل تهديدا حالا ومستقبليا لكل اوطاننا واراضينا العربية، فما الذي يمنع (اسرائيل) في ظل موازين القوى الحالية وحالة الضعف والاستسلام والتبعية العربية الرسمية، ان تسعى لاحتلال أو اعادة احتلال مزيد من الاراضى العربية، حتى من تلك الدول التي وقعت معها معاهدات سلام، بعد أن ضمنت أن الولايات المتحدة الأميركية ستمنحها حق السيادة عليها والاحتفاظ بها.
-
وهو ما يستوجب موقفا حازما من باب التغيير من الدول العربية الكبرى والرئيسية في المنطقة وعلى رأسهم مصر؛ موقفا لا يكتفي بالبيانات الرسمية، وانما يتخطاها الى التلويح باتخاذ سياسات واجراءات وترتيبات جديدة تهدد المصالح الأميركية في مصر وفي المنطقة.
-
يتساءل المصريون وكل الشعوب العربية: متى ستنسحب انظمتها الحاكمة من علاقات التبعية مع الولايات المتحدة وتهددها بالاضرار بمصالحها اذا لم تكف عن العدوان على الحقوق العربية، ومتى ستعترف مصر والاردن والسلطة الفلسطينية بكارثية مسار السلام مع العدو الصهيوني، وتثوب لرشدها وتراجع نفسها وتقطع علاقاتها معه؟ اذا لم يكن بعد الشروع في الاستيلاء على القدس والمسجد الاقصى وما تبقى من الضفة الغربية وعلى الجولان، فمتى؟
-
كما أن الرأي العام العربي، لا يمكنه أن يمنع نفسه من المقارنة بين ظاهرة انطلاق واستمرار المقاومة الفلسطينية واللبنانية في مواجهة الاحتلال لعقود طويلة، وبين ضعف او غياب أي مقاومة سورية لاحتلال الجولان على امتداد ما يقرب من 40 عاما!
-
أما انه ارهابي، فلأنه يرتكب ما اجمعت كل مواثيق وقوانين مكافحة الارهاب على تجريمه وهو التلويح بالقوة والتفوق العسكري الأميركي لإرهاب وتهديد الدول والشعوب والعدوان على حقوقها والاستيلاء على اراضيها تحقيقا للاهداف والمصالح غير المشروعة للولايات المتحدة وحلفائها.
-
فوفقا لتعريف المحكمة الجنائية الدولية للارهاب فانه "استخدام القوة أو التهديد بها من أجل إحداث تغيير سياسي، أو القتل المتعمَّد والمنظم للمدنيين أو تهديدهم به لخلق جو من الرعب والإهانة للأشخاص الابرياء من أجل كسب سياسي، أو الاستخدام غير القانوني للعنف ضد الأشخاص والممتلكات لإجبار المدنيين أو حكومتهم للإذعان لأهداف سياسية".
-
ان ملايين من الشباب العربي سترى في مثل هذه القرارات عدوانا يستوجب الحرب والقتال، وحين سترى بدلاً من ذلك استسلاما وخضوعا عربيا رسميا كاملا وقبولا بالأمر الواقع وبالاعتداءات الأميركية و(الاسرائيلية) واحدا تلو الآخر، فإن منهم من سيقرر ان يقاتل ويخوض الحرب ضد أميركا منفردا، وسيبحث عن سبل لتوجيه ضربات موجعة لها ولمصالحها ولحلفائها، لنكون بصدد اعادة تصنيع وتحريض وانتاج ما تسميه أميركا ومجتمعها الدولى بالتطرف والعنف والارهاب.
-
فاحذروا، غضب الشعوب، واياكم ان تتوهموا أن الأمة قد ماتت. وتذكروا ان الضربة العنيفة التي تلقاها الشرف العربي والكرامة العربية عام ٢٠٠٣ في غزو العراق، كان لها الدور الاكبر في ظهور حركات معارضة اكثر جذرية وأكثر جدية أدت في النهاية الى تفجر الثورات العربية ضد عديد من الانظمة العربية.





