تتصاعد الأصوات المطالبة بعدم توريط العراق بالوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية جراء تمسك حكومته بمواصلة التعاون الاقتصادي مع إيران، بالرغم من تهديدات واشنطن بالغاء استثناء بعض الدول بينها العراق من هذه العقوبات، في وقت تتزايد الضغوط على الحكومة العراقية للبقاء ضمن الحلف الإيراني.
وجاء رد الفعل الحكومة العراقية المتوقع، على نية الولايات المتحدة إلغاء الاستثناءات، ليؤكد مخاوف الشارع من احتمال توريط العراق بمواقف ترضي إيران ويدفع ثمنها غاليا.
فقد أكد الناطق باسم وزارة الكهرباء العراقية مصعب المدرس في تصريحات لوسائل الإعلام، أن العراق لا يملك خيارات أخرى غير الغاز الإيراني لتوليد الطاقة الكهربائية، وانه “لا يوجد بديل حاليا عن الغاز الإيراني لتوليد الطاقة الكهربائية” مبينا ان “ما نستورده حاليا من الغاز الإيراني يبلغ 28 مليون مكعب وستزداد صيفا إلى 35 مليون متر مكعب”.
وبرر المدرس ذلك مدعيا أن الحقول الغازية العراقية في حاجة إلى إعادة تأهيل، وهذا الأمر يتطلب نحو 4 سنوات من العمل. كما أشار إلى “استمرار الجانب الإيراني بتجهيز العراق بـ 1200 ميغاواط من الكهرباء يوميا والتي تغذي المنظومة الوطنية”.
وردا على دعوة الولايات المتحدة لزيادة الإنتاج النفطي من بعض الدول لتعويض النفط الإيراني، ذكر المتحدث باسم وزارة النفط العراقية عاصم جهاد، إن “العراق ملتزم بتخفيضات المعروض العالمي التي تباشرها أوبك وحلفاؤها، وأن أي قرار لزيادة الإنتاج أو خفضه يجب أن تتخذه أوبك على نحو جماعي”.
ويذكر أن الصادرات من النفط الخام العراقي، لشهر آذار/مارس الماضي بلغت 104.7 مليون برميل، مع وجود قدرة لدى العراق على زيادة الصادرات بربع مليون برميل يوميا في أي وقت لسد حاجة السوق العالمي، حسب الخبراء.
وحتى الآن، ورغم إجراء وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو اتصالا هاتفيا مع رئيس الحكومة عادل عبد المهدي وإعلان دعمه للتقارب مع دول الجوار العربي، لا يبدو أن الحكومة العراقية تنوي اللجوء إلى بدائل للطاقة الإيرانية، أو التعامل بجدية مع إبداء السعودية خلال اللقاءات الأخيرة مع حكومة عبد المهدي، استعدادها لتزويد العراق باحتياجاته من الطاقة الكهربائية والمشتقات النفطية لتعويض النقص إذا أوقف العراق استيراد الطاقة الإيرانية.
وكان بومبيو حازما عندما أعلن إصرار حكومته على فرض المزيد من العقوبات على إيران لمنع تدخلاتها في شؤون دول المنطقة والحد من دعمها للإرهاب وايقاف برامجها لتطوير الأسلحة، مؤكدا أن هدف بلاده هو حرمان النظام الإيراني من مورده الرئيسي وايصال الصادرات النفطية إلى الصفر. وأوضح بومبيو: “بإعلان إنهاء الإعفاءات تؤكد الولايات المتحدة جديتها في ممارسة ضغوطها على إيران، وأن إعادة النظر بهذه السياسات مرهونة بالسياسات التي سيتبعها النظام الإيراني وسلوكه السياسي والإقليمي”. ونظرا لاستحالة ان تغير إيران سياستها ونهجها، فالمواجهة ستتصاعد بالتأكيد.
وبالتزامن مع تصاعد حملة العقوبات الأميركية على إيران، تجددت الخلافات بين القوى السياسية إزاء الموقف منها. وبينما دعى نواب وقوى سياسية وشعبية، حكومة بغداد إلى محاولة تجنب الدخول إلى جانب إيران في هذا الصراع وعدم تحميل الأوضاع في العراق أكثر مما تحتمل، خاصة وأن البلد ما زال يعيش في أزمات ومشاكل لا حصر لها، فإن القوى المقربة من إيران تواصل توجيه الضغوط الشديدة على حكومة عبد المهدي لعدم الانصياع للعقوبات الأميركية مهما كان الثمن قاسيا على العراق وشعبه، تحت نظريات ومبررات منها أن العراق لا يستطيع ان يستغني بالكامل عن علاقاته مع إيران، او الدعوة للالتفاف على العقوبات، أو مسك العصا من الوسط في الصراع وغيرها.
وتلعب التنظيمات المسلحة، الدور الأبرز في هذا المجال، إذ لا يمكنها ان تكون محايدة في حال اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، لأن ارتباطها مصيري مع طهران. وهي مستعدة لزج البلد في هذه المواجهة، ولذا فهي ستواصل الضغط على حكومة عبد المهدي لكي تنحاز للطرف الإيراني في الصراع حتى ولو كان على حساب تكبيد العراق خسائر ودمار إضافي لما موجود الآن.
ومن جهة أخرى، فتحت قضية حاجة العراق إلى الكهرباء والغاز الإيراني، نقاشا على شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، عن تقصير حكومات ما بعد 2003 بل وتعمدها إهمال إنشاء صناعة نفطية متطورة تسد حاجة البلد من الطاقة رغم توفر الأموال والخبرات والشركات العالمية، وذلك لإبقاء البلد في حاجة للآخرين، مع ادانات للبرلمان لعدم اقراره قانون النفط والغاز المركون في أدراجه منذ سنوات، كونه كفيل بتطوير القطاع النفطي. وقد كشف النائب صادق السليطي، أن العراق يخسر 5 مليارات دولار سنوياً بسبب احتراق الغاز المصاحب للنفط المستخرج في الوقت الذي يستورد الغاز بملايين الدولارات، مؤكدا عزمه توجيهات أسئلة إلى وزارة النفط تتعلق باهمال قطاع الغاز وهدرها الأموال العامة والثروة النفطية.
وعلى كل حال، لا يبدو في الأفق أمام الحكومة العراقية سوى الاختيار بين طريقين، اما الالتزام بالعقوبات الأميركية أسوة ببقية دول العالم لحماية مصالح شعبها، أو المضي في التحالف مع إيران والوقوف معها ضد العقوبات بكل ما تترتب عليه من نتائج اقتصادية وخيمة دون مبرر سوى إرضاء الحليف.
ونرى ان الحل الذي يستحق التفكير وينقذ حكومة عادل عبد المهدي من الإحراج في هذا الخيار، هو أن يأخذ رأي الشعب باستفتاء عام يقرر فيه موقفه من هذه القضية المصيرية وكيفية التعامل مع هذه المواجهة وفيما إذا كان مستعدا لتحمل نتائجها الكارثية المتوقعة، وإلا فإن القرار الانفرادي بالتمسك بالمركب الإيراني السائر نحو الغرق، ستكون له نتائج كارثية لا تحمد عقباها، وما يجري في الجزائر والسودان حاليا هو خير مثال.