ليس دفاعا عن صدام حسين ولكن عن الحقيقة

مثنى عبد الله

لا حاجة لأحد أن تنصفه هذه السطور، خاصة عندما يكون قد غادر المسرح السياسي، ورحل إلى العالم الآخر. فالتاريخ وحده هو الحكم. وحدها الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة هي الأجدر بالدفاع عنها لأنها الوحيدة الخالدة.

نقلت وكالة أنباء فارس الإيرانية قول روحاني «لتعلم السعودية والإمارات أن وجودهما وبقاءهما هو بسبب القرار الحكيم للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فلو لم يتخذ قادة النظام الإسلامي، وكبار الساسة في بلادنا، وفي مقدمتهم قائد الثورة المعظم والمرحوم آية الله هاشمي رفسنجاني، قرارات دقيقة في الفترة التي قام فيها صدام بغزو الكويت، لما كان أثر اليوم لهذه الدول). وأضاف «عندما كان صدام يريد غزو الكويت، طلب منا أن نساعده أو أن نلتزم الصمت، إذ أن قرار صدام لم يكن ينحصر باحتلال الكويت، إذ كتب في رسالة إلى المرحوم هاشمي رفسنجاني أنه ستكون لدينا حدود مشتركة بطول 800 كم، وهذا يشير إلى أن صدام، وفضلا عن الكويت، كان بصدد احتلال السعودية وعُمان والإمارات وقطر أيضا». ولمعرفة الدوافع التي تقف وراء هذا التصريح، لا بد من فهم الظروف التي تحيط بالنظام الإيراني في الوقت الحاضر.
لقد كثّفت واشنطن حملتها على طهران، في إطار فرض أقصى الضغوط عليها. فبعد أن أعلنت العقوبات الاقتصادية ضدها في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2018، عادت لتعلن الحزمة الثانية، ومنها إنهاء كل الإعفاءات التي كانت قد منحتها ل8 دول لمواصلة شراء النفط الإيراني، حتى يصل التصدير إلى نسبة صفر بداية الشهر المقبل.
ولو أخذنا بعين الاعتبار أن هذا الإجراء قد ترافق مع وضع الحرس الثوري على لائحة الإرهاب، واعتباره منظمة إرهابية، بما يمارسه من نشاطات اقتصادية في الداخل والخارج، متمثلة بشركات عديدة، كان أحد أنشطتها تصدير النفط. مضافا إليه عدم تحقق الآلية الاوروبية لشراء النفط الإيراني، أو مقايضته بالسلع والخدمات، كما أعلن عنها. وكذلك التنسيق الواضح ما بين الولايات المتحدة الاميركية ودول أوبك، من أجل زيادة الإنتاج لتعويض النقص الحاصل في الاسواق. إذن وبفعل كل هذه العوامل فإن الضغوط الاقتصادية على طهران قد بدأت تؤتي ثمارها أكثر من قبل. وهنا يقول المبعوث الأميركي الخاص بإيران براين هوك «نحن ملتزمون بتجويع النظام من إيراداته، التي يستخدمها لتمويل حروبه بالوكالة وتصدير الثورة في جميع أنحاء الشرق الاوسط».

إن النفط الايراني يشكل نسبة 80% من الدخل القومي، وبفعل العقوبات فإن إيران حُرمت من ما يقرب من 10 مليارات دولار على الأقل. كما لاحظنا اندلاع الاحتجاجات الشعبية في كل المدن الإيرانية تقريبا. فقد انخفض الدخل والقدرة الشرائية بشكل كبير. وباتت الخدمات الصحية والطبية في أدنى مستوياتها. وارتفع التضخم إلى نسبة 40%، كما تراجع الاقتصاد ليصل إلى نحم 5%. كذلك أثّرت العقوبات على البنية السياسية للنظام، فتوترت العلاقات ما بين المتشددين والإصلاحيين، ووصلت إلى حد تبادل الاتهامات، وتحميل كل طرف للطرف الآخر مسؤولية ما آلت إليه أوضاع البلاد. وكل هذه الانعكاسات لا بد أن تكون عامل تأثير قوي على صانع القرار السياسي في طهران، الذي يرى في التأثير السلبي للعقوبات مبررا لفتح حوار مباشر، أو غير مباشر مع الأطراف العربية على الاقل في هذه الفترة، أو حتى مع الاميركان، من خلال الصين أو روسيا أو تركيا، خاصة أنهم يعرفون تماما أن ترمب ليس لديه خطوط حمر على أحد، ويمكن أن يفتح حوارا مع أي طرف كان يكيل له الاتهامات. وقد أعلن وزير الخارجية الاميركي صراحة بأنهم لا يطالبون بإسقاط النظام، إنما يطالبونه بالجلوس إلى طاولة المفاوضات. كما أن النظام الايراني دائما ما يأخذ السفينة الاقليمية إلى حافة الهاوية، لكنه يتراجع تراجعا براغماتيا.
في ضوء هذا المشهد نرى تصريح الرئيس الإيراني عن الرسالة، التي زعم أن الراحل صدام حسين قد أرسلها إليهم لا أساس لها من الصحة، فالتصريح يدخل في إطار ما يسمى في العلاقات الدولية (إشارات ومؤشرات)، الهدف منها إعطاء الطرف الآخر الذي تختلف معه شيئا يستطيع قراءة حسن نيتك فيه، توصله إلى تحليل يعتمد عليه في تسوية النزاع القائم. لكن المشكلة هنا أن روحاني لم يعط إشارات مُكلفة، يستطيع الطرف المقابل أن يقرأ فيها جدية النظام، في فتح صفحة جديدة كي يتقدم خطوة إليه. هو استخدم إشارة غير مكلفة إطلاقا وسيقرأها الطرف المقابل على أنها مصطنعة للأسباب التالية: أولا، هو يتحدث عن موضوع جرى بين رئيسين انتقلا إلى العالم الآخر، ولا يمكن التحقق مما طرحه. ثانيا، إن قرار الدخول إلى الكويت لم يكن أقرب المقربين إلى هرم السلطة السياسية والعسكرية العراقية آنذاك على اطلاع عليه، حتى ساعة تنفيذه، فكيف يمكن أن يُشرك الإيرانيين به ولا يُشرك مقربيه؟ ثالثا، هو يشير إلى نية احتلال السعودية والكويت وعُمان وقطر والامارات، ويغفل ذكر البحرين، لماذا؟ ربما سيأتي يوم يقولون فيه إن العراق منح البحرين لهم آنذاك كهدية إن ساعدوا أو صمتوا، على اعتبار أن الإيرانيين دائما ما يصرحون بأنها جزء من أراضيهم. رابعا، إنه يفترض نية الاحتلال أفتراضا حين يقول (هذا يشير إلى أن صدام وفضلا عن الكويت كان بصدد احتلال السعودية وعمان والإمارات وقطر أيضا). وهذا يتناقض مع تأكيده بأن الرسالة كانت تشير إلى أن الاحتلال واقع، لولا رفض القيادة الايرانية. خامسا، هو يشير إلى أن امتناع إيران عن مساعدة العراق هي التي أنقذت السعودية والإمارات من الزوال بالقول «لعله لم يكن هنالك اليوم أثر للسعودية والإمارات». فإذا كان ذلك صحيحا إذن لماذا لم تزل الكويت من الخريطة التي وقع الاحتلال عليها حقيقة؟
إن الكشف عن الرسالة المزعومة في هذا الظرف الصعب، الذي يواجهه النظام الإيراني، إنما هي مجرد لافتة يريد أن يقول فيها إنهم ليسوا أشرارا، في حين أثبتوا ذلك مرارا وتكرارا في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ودول عربية وغير عربية.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,360,346

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"