الميليشيات العراقية واستحقاقات الولاء لإيران

مثنى عبد الله

سلسلة استهدافات بصواريخ الكاتيوشا طالت عددا من مقرات الشركات الأجنبية في العراق مؤخرا، حيث تم استهداف مجمع سكني لشركات نفطية في محافظة البصرة جنوب العراق، من بينها شركة أكسون موبيل الأميركية.

قبل هذا الحادث تم إطلاق عدد من الصواريخ على قاعدة بلد الجوية في محافظة صلاح الدين، وقاعدة التاجي الجوية شمال بغداد العاصمة. وتوجد في كلتا القاعدتين قوات أميركية، سبق أن أصر رئيس الوزراء الحالي وسلفه، بأن لا وجود لأي قواعد أميركية في أي بقعة من العراق، كذلك تم استهداف السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، ولم تصب الصواريخ هدفها فسقطت على منطقة قريبة.
ولأن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قام بزيارة لم يُعلن عنها مسبقا إلى بغداد في السابع من أيار/مايو المنصرم، التقى خلالها بالرئيس العراقي ورئيس مجلس الوزراء. كان الهدف منها تحذيرا أميركيا شديد اللهجة بضرورة ردع من تسوّل له نفسه الاعتداء على قواتهم. وعلى ضوء الاستهدافات الأخيرة، فقد عُقد اجتماع عاجل في العاصمة العراقية، ضم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب، ومعهم قادة الكتل والأحزاب الممثلة في البرلمان. كان هدف اللقاء هو مناقشة الصواريخ التي أُطلقت على المواقع المذكورة أعلاه. تلا الاجتماع تصريح لزعماء الميليشيات العراقية بأنها تنأى بنفسها عن الحادث، وأن كل الفصائل بريئة من التورط فيه.
إن الوقائع على الأرض تختلف جذريا عن كل ما يقال من تصريحات منسوبة إلى هذا الطرف العراقي أو ذاك، فسواء نفت هذه الأطراف المسؤولية أم لم تنف ذلك، فإن من يسيطر على شؤون البلاد هي الجهات المرتبطة بإيران من أحزاب وميليشيات وشخصيات، وإن القرار العراقي في موضوع الدفاع عن إيران ليس بيد أحد من هذه الاطراف، بل من يصيغه ويعطي الأمر بالتنفيذ هي القيادة العليا لما يسمى (بمحور المقاومة)، التي مقرها في طهران. فالحرس الثوري الإيراني الذي كان داعما لبغداد في سنوات الحرب ضد تنظيم «الدولة»، والذي كان زعيمه قاسم سليماني، يُنسق المعارك ويعطي التوجيهات، هو اليوم يُجحفل ميليشيات هذا المحور في العراق وبيروت وسوريا واليمن، استعدادا لما سوف يحدث في ملف الصراع الإيراني الاميركي. ولا خيار لأحد في القبول أو الرفض. فقد كانت المعارك في العراق وسوريا والمعارك الجارية اليوم في اليمن، كلها استثمارات سياسية، حصيلتها يجب أن تمضي لتحقيق نظرية الأمن القومي الإيرانية، وليس نظريات الأمن القومي لهذه الدول. قد يقول رئيس الوزراء العراقي إن للعراق التزاما سيحترمه ولا يقبل أي هجوم على أي شخص، سواء كان عراقيا أم أجنبيا، سفارة أم شركة أم بعثة عسكرية. في حين نجد أنه لا يمر شهر الا وفيه أكثر من مئة هجوم على عراقيين وأجانب وشركات وغيرها. وقد يقول رئيس الجمهورية بأن العراق يعتمد سياسية النأي بالنفس عن الصراعات التي تدور اليوم في المنطقة، بينما يتم تسخير كل موارد البلد كي تكون محركات في السياستين الإيرانية والأمريكية من قبل حلفاء كل طرف. كل هذه الأقاويل وغيرها لا قيمة سياسية لها، لأنها مجرد محاولات للترويج لبضاعة غير موجودة على أرض الواقع.
هل العراق دولة ذات سيادة كي ينأى بنفسه عن الصراعات؟ يكفي أن نلقي نظرة سريعة على تصريحات وزير الخارجية الأميركي بومبيو، وهو في الطائرة التي أقلته عند مغادرته بغداد. يقول هناك حرص أميركي ببقاء العراق دولة مستقلة ذات سيادة قرارها مستقل، في حين يقول في التصريح نفسه، أنه انتزع من المسؤولين العراقيين تعهدا بتوفير الحماية المناسبة للمصالح الأميركية في العراق. هذا الانتزاع يعني الإجبار على اتخاذ هذا الموقف، فإذا كانت للولايات المتحدة مصالح مشروعة في العراق، فلماذا يضطر وزير الخارجية الأميركي إلى انتزاع التعهد بحمايتها من العراقيين؟ أليس من المفروض أن توفر الحكومة هذه الحماية من دون ضغط وإجبار باعتبار أن مصالح هذه الدولة هي لمصلحة العراق؟ معنى ذلك أن هؤلاء المسؤولين الذين التقاهم بومبيو لا يملكون من أمرهم شيئا. وأن سلطة القرار موجودة في مكان آخر وليس بيد هؤلاء. وقد يكون تعبير رئيس الوزراء السابق تعليقا على اجتماع بومبيو برئيس الجمهورية ورئيس الوزراء مُعبّرا أكبر تعبير عن حالة الحرج السياسي التي عانوها آنذاك، ويعانونها اليوم في ظل استفحال الأزمة بين واشنطن وطهران. يقول «أشكر الله أنني أنا ليس رئيس وزراء الان». هو قال ذلك لأنه مرّ بالظروف نفسها، ويعلم جيدا أن المناصب في الدولة العراقية اليوم، هي مجرد عناوين شكلية منزوعة الصلاحيات والقرار والإرادة وحتى الوطنية.

إن موضوع التوازن في العلاقات العراقية الإيرانية، والعراقية الأميركية مزحة سياسية مجة، لأن القوى الحليفة لإيران تعتبر ارتهان العراق من أجل تحقيق المصالح الإيرانية خصوصية في العلاقة الاستراتيجية بين بغداد وطهران.
كما أن القوى الحليفة للولايات المتحدة تعتبر ارتهان العراق من أجل تحقيق المصالح الاميركية خصوصية استراتيجية بين بغداد وواشنطن. هذا الطرف العراقي يعلن أن العراق يجب أن يرد الجميل إلى أميركا، لأنها حررته من النظام السياسي السابق، وذاك الطرف يعلن أن رد الجميل إلى إيران واجب لأنها حررته من تنظيم «الدولة». السؤال هو أين مصالح العراق في معادلة رد الجميل هذه؟ وأين استقلاليته في معادلة خصوصية العلاقات الاستراتيجية مع كل من طهران وواشنطن؟ يقينا لا وجود لها، لأن الولاءات الخارجية هي المعيار الأساسي لوجود هذه الوجوه على المسرح السياسي العراقي.
إن كل أزمة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، تمر بها إيران تكشف هشاشة الدولة العراقية، وفي كل منعطف تبرز وبصورة واضحة الاملاءات المفروضة عليه منها. هي تريده مجرد شبه دولة على أن يكون الحليف الأساسي لها هو المُسيطر. لأنها غير قادرة على قيادة ودخول حروب كبيرة، لذلك هي تسعى عبر وسطاء لممارسة التأثير، هذا السبب هو الذي دفعها للسعي داخل محيطها الإقليمي والمباشر على خلق وسطاء يعملون ضمن شبه دول، وهذه الشبه دول تحرص على أن تكون غير قوية، ولكن ليست ضعيفة جدا إلى درجة لا تعطي شرعية سيادية لهذا الوسيط الذي صنعته داخلها.
إن إعادة تشكيل الدولة العراقية ما بعد عام 2003 استندت في هيكليتها على الميليشيات، وأن الدول التي تُبنى بهذه الطريقة تبقى أسيرة لسياسات الحواضن الدولية والإقليمية لهذه العصابات المسلحة. كما أن المشاكل الداخلية تبقى تتوالد وتتأزم، لأن السياسات فيها تكون قائمة على الظلم والإقصاء والتهميش، لذا لن تستطيع العناوين الكبيرة في المشهد العراقي النأي به عن محرقة الصدام الأميركي الإيراني إن حصل.

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,900,033

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"