فضيحة كبرى بالوثائق، كيف فاز نوري المالكي في الانتخابات الأخيرة؟‎!‎

رشا كيلاني*

في الأشهر التي سبقت الانتخابات البرلمانية العراقية الربيع الماضي، انتهك رئيس الوزراء السابق نوري المالكي السياسة التي تبنتها حكومته بشأن حظر التمدد العمراني، ليقوم بنفسه بتسليم سندات تمليك آلاف قطع الأراضي للفقراء، في محاولة منه لتعبئة مجلس النواب العراقي بالموالين له. بعض سندات التمليك تلك تضمنت اسماء الناخبين ومدنهم فقط، ولكنها خلت من رقم القطعة المخصصة وحيثياتها. لأن تلك التفاصيل، حسب ما اعتقد المستفيدون، ستأتي فقط أذا ما فاز مرشحو المالكي.

 

لقد نجحت هذه الاستراتيجية. فعندما صوّت حزب المالكي لتسمية شخصية معارضة، وهو حيدر العبادي، ليحل محل المالكي، فإن 10 أعضاء فقط من المرشعين القدامى في حزبه أيدوا هذه الحركة، بينما عارضها 43 عضوا.

 

 

وبوجود مسلحي الدولة الاسلامية الذين شرعوا يرفعون اعلامهم السوداء على مدن العراق وقصباته خارج بغداد، كان مجلس النواب العراقي يواجه ضغوطا متزايدة لتخفيف سخط سُنّة العراق الذين يشكلون أقلية كبيرة، وذلك من خلال اشراكهم بشكل كامل في العملية السياسية.

ولكن هل أن تركة المالكي ذات الصلة بالفساد الانتخابي ستعترض الطريق؟

ترك دستور العراق الذي تم تفعيله عام 2005، ترك أهم قضايا الأمة التي أدمتها الحروب لمجلس النواب ليبتّ فيها. وقد منح الدستور المشرعين المنتخبين حديثا مهلة ستة أشهر لتعديل الدستور وإعادة ترسيم تقسيم السلطات والثروات بين المكونات الرئيسة للعراق – الشيعة، والأكراد، والسنة.

لكن ذلك لم يحدث قط.

 

 

وبدلا من ذلك، أثبتت الدورات البرلمانية المتعاقبة عجزها عن التصرف، مما جعل الكراهية تعتمل في أوساط السنّة الذين تم تهميشهم في ظل حكومة المالكي. فالعلاقة الوعرة المتصلبة المعروفة بين المالكي والبرلمان أعاقت العديد من التشريعات بين عامي 2010 و 2014، بما في ذلك أقرار الموازنة الوطنية لعام 2014.

ولكن هذا كله تغيّر في نيسان (ابريل)، عندما سيطر أنصار المالكي ومؤيدوه على البرلمان في نصر حاسم.

ويكشف التحقيق التالي كيف انتهك أقارب المالكي وانصاره سلطات منصب رئاسة الوزراء واساؤا استخدامها من أجل حشد البرلمان لصالحه. كما يبيّن نمطا من أقارب المالكي وسياسييه المبتدئين وهم يسلمون سندات أراض باطلة (مزيفة) للفقراء كعربون لشراء اصواتهم، مع وعود بأن تُسجّل الأراضي بأسمائهم بشكل قانوني بعد ان يتم انتخابهم فقط.

 

 

لقد كان الدعم الشخصي الذي يحظى به رئيس الوزراء السابق نوري المالكي قويا جدا بحيث أنه عندما قامت كتلة دولة القانون بترشيح العضو المعارض حيدر العبادي ليحل محل المالكي رئيسا للوزراء في آب (أغسطس)، لم يدعم الترشيح سوى 10 من المشرعين (اعضاء مجلس النواب) القدامى. أما الاعضاء الأخرون البالغ عددهم 43 فقد اصطفوا مع المالكي، الذي عارض التنازلات في تقاسم السلطة والتي كانت تهدف لاعادة لحمة المجتمعات العراقية المنقسمة.

يواجه المشرعون العراقيون الآن تحدّيا مستحيلا: بوجود مسلحي الدولة الاسلامية وهم يرفعون اعلامهم السوداء فوق مدن العراق خارج بغداد، على مجلس النواب أن يتصرف أخيرا نحو اصلاحات سياسية طال انتظارها، آخذين بالحسبان الظلم الذي لحق بالأقلية السنية الكبيرة.

ولكن هل ستعرقل تركة المالكي في الفساد الانتخابي هذا الأمر؟

سكان العشوائيات يعبّدون الطريق نحو السلطة

باقتراب الانتخابات مطلع عامنا هذا، أطلق المالكي حملة لتسليم سندات أراض في المناطق السكنية، منافيا بذلك المنع الذي سبق وأن اصدرته حكومته للتوسع الحضري. فقد قام المالكي، أما بشخصه أو عبر أقربائه، بتسليم ما بين 40.000 و 50.000 سند تمليك قطعة أرض بين أيلول (سبتمبر) 2013 وانتخابات نيسان (أبريل) 2014. واستنادا إلى الوثائق التي استحصل عليها كاتب هذا التقرير، والتصريحات التي أدلى بها المالكي، والتغطيات الاعلامية للمؤتمرات والحشود الانتخابية وغيرها من الفعاليات، فإن الرقم الاجمالي للوحدات السكنية غير القانونية – المساكن التي تم بناؤها على الأراضي العامة (اراضي الدولة) بدون إجازة أو ترخيص – يصل الآن إلى ما يقدّر بـ 347.000 وحدة سكنية تشمل مليونين ونصف المليون من السكان. وقرار تحويل ملكية هذه الأراضي قد مرّ بأمر ديواني تنفيذي من المالكي دون أن يصل للبرلمان.

 

 

لقد تمت معارضة حملة المالكي لتوزيع الاراضي من قبل أعدائه وحلفائه على حد سواء. وأحد هؤلاء الحلفاء هو رئيس الوزراء الأسبق ابراهيم الجعفري. ففي تصريح له نشر عبر موقعه الالكتروني، أسمى الجعفري الأصوات التي حصل عليها حزبه تيار الاصلاح الوطني "أصواتا ذهبية" لأنها أصوات لم تأتِ كـ"جزء من صفقة" أو نتيجة "لتسليم أموال، أو عطايا، أو تعيينات." كما انتقد الجعفري المستجدين في عالم السياسة من الذين تم انتخابهم في قائمة المالكي: "لم يتم انتخابهم على أساس شعبيتهم، ولكن باستخدام المنصب (منصب رئيس الوزراء) لشراء الأصوات." وبحسب انتصار علاوي، وهي عضو قديم في القائمة العراقية، فإن الجعفري كان يلمّح لياسر المالكي، صهر نوري المالكي ورئيس حمايته، وحسين المالكي، وهو صهر آخر للمالكي وسكرتيره الشخصي.

 

 

قبل زواجه بابنة نوري المالكي وتعيينه في منصب أمني رفيع، كان ياسر المالكي يعمل مرافقا في سلك الشرطة، بينما كان حسين موظفا صغيرا في هيئة اجتثاث البعث، التي تم انشاؤها بعد سقوط صدام لتطهير مؤسسات الدولة من بقايا النظام. لكنه أصبح سكرتيرا لرئيس الوزراء عام 2006. وعلى الرغم من افتقارهما الواضح للمؤهلات، إلا أن ياسر وحسين أنضمّا إلى قائمة المالكي الانتخابية وفي حصة حزب الدعوة.

((شرح الصورة المرفقة 1: نوري المالكي يسلم سندات الاراضي قبيل الانتخابات البرلمانية في نيسان))

وتدلّ الوثائق التي حصل عليها كاتب التقرير، بما فيها الصور وطلبات تحويل ملكية الأراضي الموقعة من قبل ياسر المالكي، على أن صهر نوري المالكي قد استخدم سندات ملكية الأراضي للفوز بالانتخابات. ومن خلال منصب رئيس الوزراء، تمكن ياسر من الحصول على الموافقات على تحويل الملكية لأربع وعشرين منطقة سكنية بنيت على أراض زراعية.

في الثاني من آذار (مارس) عام 2014، صادق رئيس الوزراء على طلبات تحويل ملكية قدمها ياسر المالكي لمنطقة القائم السكنية في كربلاء، والتي تقع على بعد 70 ميلا جنوب غرب العاصمة بغداد. إلا أن الوثيقة لم تحدد الصلاحية القانونية (السلطة) التي تخول ياسر المالكي بالتوقيع على الطلبات بالنيابة عن سكان تلك المناطق. وعندما بلغت حمى الحملة الانتخابية ذروتها في الايام التي سبقت الانتخابات، طلب ياسر تحويلات أراض (تحويلها من زراعي لسكني) لعشرين منطقة سكنية غير شرعية أخرى في كربلاء. وتمت الموافقة على الطلب على مرحلتين في الحادي عشر من آذار (مارس).

أظهرت نتائج الانتخابات أن ياسر المالكي حصل على أعلى عدد من الأصوات من بين المرشحين في كربلاء في معظم المناطق المشمولة بتحويل الاراضي. على سبيل المثال، تمكن ياسر من جمع 15.430 صوتا في منطقة الهندية، التي تم فيها بناء أكبر التجمعات السكنية غير الشرعية. وانضم إلى ياسر في عملية تسليم سندات الاراضي حسين المالكي. وقد امتدحت اللافتات التي تم رفعها في كربلاء دور الأخير في تحويل الأراضي الزراعية إلى مناطق سكنية.

منح تؤدي إلى فوز كاسح

أدعى أبو سجاد الكربلائي، الذي عمل مع حملة ياسر المالكي الانتخابية، أن ياسر وحسين أنفقوا أموالا طائلة لاغراء الناخبين واجتذابهم لمشاريع الأعمال العامة التي، وإن كانت قانونية، إلا أنها تقترح نمطا من أنماط رشوة الناخبين. فبحسب الكربلائي، تضمنت المنح سفرات سياحة وزيارات دينية إلى أيران، فضلا عن فرص عمل في مختلف دوائر الدولة، بما فيها الشرطة والجيش. كما وضعت المكائن الزراعية الثقيلة في خدمة الناخبين، وتم تبليط الشوارع، ونصبت محطات تنقية المياه. كما أنشأ المالكيون ملاعب رياضية في المناطق السكنية، وقام ياسر بنصب مواقف باصات ملونة.

ونتيجة لذلك حصل زوجا ابنتي المالكي على 102 الف صوت في كربلاء، وهو رقم أكبر من الرقم الاجمالي للأصوات التي حصل عليها المرشحون الآخرون الفائزون في تلك المحافظة والبالغ عددهم تسعة.

لكن حملة المالكي أخفقت في الإجابة على بعض الأسئلة المحددة لهذه المقالة. حسين المالكي فقط قدّم تصريحا مقتضبا لوكالة (100 مراسل)، أصر فيه على أن رئيس الوزراء بمفرده هو الذي قام بتسليم سندات الأراضي قبل الانتخابات، وأنه قد رافقه بصفته سكرتيرا شخصيا فقط. لكن الصور التي تم تحميلها على صفحته في الفيسبوك أظهرت حسين المالكي وهو يقوم شخصيا بتسليم سندات الاراضي، فيما كان يناقض على نحو واضح تصريحه ومزاعمه بأن رئيس الوزراء هو الوحيد الذي قام بتسليم سندات الاراضي.

((شرح الصورة2 : حسين المالكي يقوم بتسليم سندات الاراضي قبيل انتخابات نيسان(ابريل)))

كما أن سندات الاراضي نفسها كانت غير منتظمة، حيث لم يذكر فيها شيء سوى اسم المستفيد واسم المحافظة. لا شيء في السند يحدد رقم قطعة الارض المخصصة.

في أحد المقابلات، قال عدي جعفر إن هذه الوثائق قد تسببت بإرباك في الدوائر الحكومية في بغداد. فطالما تلك السندات لم تحدد الحصص، فإن تحويل الملكية كان أمرا مستحيلا. بالإضافة إلى ذلك، فإن العديد من حصص الأراضي كانت عائديتها مشتركة لمختلف الوزارات. كما حدث نفس الارباك في محافظة كربلاء، فبحسب ما ذكر المشرّع السابق علي كردي، فإن " أصحاب السندات، ذهبوا للتأكد من البلدية ليكتشفوا أنه ليست هناك قطع أراض مسجلة بأسمائهم، وقد طلب منهم المراجعة للتأكد في وقت لاحق."

وخلص السيد محمد الموسوي، الرئيس السابق لمجلس محافظة كربلاء إلى القول: "الأراضي التي قام المالكي بتسليمها لا وجود لها. فهي لا تزال أراض زراعية وصحراوية تعود ملكيتها لوزارة المالية. ولم يتم تحويلها إلى وزارة البلديات أو تحويل جنسها إلى أراض سكنية."

ويشك عبد اللطيف السعدي، وهو مسؤول في حملة كتلة المواطن المناوئة للمالكي، أن المالكي قد سلّم هذه السندات الناقصة عن قصد. حيث يرى السعدي أن هذه الحركة ضمنت أن يقوم المستفيدون بالتصويت للمالكي خوفا من إلغاء السندات إذا ما فاز شخص آخر.

وعلى الرغم من تسريب مقطع فيديو يظهر كيفية استخدام المالكي لقضية المناطق السكنية غير الرسمية هذه كجزء من استراتيجية حملته الانتخابية، فإن جميع محاولات الطعن في الاصوات التي حصل عليها المالكي وحلفاؤه قد باءت بالفشل.

في تسجيل تم تحميله على اليوتيوب، ظهر القاضي محمود الحسن، وهو حليف مقرب وعضو برلمان سابق في تحالف المالكي، وهو يقدم سندات مقايضة الاراضي بالأصوات نيابة عن رئيس الوزراء. وبعد الانتخابات، تم تغريم القاضي الحسن 50 مليون دينار عراقي (ما يعادل 43 الف دولار امريكي) من قبل المفوضية المستقلة العليا للانتخابات لانتهاكه قواعد الحملات الانتخابية.

الكل من العائلة

طبعت عبارة "أبن أخ رئيس الوزراء" على كافة مواد الحملة الانتخابية لترشيح علي صبحي المالكي. وذكر حارث عباس، الذي عمل موظفا للدعاية في حملة المالكي في بابل، أن هذه العبارة هي ورقة الرهان الوحيدة لدى علي صبحي. وينطبق الأمر ذاته على علي شريف المالكي الذي رفع شعار حملته بوصفه "ابن عم رئيس الوزراء". كان علي صبحي فاعلا في مخطط تحويل ملكية الأراضي، حيث قام مقام عمه في العديد من مناسبات الحملة، وسلّم بيديه سندات الاراضي. وفي منتجع في بابل في 18 نيسان (ابريل)، قام علي صبحي بتسليم 800 سند لملكية الاراضي لفقراء المدينة، بما فيهم الارامل والمطلقات واصحاب الاحتياجات الخاصة.

وباتباع نفس العملية التي جرت في كربلاء، طلب علي صبحي تحويل ملكية الاراضي بالنيابة عن السكان. ووافق خاله رئيس الوزراء على تحويل 1500 قطعة ارض لعمال مصنع الاسمنت في ابو خستاوي في بابل.

ويرى سلام التميمي، الخبير القانوني والمحلل السياسي، أن تحويل ملكية عشرات الآلاف من الوحدات خلال حملة انتخابية هو أمر مشكوك فيه من الناحية القانونية. ويعتقد التميمي أن مجلس النواب العراقي الجديد يجب أن يطلق حملة تحقيقات في هذه الممارسة، ويكشف نتائج هذه التحقيقات ويرفعها إلى السلطة القضائية. ولكن، بوجود برلمان مزدحم بالموالين للمالكي، فإن من المستبعد جدا أن يظهر كشف حساب على يد المشرعين الجدد.

 

* رشا كيلاني: هو اسم مستعار لصحفية استقصائية عراقية، تكتب باسم مستعار لأسباب أمنية.

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,362,411

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"