الاحتلال الإيراني لسوريا...والاستراتيجية الأميركية في عهد ترمب

نزار السامرائي

السفير جوزيف آدم أيرلي المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية الأميركية بين عامي 2003 و2006 أي في ذروة التأزم الدولي الذي رافق العدوان الدولي على العراق بمشاركة عربية ودولية واسعة، كثير الظهور على الفضائيات العربية وخاصة العربية والحدث، وهو يجيد إضافة إلى لغته الأصلية اللغتين العربية والفرنسية، ولأنه يعرف جيدا أن الترجمة من لغة إلى أخرى قد يخل بالمعنى الدقيق المطلوب منه أن يوصله إلى المشاهد في منطقة تعيش تداعيات الزلزال العظيم الذي تعيشه منذ خروج العراق من معادلة الأمن القومي العربي، ودخول إيران بكل قوة على خط الهزات الارتدادية التي تعيشه المنطقة منذ عام 2003، لهذه الأسباب لا يتحدث إلا باللغة الإنكليزية.

آدم أيرلي هذا اختصر بدقة الدبلوماسي الحاذق، الاستراتيجية الأميركية في منطقة النزاعات الساخنة في الشرق الأوسط وخاصة في سوريا، وربما عندما كان يتحدث تصور نفسه أنه ما زال يتحدث باسم السياسة الخارجية الأميركية فقال إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يرى في الساحة السورية ما يهدد الأمن القومي الأميركي أو المصالح الأميركية، وبالتالي فإن ترمب لا يعتقد أن وجود كل من تركيا أو إيران أو روسيا أو أية قوة أخرى، يمكن أن يشكل تهديدا للأمن القومي الأميركي.

قطعا فإن آدم أيرلي اختار كلماته بدقة عالية ليس مثل أي محلل سياسي آخر يمكن أن تأخذه الحماسة لتصوير أمنياته كحقائق لاحقة، قال ذلك في لقائه على قناة الحدث يوم الاثنين 14/ 10 بثقة مطلقة خاصة وأنه لم يبتعد كثيرا عن مراكز صنع القرار وعن نمط تفكير ترمب.

حديث أيرلي جاء في معرض تعليقه على ما قيل إنه تقاعس أميركي في التصدي للغزو التركي لشمالي سوريا، ووصف عزوف ترمب عن التدخل بأن الرئيس الأميركي وصل الرئاسة بشعار وقف التدخل الأميركي في الحروب التي لا نهاية لها وهو يخوض الآن معركته الانتخابية لدورة الرئاسة الثانية ويريد تأكيد مصداقيته وسط تأييد واسع من الشعب الأميركي لتقليص الإنفاق المالي في تأدية دور الشرطي الدولي، والاهتمام بمعالجة الأزمات الداخلية وخاصة البطالة.

في تقديري أن ما جاء في حديث أيرلي بشأن عدم اكتراث ترمب لأي وجود إيراني أو تركي أو روسي في سوريا وبكلمات معدودة "كما هو حال المتحدثين الرسميين في الدول الكبرى لأن أي تجاوز للمعنى المطلوب قد يقلب مقاصد المتحدثين" بحاجة إلى وقفة عربية متأنية من أجل فهم أعمق لما ينتظر المنطقة من تداعيات خطيرة فيما لو تحوَل الوجود الإيراني إلى وجود دائم ومرضي عنه دوليا، وذلك كي يحقق التوازن مع الوجود الروسي وربما يؤدي في ظرف لاحق إلى تصادم في مصالح الطرفين واستنزافهما معا.

فماذا أراد أيرلي أن يقوله لنا؟

لعل أهم فكرة أراد إيصالها للمتلقي العربي أن إيران موجودة في سوريا وليس في خطط الولايات المتحدة الدخول في احتكاك معها نيابة عن أحد، لأن سوريا ومهما وصل التردي الأمني فيها لا تشكل خطرا على المصالح الأميركية ولا على الأمن القومي الأميركي.

فهل لهذه القراءة الأميركية صلة لمشاورات ما تجري تحت الطاولة بين واشنطن وطهران؟ أو أنها استجابة لرغبة الناخب الأميركي الذي ملّ تدخل بلاده في الحروب العبثية والتي لا تلوح في الأفق نهاية لها، أو كلا الأمرين؟

مع ذلك فما طرحه آدم أيرلي هو نصف الحقيقة، فما هو النصف الآخر؟

النصف الآخر هو ما تراهن عليه الولايات المتحدة من احتمالٍ لتضارب المصالح الروسية الإيرانية، ومدى ما يمكن أن تشكله إيران من قوة لمزاحمة المشروع الاستراتيجي الروسي المتمثل في الوصول إلى المياه الدافئة، خاصة وأن كلا من إيران وروسيا استثمرتا كثيرا في الساحة السورية، وكل منهما يرى في مكاسب الطرف الآخر حذفا لجزء من مكاسبه المفترضة.

حسنا ما هو موقف (إسرائيل) من القراءة الأميركية الجديدة؟

(إسرائيل) لا تنظر بارتياح إلى وجود إيران على مقربة من حدودها، مهما تحدثنا عن وجود حلف بين الطرفين، ف(إسرائيل) تريد إيران بالقوة التي تخيف العرب بحيث يلجؤون إليها طلبا لمواجهة التمدد الإيراني الذي بدأ يطرق أبواب مكاتبهم إن لم يكن يطرق أبواب غرف نومهم، وتريدها بقوتها الحالية بلا زيادة كي تبقى تحت مطرقة ذراع (إسرائيل)الطويلة والقوية، فهل تجاهل ترمب مصالح الأمن (الإسرائيلي) من أجل العودة إلى البيت الأبيض في انتخابات أميركية ستجري بعد عام؟

إسرائيل لا تكترث لشعارات الموت ل(إسرائيل) أو شعار قوى الممانعة، لأنها تعي جيدا أن إيران تسعى لتحقيق كسب سياسي رخيص في الوطن العربي والمزاودة على العرب في واحدة من قضاياهم المقدسة.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,361,121

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"