مضى أسبوع على الانطلاقة الثانية لشباب العراق في الخامس والعشرين من تشرين الميمون من سنة 2019م.
ونجد أنفسنا اليوم أمام انعطاف تاريخي بكل ما لهذه الكلمة من معان وأبعاد..تتشكل معالمه من جيل العراق الجديد فأصحاب الحراك اليوم شباب في مقتبل العمر، ظهروا لنا في هذا الشهر بوعي متميز، وإرادة صلبة، وشجاعة منقطعة النظير، وحسابات إستراتيجية سديدة، حتى أن احدنا ليحار في وصفهم هل هم فرسان أم أدباء أم خبراء، أم ، أم، أم هم باختصار: منحة السماء. استهدف هذا الجيل من شتى القوى الإقليمية والدولية، وراهن عليه كثيرون، فثمة من سعى لتجهيله، وثمة من سعى لإفقاره، وثمة من سعى لسلخه من وطنه، وثمة من سعى لطبعه بطابع التمرد على القيم النبيلة، وتبني التطرف والطائفية والعرقية، وغير ذلك. وكان وراء كل من سعى أهدافه الخاصة به، والقائمة على الانتهازية والاستغلال والظلم والاستنزاف، وتحقيق المصالح الرخيصة على حساب مصالح هذه الجيل ومستقبله. ولكن هذا الجيل خيب ظنون هؤلاء، وقلب الطاولة على الجميع، وبرهن على انه جيل واعي، له وطن يريد استرداده، وهو مستعد ليضحي بدمه من أجله، وانه عازم على أن يعيد للبلاد استقلالها وهيبتها واستقرارها، وينتزعها من بين مخالب المتاجرين الذين اتخذوا من الدين والسياسة والهيمنة الإقليمية والدولية غطاء لهم. سلك هذا الجيل هذه المرة طريق الحراك السلمي سبيلا لاستعادة الوطن، الذي هو بشهادة أهل السياسة في عالم اليوم أشد وقعا من السلاح على من يستعمل السلاح ضده. وعلى الرغم من تنوع أساليب الترويع والقتل والاستهداف التي مورست بحق هذا الجيل، وعلى الرغم من التضحيات الغالية التي قدمها شبابه، فإن الإصرار كان يتعاظم لديهم على المضي قدما حتى نهاية الطريق، الأمر الذي أثار إعجاب شعبه به، فبدأ الناس ينقادون له، ويلبون نداءاته، فإذا انتخاهم لمعونة هبوا لنجدته من كل مكان، وإذا طلب منهم الخروج إلى الطرقات خرجوا بالملايين. ولا يمكن أن ننسى فعاليات ساحة التحرير في بغداد، ولا فعاليات مبنى المطعم التركي الذي اصطلح عليه الشباب(جبل احد) لموقعه المتميز، ولا فعاليات (التك تك) التي قهرت إرادة المحاصرين، ولا يمكن أن ننسى ساحات النجف وكربلاء وساحات الناصرية وغيرها من السوح الوطنية الرائعة، ولا يمكن أن ننسى تلبية طلاب الجامعات والمدارس الثانوية والمتوسطة والابتدائية، لنداء شباب الحراك والخروج بعشرات الآلاف ـ رغم المحاصرة والمعوقات ـ دعما ومناصرة وتأييدا. صدقونا إننا نعيش عرسا وطنيا، لم يمر علينا مثله من قبل، ونشعر اننا أما عهد جديد يليق بالعراق وشعبه تاريخا ومجدا وحضارة. بدأنا نجلس لساعات وساعات على الهواتف لنتابع نشاطات شباب الحراك على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا تسألوا عن مشاعرنا ، فتارة نبكي، وتارة نضحك وتارة نخلط الضحك بالدموع، نبكي على شبابنا الذين يقتلون غدرا وهم في عمر الزهور، ولم يرتكبوا جرما، ولم يحملوا سلاحا سوى حناجرهم، ونضحك لفعالياتهم المعبرة عن طموحاتهم والتي تتسم بعناصر المفاجأة والإبداع، فهذا يحمل العلم ويقف في مواجهة النار، ويأبى أن يغادر موقعه رغم مناشدات أصدقائه، وهذا يصنع من علب المياه أقنعة واقية للوجه، وثالث يعتب على من يستعمل القنابل المسيلة للدموع لأنها منتهية الصلاحية، وغير ذلك . وكم دفعني إلى الضحك بملء فمي فيديو لشاب كان يرقص على مرتفع في ساحة التحرير ببغداد، وحوله عشرات الآلاف من الشباب، يهتفون معه (إخوان سنة وشيعة، هذا الوطن ما نبيعه).. أحسست في هذه الرقصة رسالة ملؤها التشفي والسخرية من الذين خططوا لتمزيق العباد والبلاد، أراد هذا الشاب أن يرسلها إليهم، وكأنه يقول لهم، زرعتم الفتن بيننا لسنين، وعملتم بسيوفكم في رقابنا لتوهموا أن بعضنا يقتل بعضا، وفجرتم المراقد والكنائس والمساجد، لتنتهي الفسيفساء في هذا البلد العريق، ولكنكم فشلتم، وبارت مخططاتكم اللئيمة، وها نحن اليوم بعد كل ما مضى نرفع هذا الشعار جميعا، معربين عن أخوتنا، واستحالة زرع الفرقة بيننا، فموتوا بغيظكم، فهذا الشعب لن يتمزق. قرأت تغريدة لأحد الشباب، يقول فيها:أحلى ما في ساحة التحرير أن الشباب من كل الطوائف والأعراق يعملون معا بروح الفريق الواحد، وإذا جاء وقت النوم، ناموا على وسادة واحدة،وكأنهم أخوة أشقاء من بيت واحد. لك الحمد يا رباه أن مددت في أعمارنا لنرى مثل هذه الأيام، ونعيش فرحة الأمل، ونرى بأنفسنا تهاوي الأصنام التي أرادت بعراقنا السوء، الواحد تلو الآخر. أما أنتم أيها الشباب فيعجز اللسان عن وصفكم، وتمتلئ النفس غبطة بكم، والقلب بالدعاء لكم، ونحن على يقين أن الغاية التي خرجتم من اجلها ستتحقق، وأنكم ستنتصرون، وتحققون جميع أهدافكم، وستتصدرون المشهد في قيادة البلد إلى العدل والاستقرار، والطمأنينة والازدهار، بعد أن أمعن الآخرون في تخريبه. نحن على يقين أن سيكون ذلك.. أتدرون لم؟ لأنكم يا أحبابي : منحة السماء للعراق.