الطائفية صنيعة الطبقة السياسية.. كيف نسفها المنتفضون العراقيون؟

تدخل المظاهرات العراقية أسبوعها الثالث وسط زيادة في زخم المظاهرات إلى حد غير مسبوق، مظاهرات شعبية بدأت في الأول من تشرين الأول/ اكتوبر الماضي ولا تزال مستمرة في احتجاجات تطالب بإسقاط النظام السياسي وإنهاء الطائفية التي جاء بها الاحتلال الأميركي وساسة المنطقة الخضراء بعد 2003.

الأسطر التالية لجريدة “البصائر” تقرأ في المظاهرات العراقية وانتفاضة الشباب العراقي وكيف استطاع العراقيون نسف الطائفية التي صنعتها الكتل السياسية؟

انتفاضة تشرين توحد العراقيين

منذ انطلاقتها، لم يُلحظ على المتظاهرين رفع أي رايات أو شعارات باستثناء الأعلام العراقية، الناشط المدني وأحد متظاهري ساحة التحرير في بغداد “عماد طه” يقول في حديثه لجريدة “البصائر” إن انتفاضة تشرين/أكتوبر التي لا تزال مستمرة خرجت من أجل إعادة صناعة وطن دمرته الأحزاب السياسية الطائفية منذ مجيئها في عام 2003.

ويضيف طه أن الشعب العراقي وبعد أن ضاق ذرعا بالأحزاب المتوسدة للسلطة، خرج في مظاهرات شعبية تختلف هذه المرة عن سابقاتها، إذ أن المتظاهرين خرجوا عفويا دون أي غطاء سياسي من أي كتلة أو حزب، فضلا عن أن المظاهرات الحالية لا تحمل أي شعارات طائفية أو رايات حزبية أو فئوية أو قومية، وبالتالي فإن هذه المظاهرات تشكل أكبر خطر على ساسة المنطقة الخضراء بسبب توحد العراقيين على كلمة واحدة في سابقة لم تحدث من الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

ويتفق طرح طه مع طرح الناشط البصري “منتظر حسين” الذي يؤكد أن أكثر ما يؤرق الحكومة حاليا لا يتعلق بالمظاهرات بحد ذاتها بل بالوعي الشعبي الذي يصاحبها ونبذ المتظاهرين لكل أشكال الحزبية والطائفية والمحاصصة، وهذه جميعا اعتمدتها الكتل السياسية والأحزاب كأساس لفرض هيمنتها على الشعب من باب (فرِّق تسد)، بحسبه.

ويضيف حسين أن المظاهرات الحالية كسرت الحواجز والأصنام التي وضعتها الكتل السياسية والاحزاب بين فئات الشعب العراقي، وبالتالي فإن مظاهرات العراق وانتفاضة شبابه بدأت تؤتي ثمارها من خلال القضاء على الطائفية والتأسيس لعراق جديد يختلف جذريا عن عراق بعد عام 2003.

أما الأكاديمي وأستاذ علم النفس السياسي “حسين صالح” فيرى أن العراق وبعد عام 2003، عملت الأحزاب والكتل السياسية على استعادة جميع القيم البائسة مع تغييب الهوية الوطنية لصالح الهويات الفرعية والعشائرية والمذهبية والقومية، وبالتالي فإن بلدا مثل العراق لا يمكن أن يستمر على هذا الحال.

ويضيف صالح أن العراق وبعد 16 عاما من التخبط السياسي، أدرك الجيل الصاعد من أبناء تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية أن البلد الذي يعيشون فيه ليس ذاك البلد الذي يقرؤون عنه في كتب التاريخ، وبالتالي فإن خروج المظاهرات بشكلها الحالي والمليوني جاء نتيجة حتمية لسوء إدارة العراق على مدى السنوات الماضية.

ويختتم صالح حديثه قائلا: إن جميع التصريحات الحكومية والوعود الإصلاحية لا تنطبق مع ما يجري على أرض الواقع، إذ أن المحاصصة لا تزال على أشدها، وأن عدم استقالة عبد المهدي تبرهن على أن جميع الكتل السياسية لا تزال متخندقة طائفيا ومذهبيا على عكس شباب الانتفاضة الذي استطاعوا وخلال أيام إنهاء المحاصصة الشعبية والعودة إلى حضن العراق الواحد، بحسب تعبيره.

الأحزاب فرقت الشعب العراقي

لم يكن العراق يعرف يوما الطائفية أو القومية إلا بعد 2003، وفي هذا الصدد يقول المحلل السياسي “رعد الجبوري” إن جميع الأحزاب السياسية في العراق التي تبوأت الحكم بعد 2003 لم تكن تسكن العراق قبل هذا التاريخ، إذ كان قادتها يقيمون في دول عدة بين إيران وأوروبا وأميركا ودول أخرى، وكثير منهم لديه جنسيات أجنبية، وبالتالي فإن هذه الاحزاب ظلت بعيدة عن الشارع العراقي وعن همومه وهي تعيش في برج عاجي في المنطقة الخضراء المرفهة.

ويضيف الجبوري أنه ولعدم معرفة هذه الأحزاب بالحكم ومن أجل السيطرة على الشعب، عمدت إلى المحاصصة الطائفية وادعاء المظلومية من الأنظمة السياسية السابقة، فأسست نظاما سياسيا فاشلا معتمدة على الطائفية والتفرقة، وهذا ما نجحت فيه على مدار 16 عاما في جميع الانتخابات الماضية، إلا أنه وبعد مرور كل هذه الفترة أدرك العراقيون أن بلادهم تتجه نحو الهاوية ولا يمكن الاستمرار في العراق في ظل هذه الطغمة الحاكمة، فكانت انتفاضة تشرين الحالية هي الفيصل في استمرارية هذه الطبقة السياسية من عدمه.

ويشير الكثير من المراقبين إلى أن العراق يشهد حاليا ولادة جيل صاعد لا يعترف بجميع المفاهيم السياسية المطبقة في العراق منذ 16 عاما، إذ أن هذا الجيل لا يؤمن بالكهنوت الديني وسلطة الاحزاب الدينية على ثروات البلاد، فضلا عن أنه جيل منفتح يعمد إلى مقارنة أوضاعه المعيشية والاقتصادية مع دول مجاورة أقل ثروة وأكثر رفاهية.

ويشير الصحفي الأميركي المختص بشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “ستيوارت ماكلاند” إلى أن ما يحدث في العراق الآن تصلح عليه تسمية ثورة شعبية لا سابق لها في تاريخ العراق الحديث، إذ أنها لم تخرج ضد محتل واضح للأرض، بقدر خروجها بوجه ساسة البلاد الذين لم يفلحوا في تحسين أوضاعه الاقتصادية على الرغم من أن ما أنفق فيه يزيد على 1100 مليار دولار، وهذا المبلغ كان كفيلا ببناء دولة كاملة من الصفر.

ويشير ستيورات في مقال له في صحفية أميركية إلى أن الولايات المتحدة سلمت العراق لإيران على طبق من ذهب، وبالتالي فإنها تتحمل المسؤولية الكاملة عما يحدث فيه بكل التفاصيل والحيثيات، خاصة أن الولايات المتحدة وحتى الان لا تزال تدعم الحكومة الحالية المبنية على الطائفية وتقدم الدعم لقواتها الأمنية التي تبطش بالمتظاهرين السلميين في بغداد والبصرة والناصرية.

أما الصحفي العراقي “أحمد سعد” فيقول إنه ولأول مرة في العراق منذ الغزو يخرج العراقيون في الساحات العامة في مختلف المحافظات العراقية ولا تعرف لهم طائفية أو قومية، ولا تستطيع التمييز بينهم سوى أنهم عراقيون.

ويضيف سعد أنه وبعد مرور أكثر من شهر على بدء المظاهرات الواسعة، بات المتظاهرون يستشعرون طعم الحرية والألفة والتعاون بين أبناء الشعب الواحد، معتقدا أن هذا الشعور الذي كان غائبا زاد من إصرار المتظاهرين على إسقاط النظام السياسي الحالي ودفته إلى غير رجعة، بحسبه.

ما فعله المنتفضون العراقيون في أيام قليلة يتلخص بكسر جميع التخندقات الطائفية والحزبية والقومية والمذهبية، في مشهد لم يرَ العراق له مثيلا على مر تاريخه، في ظل إصرار المتظاهرين على إكمال ما بدأوه وإسقطاالعملية السياسية الحالية التي ولدت مشوهة من الأساس.

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,908,743

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"