ثمة مخاوف "جدية" لدى الولايات المتحدة من مواصلة القوات الأمنية العراقية حملات القمع التي يتعرض لها المتظاهرون، بعد أن تجاوز عدد الشهداء أكثر من 320 شخصا، وإصابة 15 ألفا بجروح متفاوتة، وفقا للمفوضية العليا لحقوق الإنسان بالعراق.
لكن الولايات المتحدة تتخوف بالدرجة الأولى من دخول العراق في فوضى أمنية قد تجر البلاد إلى دوامة حرب أهلية، واحتمالات "شبه مؤكدة" باستهداف العاملين الأميركيين ومصالح واشنطن في العراق من قبل بعض فصائل "الحشد الشعبي" الحليفة لإيران.
واستدعت المعالجة الأمنية التي تنتهجها حكومة عادل عبد المهدي موقفا أميركيا "متقدما" بعض الشيء عبر عنه وزير الخارجية مايك بومبيو في اتصال هاتفي مع عبد المهدي، الثلاثاء، استنكر فيه استخدام القوة ضد المتظاهرين.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية، مورغان أورتيغاس، في بيان، إن بومبيو حثّ عبد المهدي على ضرورة "اتخاذ خطوات فورية لمعالجة المطالب المشروعة للمتظاهرين من خلال سن الإصلاحات ومعالجة الفساد".
ويشهد العراق منذ بداية تشرين الأول/أكتوبر الماضي، مظاهرات ساخطة على تردي الأوضاع المعيشية، تحولت فيما بعد إلى المطالبة بإسقاط الحكومة.
وتتلخص مطالب المتظاهرين في إجراء تعديلات دستورية ومكافحة الفساد والحد من البطالة، إضافة إلى رفض التدخلات الخارجية، الإيرانية بشكل خاص، في الشؤون الداخلية للبلاد مع التشديد على إجراء انتخابات مبكرة وإقالة حكومة عبد المهدي.
ورغم استمرار المظاهرات، ظلت المواقف الدولية "خجولة" إلى حد ما، لكن "المعالجة الأمنية" وسقوط مئات الضحايا مع عدم تبني الحكومة المركزية موقفا حازما من المسؤولين عن قتل المتظاهرين، أثار انتباه الرأي العام العالمي والأمم المتحدة والولايات المتحدة ودولا أخرى.
ودعت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق (يونامي) إلى الإفراج عن المتظاهرين المحتجزين ووضع خريطة طريق للخروج من الأزمة السياسية من خلال التعاطي مع عدد من المبادرات التي سبق أن طرحتها البعثة لمكافحة الفساد وإجراء إصلاحات تشريعية على قانون الانتخابات، وهي من المطالب الأساسية للمتظاهرين.
أما الولايات المتحدة فقد دعت، الإثنين، حكومة بغداد إلى إجراء انتخابات مبكرة، ووقف حملات العنف ضد المتظاهرين مع التأكيد على أن العراقيين لن يبقوا مكتوفي الأيدي إزاء استنزاف النظام الإيراني لمواردهم، واستخدام مجموعات مسلحة لمنعهم من التعبير عن آرائهم، في إشارة واضحة إلى فصائل "الحشد الشعبي" الحليفة لإيران.
وأشار بيان للبيت الأبيض نشرته السفارة الأميركية في بغداد إلى أن الولايات المتحدة تشارك بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق في دعوة حكومة عبد المهدي إلى وقف العنف ضد المتظاهرين والوفاء بتعهدات الرئيس برهم صالح بإقرار إصلاحات انتخابية وإجراء انتخابات مبكرة.
ولا يزال رئيس الوزراء عبد المهدي يرفض الاستجابة لمطالب المتظاهرين في تقديم استقالته استجابة لمطالبهم التي تصر على رحيل "الحكومة والنخبة السياسية الفاسدة".
وسبق لعبد المهدي أن أعلن عدم ممانعته في تقديم الاستقالة إذا توفر بديل تتفق عليه كتلتا الإصلاح بقيادة رئيس التيار الصدري المقرب من إيران مقتدى الصدر، والفتح التي تمثل الجناح السياسي للفصائل المسلحة الحليفة لإيران برئاسة الأمين العام لمنظمة بدر/الجناح العسكري هادي العامري الحليف الأوثق لطهران.
وفي موقف فسره خبراء على أنه تضامن من الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع المتظاهرين، أعاد نشر تغريدة باللغة العربية تتضمن فيديو يظهر فيه عراقيون غاضبون يحرقون جزءًا من جدار القنصلية الإيرانية بكربلاء، ويرمونها بالحجارة بعد محاصرتها ورفع العلم العراقي فوق أسوارها.
ومنذ بداية الموجة الأخيرة من المظاهرات العراقية مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أعلنت الخارجية الأميركية أنها تراقب المظاهرات، معربة عن قلقها من تقارير تفيد بوقوع خسائر في الأرواح.
وتدعم الولايات المتحدة بشكل رسمي الخطوات "الإصلاحية" التي أعلن عنها عبد المهدي استجابة لبعض مطالب المتظاهرين، لكنها لا تزال ترى أن تلك الخطوات "ليست كافية" وأن على الحكومة محاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين ووقف العنف ضدهم.
في جانب آخر، تسلط وسائل الإعلام الأميركية، مثل قناة الحرة، الضوء على العنف الذي تمارسه القوات الأمنية ضد المتظاهرين، ضمن حملة إعلامية للتضامن مع الحركة الاحتجاجية التي تشهدها بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، بالإضافة إلى وسائل إعلام عربية محسوبة على المحور المناهض لإيران في المنطقة، وهو المحور الذي تقوده واشنطن.
لكن الولايات المتحدة تحاول الابتعاد عن التدخل المباشر في الأزمة العراقية نتيجة التهديدات التي تطلقها قيادات في بعض فصائل الحشد الشعبي الحليفة لإيران والتي يؤكدها سفير طهران في العراق إيراج مسجدي خلال لقاء مع إحدى الفضائيات العراقية في 26 أيلول/سبتمبر الماضي بعزم إيران الرد على أي هجوم أمريكي موجه ضد إيران في أي مكان يتواجد فيه الأميركيون، بما في ذلك العراق، سواء من إيران مباشرة أو من خلال القوات الحليفة لها، حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق وجماعة الحوثي في اليمن.
وينظر المسؤولون الأميركيون إلى أن حكومة عبد المهدي متحالفة مع كل من الولايات المتحدة وإيران في نفس الوقت، مع ميل جناح واسع في الإدارة الأميركية إلى عزل حكومة بغداد عن إيران في سياق التنافس الإقليمي بينهما والصراع على النفوذ في المنطقة.
لكن موقف الحكومة العراقية في إرساء أسس التوازن في علاقات بغداد مع الولايات المتحدة وإيران والوقوف على الحياد في الصراع بينهما، قد يدفع واشنطن إلى تأييد الجهود التي تبذلها جهات عراقية لإرغام عبد المهدي على تقديم استقالته، أو إقالته من خلال حجب الثقة عن حكومته في مجلس النواب.
وتعتمد بغداد بشكل خاص على إيران في إمدادات الطاقة الكهربائية وتوريد الغاز لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء في العراق، واستمرار ذلك بإعفاءات أميركية استثنائية من العقوبات التي تفرضها على إيران بمنع الدول من شراء منتجات الطاقة من إيران.
وتعتقد الولايات المتحدة أن هناك أطرافا حليفة لإيران تحاول خلط الأوراق عبر اتهامها ودول حليفة لها، مثل (إسرائيل) والسعودية، بدعم الحركة الاحتجاجية الموجهة في جزء كبير منها ضد إيران، في سياق ما يُعتقد أنه "مؤامرة أجنبية" تستهدف السلطة الشيعية والنفوذ الإيراني في العراق.
وفي كل الأحوال، فإن الخيارات الأميركية لإحداث تغيير في العراق تبدو محدودة جدا، لكن ذلك يعتمد بالأساس على قدرة المحتجين على مواصلة مظاهراتهم لفترة زمنية لاحقة، تزداد خلالها حالة الرفض الشعبي للنفوذ الإيراني وللقوى السياسية والفصائل المسلحة الحليفة لها.