أصدر معهد البحوث الاستراتيجية ISREM المتخصص بالدراسات العسكرية في فرنسا دراسة ميدانية مطلع شهر حزيران/يونيو 2020 اعدها الباحث في المعهد اوليفيه باسو، تناول فيها الدور الذي لعبته الميليشيات التابعة للحشد الشعبي في العراق في قمع حركة الاحتجاجات التي شهدتها محافظات العراق الجنوبية والوسطى أواخر عام 2019 ومطلع عام 2020، ودور هذه الميليشيات في التصعيد الذي تسبب في تصاعد أحداث العنف بين الولايات المتحدة وإيران في العراق، بما في ذلك حادثة مقتل قاسم سليماني وأبو علي المهندس، وما أعقبها من مطالبة الميليشيات والبرلمانيين المرتبطين بها بانسحاب القوات الأميركية من العراق.
كم عدد المليشيات في العراق؟
قدم الباحث في مستهل دراسته عرضا لطبيعة نشاط الميليشيات التي قال إنها ظاهرة متأصلة في العراق، عرفها العراقيون منذ مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كانت وما برحت تضم أقليات وطوائف واثنيات متعددة، بما في ذلك الميليشيات الكردية التي لعبت دورا بارزا في تاريخ العراق السياسي المعاصر. قدم بعد ذلك باسو تعريفا للميليشيات قائلا إنها مجموعة من المسلحين يعملون خارج إطار الدولة، مهمتهم الرئيسية السيطرة على الجماهير، وتنفيذ عمليات متعددة أبرزها تلك التي تحمل طابعا أمنيا.
أحصت الدراسة نحو 100 ميليشيا منضوية تحت لواء هيئة الحشد الشعبي، تضم أكثر من 150 ألف مقاتل، من بينها 40 ميليشيا تابعة لإيران، عدها الباحث بمثابة “النواة الصلبة” للميليشيات المحسوبة على إيران، والتي لعبت دورا رئيسيا في قمع الاحتجاجات.
الشرطة العراقية متورطة أيضاً
أوضحت الدراسة أن طريقة قمع الاحتجاجات، التي غلب عليها في بداية الأمر الطابع الاقتصادي والاجتماعي، كانت عشوائية، إلا أنها ومع مرور الوقت، اتخذت منحى دمويا، بعدما بدأ المحتجون يرفعون شعارات سياسية، البعض منها كان معاديا لطهران وللزعامات الدينية الايرانية، ما أثار حفيظة إيران، حيث استخدمت الميليشيات بعد ذلك مختلف أنواع القسوة والعنف للقضاء عليها. قدم الباحث عرضا مفصلا للمنهجية التي يعتقد أن إيران وقفت وراءها في قمع الاحتجاجات، والتي شاركت فيه الميليشيات العراقية مع قوى الشرطة المحلية، على حد قوله. لاحظ الباحث أن اساليب القمع التي اعتمدتها الميليشيات تراوحت بين اختراق حركة المحتجين، وزرع بذور الفرقة بينهم، وصولا إلى استخدام العنف بشكل مباشر.
استنساخ اسلوب الباسيج الايراني في بغداد
بخصوص آليات القمع المتبعة من قتل، واختطاف، وطعن بالسكاكين، وإطلاق النار على رؤوس المحتجين من فوق المباني، رأى الباحث أنها أساليب تتطابق تماما مع ما فعله الحرس الثوري الايراني في مواجهة احتجاجات طهران التي اندلعت عامي 2014 و 2019، لافتا، على سبيل المثال، إلى أن أفراد قوات الباسيج الايرانية انتشروا على اسطح مباني طهران، واطلقوا الرصاص على المحتجين، متسببين في مقتل 208 محتجا في غضون خمسة ايام فقط خلال شهر تشرين الثاني 2019، ناهيك عن حالات الاختفاء وزج المحتجين في المعتقلات الإيرانية من دون أية أوامر قضائية. يضيف الباحث أن الميليشيات العراقية “استنسخت” آليات القمع التي استخدمتها قوات الباسيج الايرانية ضد الشعب الايراني. إلى ذلك، يشير باسو إلى إقدام جهات عراقية مجهولة في مدينة كربلاء بتاريخ 7 كانون الأول/ديسمبر 2019 على اختطاف احد عشر متظاهرا في المدينة، واغتيال العديد من الصحفيين، مستندا بذلك إلى تقارير اللجنة الوطنية العراقية لحقوق الانسان.
أكد الباحث الفرنسي أنه على الرغم من تشكيل السلطات العراقية لجان اوكلت اليها مهمة التحقيق في الحوادث، إلا أن التحقيقات التي أجرتها هذه اللجان المتعددة لم ترّ النور على الإطلاق، ولا يعرف حتى الآن نتائجها. يستنتج الباحث استنادا إلى احداث القمع المذكورة اسلوبا مطابقا للنهج القمعي الذي استخدمته إيران ضد مواطنيها مستخدمة ذات الوسائل مثل القتل والترهيب والتعذيب واطلاق الرصاص الحي على رؤوس المتظاهرين، واصفا كل هذه التصرفات بـ”التخصص الإيراني”.
استغلال وسائل الانترنت للقمع
لاحظت الدراسة الفرنسية الخاصة أن القمع والاضطهاد للمحتجين في العراق لم يقتصر على أعمال القمع، بل امتد ليقلد ما قامت به السلطات الايرانية عام 2014 في قطع الانترنت عن الايرانيين ابان حركة الاحتجاجات الايرانية التي عرفت باسم “الثورة الخضراء”، حيث خفضت السلطات العراقية في الثاني من تشرين الأول/اكتوبر 2019 قدرات الانترنت ما تسبب ببطء كبير بالاتصالات، ترافق مع قطع الاتصالات في وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وواتساب سعيا لمنع الاتصال بين المحتجين، وهو اسلوب استخدمته أنظمة قمعية عديدة في العالم، حسب الباحث.
واصل باسو في بحثه تقديم الامثلة المتطابقة في السلوك والممارسات القمعية للميليشيات في كل من إيران والعراق، مؤكدا على وجود مرجعية خفية واحدة كانت تصدر الأوامر للميليشيات التي نفذت التعليمات بشكل دقيق. إلى ذلك، اعتبر أن مشاركة رؤساء ميليشيات محسوبة على إيران في مسيرة احتجاج أمام مبنى السفارة الأميركية في بغداد بتاريخ 31/12/2019، (ابو علي المهندس، قيس الخزعلي، هادي العامري، فالح الفياض، وسواهم) ورفعها شعارات موحدة، وسيطرتها بشكل دقيق على ردود أفعال المتظاهرين، وممارسة العنف بشكل محسوب، مؤشر على وجود سلسلة مراجع توجه المسيرة بشكل منضبط.
الدولة العميقة
لفت الباحث الفرنسي ايضا إلى أن اطلاق صواريخ على قواعد عسكرية عراقية تضم قوات اجنبية في وقت واحد في أكثر من مكان يدل على أن ثمة جهة تمتلك سلسلة مراجع وتصدر أوامر إلى جهات متعددة في آن واحد وهي لا يمكن إلاّ أن تكون دولة أجنبية أو “دولة عميقة”. رأى اوليفييه باسو أن إيران كانت وراء القمع والعنف، على الرغم من اعترافه بعدم امتلاكه أدلة مادية تثبت صدور اوامر مباشرة من إيران، لأن مثل ذلك يتطلب امكانيات دول، على حد قوله، إلا أنه لفت في أكثر من حالة إلى حقيقة أن بعض هذه الميليشيات يعلن ولاءه التام لإيران.
ايران تقصي الجميع
خلص أوليفييه باسو إلى استنتاج هام مفاده أن إيران اعتمدت منهجا تصعيديا مدروسا في العراق خلال الازمة ضد الولايات المتحدة، حرصت فيه على ألا تتسبب برد أمريكي مباشر يستهدف إيران داخليا، فحافظت بذلك على سيادتها. لكنها، والكلام للباحث، تمكنت من جر واشنطن إلى المواجهة المسلحة في العراق، كي تعطي المبرر لاحقا للجماعات الموالية لها في البرلمان والميليشيات إلى الدعوة لسحب القوات الاجنبية من العراق، وهي دعوة تكتسب شرعية في الشارع العراقي لما يمثله وجود قوات اجنبية من استفزاز لمشاعر المواطنين. النتيجة كما يراها الكاتب هي أن الولايات المتحدة قلصت عدد قواعدها في العراق، في حين أعلنت معظم الدول الغربية الأعضاء في حلف الناتو عن سحب كلي أو جزئي لقواتها من العراق، وبذلك تمكنت إيران من اقصاء الجميع وبقيت سيدة الساحة العراقية بمفردها.