عصر التطرّف في المناخ والأفكار!‏

صبحي غندور

عالم اليوم "تعولمت" فيه مظاهر التطرّف ومشاعر الخوف والكراهية. وربّما يتحمّل ‏مسؤوليّة هذه "العولمة السلبيّة" التطوّر العلمي في وسائل الإعلام وفي التقنيّة ‏المعلوماتيّة، إذْ يبدو أنَّه كلّما اقترب العالم من بعضه البعض إعلاميّاً وخبريّاً، تباعد ‏ثقافيّاً واجتماعيّاً. 

عالم العالم لا يعيش الخوف من "الآخر" كإنسان أو مجتمع مختلف في ثقافته أو ‏لونه أو معتقده فقط، بل يعيش أيضاً الخوف من الطبيعة وكوارثها، ومن فساد ‏استهلاك بشرها لخيراتها وثرواتها. ‏

اليوم، يعيش العالم هواجس الخوف من "التغييرات المناخية"، ممّا يهدّد بحالاتٍ ‏عديدة من البرد القارس أو الجفاف أو الطوفان، وممّا سيترك أثراً كبيراً على فصول ‏الاعتدال بالطبيعة (الربيع والخريف)، ويجعل الكرة الأرضية أسيرة تطرف الصيف ‏الحار الحارق أو الشتاء البارد القاسي.‏

وهذا الاختلال في التوازن الطبيعي للمناخ ساهم بصنعه الإنسان الذي استخلفه الله ‏على الأرض لبنائها وإعمارها والحفاظ عليها، فهي أمانةٌ مستخلفة من الخالق لم يُحسن ‏الإنسان رعايتها.‏

وما يحدث في الطبيعة والمناخ من تطرّفٍ نراه أيضاً في الأفكار والمعتقدات، حيث ‏يتّجه الناس أكثر فأكثر لتبعية "جماعات نارية" تشعل اللهب هنا وهناك، تحرق ‏الأخضر واليابس معاً، فتذهب ضحية لقيادات هذه الجماعات وأفكارها، نفوسٌ بريئة ‏وأوطانٌ عريقة!‏

هو عصر التطرّف في المناخ وفي الأفكار، هو عصر العودة إلى "البدائية" بما ‏فيها تقديس "النار" ومُشعليها، بينما الناس هم حطبها ووقودها، والمسؤولية هنا هي ‏على التابع والمتبوع معاً، وعلى المتقاعسين عن دورهم في مواجهة التطرف، وعلى ‏المخالفين لطبيعة الحكمة الألهية في هدف الأختلاف بين البشر، وعلى المستغّلين ‏لأمانة الأستخلاف في الأرض وفي الحفاظ على توازن الطبيعة واعتدالها.‏

عالم اليوم يخشى من الغد بدلاً من أن يكون كلّ يومٍ جديد مبعثاً لأملٍ جديد في ‏حياة أفضل. شعوبٌ تعيش الخوف من إرهاب ما قد يحدث في أوطانها، وأخرى ‏تعايش الإرهاب يوميّاً حصيلة احتلال خارجي أو تسلّط داخلي أو عبث عنف متطرف ‏ارهابي. مجتمعاتٌ تخاف من "أشباح"، وأخرى تعيش الناس فيها كالأشباح! لكن ‏الجميع يشتركون في الخوف من المستقبل المجهول القادم. وكلّما ازداد الشعور ‏بالخوف، ازدادت مشاعر الكراهية لهذا "الآخر" المخيف! ‏

إنَّ العالم يعيش هذه الحالة السلبيّة تحديداً منذ 11 سبتمبر/2001، حيث كان هذا ‏اليوم رمزاً لعمل إجرامي مدفوع بغضب أعمى لا يفرّق بين مذنب وبريء، كما كان هذا ‏اليوم تبريراً لبدء سياسة حمقاء قادها "محافظون جدد" في واشنطن اعتماداً على تغذية ‏الشعور بالخوف من ناحية، ومشاعر الغضب الموصوفة بالكراهية من الناحية الأخرى. ‏

في عقد التسعينات من القرن الماضي، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كتب ‏الكثيرون من العرب والمسلمين عن خطط إسرائيليّة لجعل "الإسلام" هو "العدو الجديد" ‏للغرب، والبعض الآخر كتب في أميركا والغرب مبشّراً بنظريّة "صراع الحضارات". لكن ‏كانت كلّها كتابات ومجرّد حبر على ورق إلى حين وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001 . ‏

إذن، أليس من الحماقة في الأفعال أو الردود عليها، أن تسير الأمور في العالم ‏بهذا الاتجاه الذي جرى التحذير منه خلال عقد التسعينات!! وما هي المصالح العربية ‏والإسلاميّة من تأجيج مشاعر الكراهية أو الخوف لدى هذا الطرف أو ذاك على مستوى ‏شعوب العالم في الشرق والغرب؟! ‏

إنّ التمييز مطلوب بين حالاتٍ ثلاث: التطرّف، العنف المسلّح، والإرهاب. ‏فالتطرّف الفكري والسياسي قد يكون حقّاً مشروعاً لمن يشاء السير فيه من أقصى ‏اليمين إلى أقصى اليسار .. أمّا العنف المسلّح، فهو محكوم بضوابط دينية وأخلاقية ‏وقانونية على مستوى الدول والجماعات والأفراد، ولا يعني مخالفة طرفٍ لهذه الضوابط ‏أنّ استخدامها بات مشروعاً لدى أيِّ طرفٍ آخر.‏

وهناك بلا شك مسؤولية "غربية" وأميركية وإسرائيلية عن بروز ظاهرة الإرهاب ‏بأسماء "إسلامية"، لكنّ ذلك هو عنصر واحد من جملة عناصر أسهمت في تكوين ‏وانتشار هذه الظاهرة.‏

ولعلّ العنصر الأهمّ والأساس هو العامل الفكري/ العقَدي حيث تتوارث أجيال في ‏المنطقة العربية والعالم الإسلامي مجموعةً من المفاهيم التي يتعارض بعضها مع ‏أصول الدعوة الإسلامية، ومع خلاصة التجربة الإسلامية الأولى منذ فترة الهجرة ‏النبوية إلى المدينة وصولاً إلى نهاية عهد الخلفاء الراشدين. ‏

ولقد ساهمت الحقبة العثمانية، ثمّ فترة الاستعمار الأوروبي من بعدها، في ‏محاصرة الاجتهاد الإسلامي وفي الابتعاد عن المضمون الحضاري الإسلامي، والاتجاه ‏نحو "حكم العسكريتاريا" الذي بدأه العثمانيون أصلاً بانقلاب الجيش الإنكشاري على ‏الدولة العباسية.‏

أيضاً، كان للصراعات الدولية الكبرى إسهامٌ واسع في تأجيج ظاهرة التطرّف ‏المسلّح والإرهاب باسم الإسلام. حدث ذلك في كلّ حقبة الحرب الباردة بين موسكو ‏وواشنطن، وكانت حرب "المجاهدين الأفغان" هي الخميرة التي صنعت لاحقاً جماعات ‏‏"القاعدة" وأساليبها الإرهابية في أكثر من مكان وزمان.‏

هي كذلك أزمة "هُوية" في مسبّبات ظاهرة التطرّف المسلّح باسم الدين، حينما ‏تضعف الانتماءات الوطنية وتسود بدلاً منها هويّات فئوية بمضامين طائفية ومذهبية ‏ضيقة. ولعلّ بروز ظاهرة "التيّار الإسلامي" بما فيه من غثٍّ وسمين، وصالحٍ وطالح، ‏في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، ما كان ليحدث بهذا الشكل لو لم يكن هناك ‏في المنطقة العربية حالة من "الانحدار القومي" ومن ضعف للهويّة العروبية، كحصيلة ‏لطروحات وممارسات خاطئة جرت باسم القومية وباسم العروبة، فشوّهت المضمون ‏ودفعت ببعض النّاس إلى بدائل أخرى بحثاً عن الهويّة وعن قوى الدفع اللازمة في ‏معاركها السياسة والاجتماعية والوطنية.‏

أيضاً، حينما تسقط الدولة في أيِّ وطن، يهوى الانتماء الوطني الواحد أيضاً لترتفع ‏مكانه انتماءات أخرى هي أقلّ من نسيج الوطنية وأشدّ ارتباطاً بالخصوصيات التي ‏يتكوّن منها أيّ مجتمع.‏

إنّ مواجهة نهج التطرّف تتطلّب من العرب الارتكاز إلى فكر معتدل ينهض بهم، ‏ويُحصّن وحدة أوطانهم، ويُحقّق التكامل بين بلادهم، ويُحسّن استخدام ثرواتهم، ‏ويصون مجتمعاتهم المعرّضة الآن لكلّ الأخطار.‏

لكن الفكر المعتدل المطلوب ليس هو بالفكر الواحد في كلّ مكان، ولا يجب أن ‏يكون. فالاعتدال هو منهج وليس مضموناً عقائدياً.‏

وقد يكون المضمون دينياً أو علمانياً، وطنياً أو قومياً أو أممياً، لا همّ بذلك، ‏فالمهم هو ضرورة اعتماد نهج الاعتدال ورفض التطرّف كمنهاج في التفكير وفي ‏العمل وفي السلوك الفردي أيضاً.‏

فالاختلاف والتنوع في البشر والطبيعة هو سنّة الخلق وإرادة الخالق، بينما دعاة ‏التطرّف اليوم (وهم أيضاً ينتمون إلى أديان وشعوب وأمكنة مختلفة) يريدون العالم كما ‏هم عليه، و"من ليس معهم فهو ضدّهم"، ويكفّرون ويقتلون من ليس على معتقدهم ‏حتّى لو كان من أتباع دينهم أو من وطنهم وقومهم.‏

هو فكرٌ كابوسي جاهلي يستفيد حتماً من أيّة شرارة نار يُشعلها متطرّف آخر في ‏مكان آخر، فالحرائق تغذّي بعضها البعض، لكن النار مهما احتدّت وتأجّجت، فإنّها ‏ستأكل في يومٍ ما – عساه قريباً- ذاتها، حتى لو تأخّرت أو تقاعست قوى الإطفاء ‏عن دورها هنا أو هناك.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,901,092

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"