ماجد مكي الجميل
أعلنت شبكة التلفزيون الأمريكية الشهيرة (أن بي سي) في 11 شباط/ فبراير الجاري عن تعليقها عمل، برين ويليامز، مقدم أهم نشراتها الإخبارية، لمدة ستة أشهر دون أجر.
وكتبت رئيسة القناة، ديبورا تيرنيس، في الموقع الرسمي للقناة التلفزيونية أن مفعول القرار جرى تطبيقه بأثر فوري.
وللمعلومات، فإن، برين ويليامز، الذي يُقدِّم نشرة الأخبار المسائية في (أن بي سي) منذ عام 2004، هو أحد أشهر مقدمي البرامج في الولايات المتحدة (حسب طريقة التعظيم الأمريكية التي نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية / الرابط الأول أدناه)، وأن أجره السنوي يصل إلى نحو 10 ملايين دولار سنوياً، وقد جدَّدَ عقد عمله مع شبكة أن بي سي بهذا الأجر في كانون الأول/ديسمبر 2014،.
يبلغ، ويليامز، السادسة والخمسين من العمر، وعمل مراسلاُ حربياً في العراق بعد غزوه واحتلاله عام 2003، وتلقى 12 جائزة عن عمله الصحفي: إثنتين قبل عام 2006، و 10 جوائز منذ ذلك العام (واحدة في 2006، واثنتين في 2007، وواحدة في 2009، واثنتين في 2010، وواحدة في 2011، وواحدة في 2013، وواحدة في 2014، وجائزة مشتركة مع صحفي آخر في 2014). (الرابط الثاني).
لكن رغم أنف الجوائز الإثنى عشر هذه (بعضها عن عمله الصحفي في العراق)، والملايين العشرة التي يتقاضاها سنوياً (833 ألف دولار في الشهر، أو 27,397 دولار في اليوم الواحد، بما في ذلك أيام السبت والآحاد والعطل الأخرى)، وعلى الرغم من السنوات الـ 56 التي يحملها (مواليد 1959)، والـ 33 عاماً من العمل الصحفي (بدأ أول نشاطاته عام 1981) منها 23 عاماً في (أن بي سي)، أقول، على الرغم من كل هذا، أنظروا إلى هذا المراسل الحربي السابق كيف كذب خلال تغطيته لنشاطات الاحتلال في العراق المحتل، وكيف تمادى في الكذب لتغطية الكذبة الأولى.
خلال برنامجه يوم الجمعة 30 كانون الثاني/ يناير 2015، شوَّه برين ويليامز الأحداث التي وقعت عندما كان يقوم بتغطية الحرب على العراق في عام 2003. بعد ذلك، اتضح أنه كرر كذبه في سرده رواية معينة في مناسبات أخرى.
قال في برنامجه المسائي أن المروحية التي كان يستقلها مع القوات الأمريكية في العراق في عام 2003، كانت واحدة من بين 4 مروحيات من طراز شينوك تعرضت لهجوم بقاذفة صواريخ من الأرض، وأن شخصاً كان على متن الطائرة معه أصيب بجروح. ثم يدخل في التفاصيل قائلاً: كان هناك شخص على الأرض شاهدته بنفسي سحب قذيفته من طراز (آر بي جي) وأطلق عدة صواريخ باتجاه المروحيات الأربع ... المروحية الأولى التي كانت تطير أمامنا أصيبت في ذيلها، وتحديداً في المحرك المروحي الصغير في الذيل، وأجبرت على الهبوط على الأرض. بعد ذلك المروحية التي كنت فيها أصيبت أيضاً وأُعطبت، وتمكنت من المناورة حتى هبطت على الأرض.
بعد ذلك أجرى معه صحفي آخر هو، ديفيد ليترمان، مقابلة ضمن برنامج "ويليامز" المسائي نفسه، جاء فيها:
ليترمان: كم مروحية أصيبت؟
ويليامز: مروحيتان من أربع تعرضت للإصابة من نيران أرضية، بضمنها تلك التي كنت أنا فيها.
ليترمان: ما نوع النيران؟
ويليامز: آر بي جي و أي كي ـ 47.
ليترمان: على أي ارتفاع كنتم؟
ويليامز: كنا على ارتفاع مائة قدم فقط، ونطير بسرعة مائة عقدة.
ليترمان: ماذا حصل في اللحظة التي أدركَ فيها كل شخص أنكم أصبتم؟
ويليامز: كان الاهتمام منصباً على كيفية هبوط الطائرة بسلام.(الرابط الثالث).
بعد هذه المقابلة، قام راديو (WNYC) باستضافته للحديث عن هذا الموضوع، وقد أجرى الحوار معه، أليك بالدوين. أنقل هنا نص سؤال واحد وجوابه من الحوار الطويل:
بالدوين: في تلك اللحظة هل خطر على بالك أنكَ ستموت؟
ويليامز: باختصار ...، بالتأكيد. (الرابط الثالث).
بعد أيام قليلة من هذا الإعلان، كتب جندي كان مسؤولاً عن أمن، ويليامز وكان معه في المروحية ذاتها على صفحته في "الفيسبوك" يُكذِّب ما قاله، ويليامز، جملةً وتفصيلاً. قال الجندي: أن طائرة الشينوك التي أمامنا قد اصيبت فعلاً بقذيفة آر بي جي وكادت أن تنفجر، وأن طائرتنا لم تُصَب.
ثُمَّ توالت شهادات أخرى تُكذِّب ما قاله، وليامز. فقد قال، جو سميرلان، قائد المروحية التي أصيبت في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز (إنترناشونال هيرالد تربيون سابقاً)، أن المروحية التي كانت تقل برين ويليامز وفريقه كانت بعيدة بمسافة أكثر من نصف ساعة عن مروحيتنا التي أصيبت.
وقال الكلام نفسه، لانس رينولدز، وهو مهندس طيران كان على متن إحدى المروحيات الثلاث، حيث أكد أن مروحية، الشينوك، التي كانت تقل ويليامز، وصلت خلال فترة ما بين 30 إلى 60 دقيقة من هبوط الطائرة المُصابة. (الرابط الثالث).
وبعد أن أخذت هذه التوضيحات في "الفيسبوك" مداها الواسع، ظهر، ويليامز، في برنامجه بتاريخ 4 شباط/فبراير الجاري ليعتذر عن الكذبة الأولى، لكن بكذبة أكبر وأمرّ، قائلاً، ما نصه: "في الحقيقة كنتُ في المروحية التي اعقبت المروحية التي تم إصابتها ... في الواقع أني أخطأت في وصف هذا الحدث الذي وقع قبل 12 عاماً، أنا أعتذر". (الرابط الثاني والروابط المتفرعة عنه).
وقال وليامز "لم اختر أن أقوم بهذا الخطأ (بمعنى لم أكذب متعمداً) لا أعرف ماذا حصل في ذهني الذي سبب لي هذا الخلط بين طائرة وآخرى".
ثم قال مباشرة: أن الادعاء الخاطئ (الذي قدمه حول الطائرة) كان جزءً من "محاولة فاشلة" ليشكر الجنود الذين عملوا على حمايته في العراق في عام 2003. وقال ويليامز "لقد ارتكبت خطأً في معرض تذكري للأحداث التي وقعت منذ 12 عاماً". "أريد أن اعتذر". (الرابط الرابع).
تارةً أنه لم يكذب متعمداً، فقد حصل له خلطٌ بين طائرة وأخرى. وتارةً أنه سرد الأحداث بهذه الطريقة ليشكر الجنود. يا سبحان الله.
أما قضية نسيان أحداث جرت قبل 12 عاماً، فهي كذبة مفضوحة. فقد اتضح فيما بعد أنّ، ويليامز، كان قد سرد الوقائع ذاتها مع اختلاف بسيط في التفاصيل في عام 2007، أي بعد أربعة أعوام من وقوعها، وسردها أيضاً في عام 2013. لذا فلا مجال للقول أنه نسى الأحداث التي وقعت قبل 12 عاماً.
ثُمَّ، لا يُمكن مطلقاً لأي إنسان أن ينسى اللحظة التي يتم فيها إطلاق النار باتجاهه وتتعرض حياته للفناء، ويُصاب شخص إلى جانبه. فقد قال بنفسه أنه رأي الشخص الذي سدد بقذيفة (آر بي جي) النيران باتجاه المروحية التي كان يستقلها، وأن أحد ركابها قد اصيب، ثُم بعد ذلك ينسى في أي مروحية كان !!!
يا تُرى كم زوَّرَ صاحب الجوائز الإثنى عشر من حقائق ووقائع تخص المقاومة العراقية؟ وكم كذب على الرأي العام، والأمريكي بشكل خاص، خلال تغطيته غزو واحتلال العراق، وهو بعمر أصغر، ولم يكن قد تلقى الجوائز بعد، ولا العشرة ملايين دولار في السنة، وعيناه كانتا ما تزالان على سلم الشهرة والمال لصعوده.
غير أن قرَّاء المقالات المتعلقة بكذبة، ويليامز، قللوا إلى حد كبيرة من أهمية الكذبة، وطرحوا، بدلاً من ذلك، تساؤلات كبيرة. فعلى سبيل المثال، اعتبر أحد القراء (فيجاي جيست، من منطقة ريدوندو بيتش Vijay Jeste, Redondo Beatch) أنه كان بإمكان ويليامز أن يشتري شرفاً بملايينه العشرة، لكنه لم يفعل، حسب تعبيره. (الرابط الخامس).
لكن قارئاً آخر (تود فان إيتينTodd Van Etten، من ليك فورست Lake Forest)، كان أكثر عمقاً، إذ كتب ما نصه: "هذه الكذبة ليست سوى جزء من كذبة أكبر ... من الصعب جداً تسويق الحرب على العراق التي كلَّفت حياة الأمريكيين والعراقيين وتريليونات الدولارات ... وأريد أن أسأل مرة أخرى عن قصة أسلحة الدمار الشامل، أين هيَ هذه الأسلحة؟ وماذا عن الرواية الجريئة المتعلقة بإنقاذ اسيرة الحرب السابقة، جيسيكا لينش؟ ينبغي على صحفيي الشركات أن يعتذروا عن الدور الذي قاموا به في الدعاية لإدارة جورج بوش الإبن. وعند هذا الإعتذار فقط، يمكننا أن نؤمن أن مصداقيتهم قد تحسنت". (الرابط الخامس).
http://www.romandie.com/news/Accuse-davoir-menti-le-presentateur-vedette-de-NBC-suspendu-pour/564543.rom
http://en.m.wikipedia.org/wiki/Brian_Williams
http://www.stripes.com/news/us/brian-williams-2003-iraq-incident
http://www.stripes.com/news/us/nbc-s-brian-williams-recants-iraq-story-after-soldiers-protest-1.327792
http://www.latimes.com/opinion/readersreact/la-le-0211-wednesday-brian-williams-20150211-story.html





