أيام ثقافية عراقية في المغرب العربي الأقصى، الذكرى الألفية للمتنبي

نزار السامرائي

أحيّا العراق الذكرى الألفية لشاعر العربية الأول أبي الطيب المتنبي، بإقامة فعاليات مختلفة وأصدر قطعة معدنية فضية بالمناسبة، وأقام له تمثالا أمام المكتبة الوطنية يقف بشموخ أمام البوابة الرئيسة لوزارة الدفاع العراقية.

وكأنه يريد أن يقول أن الأمم تبنى بقوة جيشها الوطني المستند إلى مجتمع واع مثقف خرّج آلاف المبدعين على رأسهم الشاعر الخالد أبي الطيب المتنبي، وتم عقد عشرات الندوات وصدرت الكتب المختلفة، وتمت استضافة وفود من مختلف الأنحاء لإحياء هذه الذكرى التي أخذت طابعا وطنيا قوميا.
ارتأى المركز الثقافي العراقي في الرباط عاصمة المملكة المغربية أن يحيي هذه الذكرى بما يتوفر لديه من امكانات كي نتجنب طلب التخصيصات المالية الإضافية من بغداد، كان هدفنا إقامة أكبر نشاط بأعلى المواصفات وبأقل التكاليف المالية، ووقع الاختيار على صيف 1977 للفعالية حيث تنشط الفعاليات الثقافية والفنية في بلد أقولها عنه من دون مجاملة أنه بلد الانفتاح الفكري والثقافي الأول في الوطن العربي.
أقمنا علاقات تعاون مع جهات ثقافية وإعلامية مغربية وجمعيات ثقافية على امتداد الخارطة الجغرافية للمملكة المغربية، وعلى سبيل المثال ففي مدينة طنجة في أقصى شمال غربي المملكة تقع هذه المدينة التي يتعانق فيه المتوسط مع الأطلسي ليفترقا، وهي عاصمة الشمال بامتياز فهي واقعة على المحيط الأطلسي من جهة الغرب، وعلى البحر المتوسط الذي يحدها من الشمال، حيث مضيق جبل طارق، ومن أبرز الجمعيات الثقافية جمعية (رسالة الطالب) التي يرأسها السيد مصطفى بن مسعود، وكانت جمعية نشطة جدا في مختلف البرامج والفعاليات، ولهذا تم الاتفاق معها على إقامة فعالية (في ذكرى المتنبي) من قبلها وهي التي تتولى توجيه الدعوات لحضور الفعالية للشخصيات المغربية.
كانت قد وصلتنا من بغداد مطبوعات متنوعة عن الفعالية التي أقيمت في العراق على صعيد وطني وقومي احياءً لهذه المناسبة، وأخذنا معنا إلى فعالية طنجة بعضا منها للمشاركة في الأمسية التي حظيت بتغطية أجهزة الإعلام المحلية، وفي رحلة من الرباط إلى طنجة استغرقت خمس ساعات عبر الطريق القريب من ساحل المحيط الأطلسي، حيث تتنوع الغابات على جانبي الطريق، فحتى القنيطرة كانت غابات الفلين، ثم لتبدأ غابات مترامية الأطراف من الحمضيات المغربية المعروفة على مستوى أوربا، وكذلك العنب المغربي اللافت بطعمه الذي يشبه طعم (المستكي)، ومما يلاحظ على هذه الغابات المترامية على مد البصر أن أشجارها تسقى من ماء يتراكم على أوراقها على شكل قطرات من الندى ليتساقط على الأرض فيجعل أرضها رطبة طرية دائما، الجو على امتداد ساحل الأطلسي يمتاز بالرطوبة العالية مما يجعل الماء العالق بالجو يتكثف على الأجسام الباردة ليلا وخاصة أوراق الأشجار ثم تتساقط قطراته على الأرض، وهكذا تتكرر العملية يوميا بلا ملل.
كنا ثلاثة في السيارة في تلك السفرة، ضيفنا السيد كامل الشرقي المستشار الصحفي في الجزائر الذي كان في زيارة استراحة في المغرب، والسيد وليد عمر العلي مدير مكتب وكالة الأنباء العراقية رجل الأخبار النشيط بلا حدود وأنا، لم نشعر بثقل الوقت لأننا مررنا بمدن عامرة لا تبعد عن بعضها كثيرا، الطريق الرابط بين أي مدينتين لا يستغرق وقتا طويلا، في ذلك الوقت لم يكن المغرب قد أدخل إلى الخدمة طرق المرور السريع باستثناء الطريق الرابط بين العاصمة السياسية الدبلوماسية "الرباط" والعاصمة الاقتصادية للبلاد الدار البيضاء "كازا بلانكا"، ففيها الميناء الرئيس للمملكة، والتي تحتضن أيضا المطار الدولي الرئيس (مطار النواصر) كما كان اسمه في ذلك الوقت، ربما كانت اهتمامات البلاد متركزة على خطوط السكك الحديد، ولم تتمكن لأسباب مالية من رصد الأموال لإقامة طرق المرور السريع، على الرغم من أنها من بين أهم الوسائل المعتمدة لإزالة الفوارق بين مختلف أرجاء البلاد، وهي التي تسهم في إحداث نقلة نوعية في توازن اقتصادي على المستوى الوطني.
كان الطريق الممتد بين الرباط وطنجة مزدحما على مدار الساعة، في مدينة العرائش منحل كبير يغري محبي العسل الطبيعي بالتوقف عنده وشراء النوعية التي يرغب بها والكمية التي تناسب مدخوله، هناك عسل الزهور البرية وهناك أنواع لا تنتهي من العسل وهناك عسل الحمضيات، وهذا النوع ربما كان أغلاها سعرا.
وصلنا مدينة طنجة التي تحمل نكهة أطلسية متوسطية ساحرة، أقمنا في فندق سالزور المطل على المائين إن صح هذا التعبير، فمن ينظر إلى الشمال سيرى مضيق جبل طارق وليس بعيدا تطل سواحل اسبانيا الجنوبية حيث تهب الرياح الشمالية على المغرب لتحمل معها نسيمات أندلسية فيها عبق الأجداد العظام.
أما من ينظر إلى الغرب فلا يرى إلا أمواج بحر الظلمات العاتية التي تضرب بلا رحمة السواحل المغربية منذ الأزل وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يمكن أن يرى الإنسان إذا نظر في السواد المتراكم فوق الماء إلا بما تسعفه عينه من النظر، أو رؤوس أشرعة ترتفع فوق السفن الحديثة التي تتلاشى وراء الأفق في رحلتها إلى الغرب أو ترتفع عند اقترابها من السواحل المغربية، وتستمر هذه السفن لتحكي قصة صراع الإنسان مع البحر منذ قديم الزمان وعندما كانت سفائنه تتحرك بقوة الريح أو بالمجاذيف التي تحركها أذرع قوية، لتصل لوجهتها المجهولة أو لتبتلعها الأمواج فتستقر في أعماق المحيط "أو بحر الظلمات كما أسماه العرب"، وقال فيه عقبة بن نافع الفهري (والله يا بحر الظلمات لو أني أعرف أن وراءك يابسة لخضتك بخيلي هاته ولن أتوقف حتى ترتفع كلمة لا اله إلا الله محمد رسول الله).
المهم بعد أن وصلنا مدينة طنجة بقليل زارنا السيد مصطفى بن مسعود رئيس جمعية رسالة الطالب وتم الاتفاق معه على جدول أعمال الندوة التي ستقام في إحدى القاعات المهمة في المدينة والتي قدمت مجانا بجهد من السيد مصطفى، كان برنامج الفعالية يتضمن أولا كلمة جمعية رسالة الطالب يستعرض فيها رئيسها دورها في نشر الثقافة المعاصرة والقومية بين الجيل الجديد، ثم كلمتي أنا "نزار السامرائي المستشار الصحفي في السفارة العراقية ومدير المركز الثقافي في الرباط"، ثم لتتوالى كلمات ضيوف الفعالية من أدباء في مختلف الفعاليات الشعرية والروائية والنقدية وكذلك المخرجين السينمائيين وغيرهم ومقدمي البرامج الثقافية في الإذاعة والتلفزيون، كان البرنامج حافلا حقا بكل ما ينفع الرسالة المتوخاة من إقامة الفعالية، وتوقعنا أنها ستنتهي في ثلاث ساعات كحد أقصى، ولكننا فوجئنا بعدد المداخلات التي تنم عن وعي وعمق ثقافي وفكري من جانب الحضور، فامتدت الندوة إلى حدود خمس ساعات، طبعا كانت الفعالية بكل تفاصيلها منقولة على مستوى الإذاعة الوطنية والتلفزيون المحلي.
بعد إنهاء الندوة مضينا إلى منزل السيد مصطفى بن مسعود الذي كان قد هيأ لنا أمسية ثقافية أخرى في منزله مع عشاء، وقد دعا إليه الوجوه الثقافية والفنية، وكأننا واصلنا نقاشنا الثقافي حتى ساعة متأخرة من الليل بل حتى ساعات مبكرة من اليوم التالي.
صباح اليوم التالي وبعد تناولنا الفطور في الفندق جاءنا السيد مصطفى وأخذنا في جولة في مدينة طنجة وخاصة منطقة القلعة ومغارة هرقل المطلة على شاطئ المتوسط، كما أخذنا لزيارة رئيس رابطة علماء المملكة المغربية الرجل المثقف ثقافة موسوعية عميقة بالتاريخ والعالم الجليل بالفقه والشريعة الأستاذ (عبدالله كنونة) وإن خانتني الذاكرة في ذكر اسمه فأتقدم بأرق اعتذار لأسرته وأصدقاء الزمن الرائع في المغرب في النصف الثاني عقد السبعينيات حيث عملت هناك في البلد الذي أحببته فهو يذكرني بطائر عظيم له جناحان الشرقي وهو العراق والغربي وهو المملكة المغربية.
انتهت فعالياتنا بنجاح باهر، وعدّنا إلى الرباط لنخطط لفعاليات أخرى في بلد لم يفرض علينا يوما ما نقول أو ما لا نقول.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,905,984

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"