بريمر قليل وجدان!

ضرغام الدباغ

لم يكن بول بريمر (Paul Bremer) شيئاً مهماً ليدخل التاريخ، فهو كان دبلوماسياً من مستوى عادي، عمل كدبلوماسي في سفارة الولايات المتحدة الأميركية في كابل/ أفغانستان ، وفي ملاوي، ثم دبلوماسياً في سفارة بلده في أوسلو/ النرويج.

ولم يعمل كسفير إلا في الثمانينات في لاهاي/ هولندا، وبهذه السيرة المتواضعة، التي لا تضم فقرة لامعة، ولم يسجل فيها مأثرة مهمة، إلى أن أختاره الرئيس جورج بوش الابن ليكون حاكماً للعراق فجأة لينقله إلى عالم الأضواء، والأرصدة، وربما مكتسبات مالية، لمدة سنة واحدة، عاد بعدها لينزوي بعيداً عن الأضواء. ودون ريب لهذا البزوغ والأفول مغزاه، تعمدته الإدارة الأميركية.
وبريمر لم يأت إلى العراق كدبلوماسي، فهو يعلم أن هذا ميدان عمل يحتاج لصلافة، أكثر مما يحتاج لدبلوماسية ذكية، وإلى وقاحة أكثر من التهذيب، فهو قادم بقوة السلاح، والسلاح هو عكس الدبلوماسية والذكاء والتهذيب، والسهو والخطأ لا ينطوي على كارثة (بالنسبة له ولبلاده) فهي أقدمت على الكارثة باحتلالها للعراق، وها هي بصدد توسيع الكارثة بل وتعميقها وتنفيذ الوعد الذي أطلقه الوزير جيمس بيكر بتحويل البلاد إلى العصر الحجري، وجاء بريمر ليجد بلداً وشعباً صعب المراس، يطلق مقاومة ملتهبة، لدرجة تجعل خروجه من حصنه المنيع للتنزه حلماً لم يتمكن من ممارسته طيلة خدمته في العراق، وجيش الاحتلال الأميركي ينزف دون توقف.
لذلك كانت شخصية بريمر تتراوح بين دبلوماسي حامل حقيبة يقرأ البريد والتعليمات، وموظف أمن (مخابرات) والتعامل مع الشخصيات العراقية التي أبدت استعدادها للتعاون، وبذلك فهو لم يكن بحاجة للذكاء أو التهذيب، فهم (المتعاونون العراقيون) كانوا يبدون ضروب الانحطاط والتملق والسخافات، ليرضى عنهم بريمر و(ليأكلوا من الكعكة، وهذا مصطلح شاع بين المحتلين والمتعاونيين) لذلك كانوا يتفننون في إبداء الطاعة والولاء، في دعوته لولائم خرافية البذخ والإسراف، فينصبون له مائدة (وهناك صور تؤرخ وتوثق هذه الولائم الخرافية)، تكفي لإطعام ربما مائتي شخص، والحاضرين من المدعوين لا يزيد عددهم على الستة، وهو كان ينظر لهم كمتعاونين (Collaborant)، أو موالين لسلطة الاحتلال، كلما أبدوا مبالغة في الطاعة والولاء، ينتظر منهم المزيد، وهو لا يطلب ذلك منهم بتهذيب واحترام، بل بصراحة متناهية، وبقلة تهذيب لا ينبغي أن تصدر من شخص مارس الدبلوماسية.
لسان حال بريمر يقول، لا بل قالها لهم صراحة، أما وزيرة الخارجية كونداليزا رايس (عميدة الدبلوماسية الأمريكية) فقد عبرت بصراحة أكبر عندما قالت لهم " نحن جمعناكم من حانات أوربا، ولولا جيشنا، يعلقكم شعبكم على أعمدة الكهرباء، فأعرفوا مقامكم ".
صحيح أن كلام الحق لا يزعل، ولكن كان عليها كدبلوماسية أن تكون أكثر رقة.
ويروي لي أحد أعضاء مجلس الحكم حادثة مزدوجة المغزى، تدل على مقام المتعاونين من جهة، وقلة تهذيب بريمر من جهة أخرى. أن أعضاء مجلس الحكم الذين كانوا يجتمعون كاللصوص بإدارة بريمر، في المساء وبعد إعلان منع التجول، يحملون هويات خاصة لدخول المنطقة الخضراء، التي بها الكثير جداً من نقاط السيطرة، تقف السيارة، ويطالبهم جندي أمريكي بهويات الدخول، وإن شاء تفتيش السيارة، وقد يفعل الجندي ذلك بقلة صبر من جراء التعب، والروتينية ومواجهة المخاطر، ولكن أيضاً الاستهانة بالشخصيات التي أمامه، وكان أعضاء مجلس الحكم يتجمعون أربعة أو خمسة ويذهبون للمنطقة الخضراء بسيارة واحدة تجنباً للمتاعب.
وفي مرة (يروي لي عضو مجلس الحكم) كان أربعة أو خمسة من أعضاء مجلس الحكم في سيارة واحدة، جرى إيقافها داخل المنطقة الخضراء مرات عديدة من الجنود الأمريكان، وفي المرة السابعة أو الثامنة، طلب جندي أمريكي الهويات، فنطق أحد الجالسين في السيارة كلمة بالعربية تنم عن التذمر. سمعها الجندي وفهم منها أنها عبارة ضجر، فخفض رأسه بمستوى شباك السيارة، وسأل بحدة عن الذي أطلق العبارة، طبعاً لم يجب أحدهم، فهددهم الجندي جميعاً، آنذاك نطق أحدهم معترفاً بذنبه، فأمره الجندي بالترجل من السيارة، وأكل من الصفعات والركلات والبوكسات ما يكفي أعضاء مجلس الحكم جميعاً، تمزقت سترة عضو مجلس الحكم، وثيابه بتراب الأرض، ثم أمرهم بالأنصراف ومواصلة السير.
خلال الاجتماع، أراد الدكتور موفق الربيعي أن يلعب دور البطل والقائد، فشكا لبريمر ما تعرض له عضو المجلس المحترم، من ضرب وإهانة، وبريمر يستمع لحد الآن بهدوء، أستغلها الربيعي ليزيد عيار اللوم، فتفوه بعبارات (من قبيل .. أعتقد .. وأظن ..يجب أن) أغضبت مولاه الحاكم الأمريكي بريمر، فقطع حديث الربيعي الذي جفل وأصفر وجهه، وأدرك أنه أرتكب خطأ ما كان ينبغي أن يتمادى فيه، فنال تقريعاً وإهانة من بريمر (لكن بدون ضرب) الذي ذكره أنهم لا شيئ، وإنهم بدون هذا الجندي الأمريكي كانوا يتسكعون في حانات أوربا، وإذا يضجر أحدكم فسوف أمره بالذهاب إلى سامراء (وكانت يومها من قلاع المقاومة) بدون حماية ... قالها وأنفجر ضاحكاً ... فكان لابد لأعضاء مجلس الحكم أن يجاروه بالضحك مجاملة، فمن غير المعقول أن الحاكم بريمر يحكي شيئاً سخيفاً، وبعضهم صار يلوم الربيعي، " يا أخي ما بيها شي، جندي مخلص بواجبه "، والربيعي يتراجع بخفة القط، وشطارة الثعلب، ويعتذر ويحلف أنه لم يقصد إهانة الجندي ... وكل تحرير وأنتم بخير ..
بريمر هذا قليل الوجدان، بعد أن أنهى خدمته في العراق وعاد إلى الرفوف العالية، كتب مذكراته المعروفة والمنشورة، ذكر فيها مآثر المتعاونين معه، فوصفهم باللصوص والسراق، والكذابين، والمتملقين، ويتقاضون رواتبهم منه، ووصف أفضلهم بأنه مستثمر أكثر مما هو سياسي. وفي وصاياه لخلفه نيغروبونتي، يقدم له نصائح ذهبية كلها من عيار : أياك أن تثق بهم، مخاتلون، محتالون، وضيعين ووقحين عديمي الحياء، بلداء وثقلاء، فارغون فكرياً، وفاشلون سياسياً، وكبيرهم كما صغيرهم دجالون ومنافقون، المعمم الصعلوك والعلماني المتبختر سواء بسواء، وشهيتهم مفتوحة على كل شيء: الأموال العامة والأطيان، واقتناء القصور، والعربدة المجنونة، يتهالكون على الصغائر والفتات بكل دناءة وامتهان، على الرغم من المحاذير والمخاوف، فإياك أن تفرّط بأي منهم لأنهم الأقرب إلى مشروعنا فكراً وسلوكاً، وضمانةً مؤكدة، لإنجاز مهماتنا في المرحلة الراهنة.
هذا الإطراء ورد في رسالة له للسفير الأمريكي الذي خلفه، نيغروبونتي (John Negroponte)، في عشرة فقرات منشورة في مواقع عديدة على الأنترنيت، ولم نقرأ تكذيباً واحداً لما جاء بها. بريمر أثبت بهذا قلة وفاء ووجدان لمن دعوه وأولموه على ولائم ببذخ خيالي أطعموه الخراف المحشية والعجول المشوية، من مال العراق الحرام، مع القبلات الحميمة، والله أعلم حفلات لا نعلم تفاصيلها، إذ تروي الحكايات أن بريمر كانت له صولات وجولات عاطفية، وخرج من العراق مثقلاً بهدايا وأرصدة وهذه تعتبر في التقاليد الأمريكية شطارة وليست عار، فهو محتل وهذه غنائم، وبعد صفة التعاون مع المحتل لا يوجد عار أكبر، وهي نقطة عار سوداء لا تغسلها كل بحار العلم والعالم، سيورثونها المتعاونون لأبنائهم وأحفادهم.
ويوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى العراق بقلب سليم ...
اللهم أهدنا فيمن هديت .. وعافنا فيمن عافيت .. وتولنا فيمن أعطيت .. وقتا شر ما قضيت .. أنك تقضي ولا يقضى عليك .. إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت .. لك الحمد على ما قضيت وما أعطيت .. ونشكرك ونستغفرك اللهم من الذنوب من الخطايا ونتوب إليك.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,360,095

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"