أيام ثقافية في المغرب العربي

نزار السامرائي
مهرجان أصيلة الثقافي والفرقة القومية للفنون الشعبية
مدينة أصيلة تقع على المحيط الأطلسي جنوبي مدينة طنجة بنحو 40 كيلومترا، وهي من المدن التي كان الاستعمار الاسباني يحتلها في الماضي، ومن رموزها الاجتماعية والثقافية السيد محمد بن عيسى، الذي أحب مدينته كما أحب المغرب.

ولأنه هاوٍ للتصوير فقد جنّد نفسه وامكاناته لخدمة أصيلة وتطويرها ونقلها من واقعها الذي كان يشعر أنه لا يتناسب مع طموحه الكبير لها، إلى مدينة حديثة بخصوصية تميزها عن غيرها من المدن المغربية، ووظف علاقاته الواسعة مع عدد من الفنانين التشكيليين العرب، وفي مقدمتهم الفنان العراقي الكبير رافع الناصري، فأقام لهم ورشة فنية في أحد القصور التاريخية في المدينة، فتم تصميم رصف الشوارع وأرصفتها بطريقة فنية مبتكرة لتمييزها عن سائر المدن المغربية الأخرى، فأحال أبنيتها الشعبية إلى قطع فنية ثم حوَل جدرانها الخارجية المطلة على الأزقة والشوارع الفسيحة إلى لوحات رسمها الفنانون التشكيليون المغاربة والعرب، فتحولت أصيلة من مدينة مهملة إلى مدينة أصيلة في عمقها التاريخي وفي تطلعها نحو مستقبل واعد، وجد في حماسة أبناء أصيلة دعما لمجهوداته في تطوير رؤاه وتصوراته لهذه المدينة وتحويلها من مجرد مدينة مركونة على المحيط الأطلسي، إلى منارة ثقافية كبيرة تشدّ إليه الأنظار وتستقطب المثقفين والمفكرين من مغاربة وعرب وأجانب وتستقطب السياحة الثقافية، وكبقية المدن المغربية تتميز مدينة أصيلة بنظافة الشوارع والطرقات والأسواق على نحو لافت.
وجدت في مشروع السيد بن عيسى فرصة مناسبة لإقامة فعاليات فنية متنوعة تشارك فيها الفرقة القومية للفنون الشعبية مع عدد من الفنانين، كان في مقدمتهم قارئ المقام العراقي يوسف عمر وفرقة الجالغي البغدادي ومطرب البادية جبار عكار (بالجيم المصرية)، وتم تحديد مواعيد الفعاليات بالتنسيق بين المركز الثقافي ووزارة الثقافة والإعلام في بغداد والسيد بن عيسى.
وتم تحديد أربع فعاليات للفرقة القومية الأولى في الرباط، والثانية في أصيلة ضمن فعاليات مهرجان أصيلة والثالثة في طنجة والرابعة والأخيرة في الدار البيضاء، وبعد كل هذا الوقت بدأ سؤال ظل حبيسا في الصدر، لماذا لم أفكر بإقامة فعالية واحدة في مراكش أو أغادير أو فاس أو تطوان؟.
بعد حديث مع السفير المرحوم عدنان شريف شهاب وموافقته على فكرتي، فاتحت الوزارة في أن تكون فعالية الفرقة في الرباط بأجر مدفوع وبقيمة لا تزيد على دولار واحد للشخص الواحد، على أن يرصد ريعها لمنظمة التحرير الفلسطينية دعما للعمل المقاوم، حصلت الموافقة وتم تشكيل لجنة من السيد وليد عمر العلي والسيد عادل الطائي مسؤول الشؤون المالية والإدارية في المركز وممثل من مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الرباط الذي كان يديره السيد (أبو مروان)، بعد أن فاتحت أبا مروان بالموضوع رحب بالفكرة ورشح لنا موظفا في المكتب، وتم طبع بطاقات الحفل بعد أن تبرع بقيمتها مواطن مغربي غيور، وبدأ طرح البطاقات للبيع وما هي إلا سويعات إلا ونفدت كلها.
وجاء وقت الفعاليات وكان عرسا عراقيا مغربيا فلسطينيا مفعما بالحماسة الشعبية، وبعد الحفل تم تسليم إيراد الفعالية للسيد أبي مروان مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في المغرب.
وانتقلت الفرقة القومية إلى عاصمة الشمال مدينة طنجة وتم حجز إحدى أكبر القاعات في المدينة، وكان لزاما علي حضور الفعالية أيضا، وكذلك فعاليتها في الدار البيضاء، وقد تطوع العاملون في مكتب الخطوط الجوية العراقية في الدار البيضاء وفي المقدمة منهم السيد محمد القيسي، تطوعوا من أجل تسهيل الحجوزات سواء للفندق أو للقاعة، وهذا ما جعل الفعاليات تحقق نجاحا منقطع النظير.
ومن مفارقات وجود الفرقة في المغرب، أن مدة الإيفاد انتهت وكانت الفرقة ما تزال في الرباط، فبدأت الأسئلة تنهال عليّ من بغداد عن أسباب تأخر عودتها، وعندما أبلغتهم بأن برنامجها خضع لتمديد ضروري يتعلق بطبيعة التفاعل الشعبي معها، ولما وجدت الوزارة أن الفرقة في نشاط متميز له قابلية الاستقطاب صدر أمر وزاري بتمديد مدة الإيفاد اسبوعا، فالفنانون بشر ومن حقهم أن يتمتعوا باستراحة سياحية بعد كل فعالية لاسيما أنهم منحوا الناس سعادة حقيقية فمن حقهم أيضا أن يحصلوا على شيء منها، وأنهم في المغرب الذي حباه الله بطبيعة ساحرة ومناخ رائع وأهم من هذا وذاك، شعب بمنتهى الطيبة والكرم والضيافة.
وكان ليوسف عمر حضوره الرائع للتعريف بالمقام العراقي في الساحة المغربية.
بعد انتهاء فعاليات الفرقة القومية للفنون الشعبية في طنجة وحسب اتفاق سابق مع السيد محمد بن عيسى انتقلت الفرقة القومية إلى مدينة أصيلة وأقامت فعاليتها في الهواء الطلق.
السيد بن عيسى الذي صار عضوا في مجلس النواب عن مدينته ثم وزيرا للخارجية المغربية، وكان كثير التردد عليّ من أجل تنشيط التعاون الثقافي بين المركز الثقافي العراق ومدينة أصيلة، وكان يتطلع إلى ما هو أكبر من تشجيع الفنانين العراقيين التشكيليين في المشاركة في ورشة الرسم في المدينة، ولهذا جاءت مشاركة العراق المتميزة بمهرجان أصيلة الأول في عام 1979 الأبرز من بين الفعاليات الأخرى.
ومن بين الفعاليات التي نظمها المركز إقامة أمسية غنائية للفنان يوسف عمر في قصر الريسوني في الرباط وهذا قصر تراثي رائع يقرأ المشاهد في كل زاوية من زواياه جمال العمارة المغربية بزخارفها الساحرة، وتم توجيه الدعوة لعدد من الدبلوماسيين العرب والوجوه الثقافية والإعلامية والمهتمين بالفنون الشرقية من السياسيين المغاربة.
عائلات الدبلوماسيين العراقيين وكذلك العراقيون المقيمون في الرباط والمدن القريبة منها طلبوا مني وبإلحاح إقامة أمسية خاصة لهم للجالغي البغدادي، لم أردهم فيما طلبوا ووجدت أن صالة الضيوف في بيتي هي أنسب مكان لإقامتها، وحضر يوسف عمر وفرقة الجالغي البغدادي ومن بين أبرز وجوهها استاذ الجوزة المرحوم شعوبي إبراهيم وولده هيثم، واستمرت الأمسية حتى ساعة متأخرة من الليل، تناول الجميع في استراحتها طعام العشاء البغدادي، وفعلا كانت أحلى الأماسي التي عاشها العراقيون في الرباط طيلة مدة عملي هناك.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,350,719

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"