اللواء الطيار الركن علوان حسون العبوسي
اعتدنا في كل عام تقريباً بمناسبة ذكرى الرد الشامل الذي قامت به قواتنا المسلحة وسلاح الجو في 22 ايلول/ سبتمبر 1980 ضد ايران، أن نكتب مقالاً نوضح فيه للعامة وايضاً للبعض من الخاصة، اسباب استذكارنا لهذا اليوم بعد معاناة القيادة السياسية العراقية والشعب العراقي ما نتج عن الثورة خمينية في شباط / فبراير 1979 من انتهاكات واعتداءات واضحة بأهداف معلنة لإسقاط النظام العراقي وتسخير كل القوى الايرانية ومنها القوة العسكرية القيام بالتعرض على مدننا الحدودية التي زادت بشكل واضح في 4 ايلول / سبتمبر1980 واحتلالها للعديد من المخافر والقرى العراقية الحدودية، وهذا لم يحدث في عهد شاه ايران قبل هذه الثورة البائسة.
ومن المؤسف أن كثيراً ممن رافق المحتل من العراقيين في 2003 يكيلون التهم والشتائم والكلام البذيء، ناهيك عن القتل والتهجير القسري لأبناء بلدهم ابطال العراق، من سلاح الجو العراقي والصنوف الاخرى، وقيادته الرشيدة في اتخاذ قرار الحرب، كما انهم يتهمون العراق بالبدء في الحرب ويطالبون بدفع تكاليفها بالاف المليارات، علماً لم يرد في أي من قرارات مجلس الأمن، أو في تقرير الأمين العام أي حديث عن (تعويضات)، لا تصريحاً ولا تلميحاً بل لا نجد ذلك في ميثاق الأمم المتحدة، ولا حتى في الفصل السابع منه، أية إشارة إلى مسألة التعويضات، ولكن الفوضى السياسية ما بعد الاحتلال فرضت هذا الواقع لصالح ايران متناسية بلدنا وتاركة لقوى ايرانية للعبث بمقدراته وقوى دفاعه الوطني.
مبررات الرد الشامل (الاستباقي) ضد العدو الايراني بصرف النظر عن المعاهدات والاتفاقيات الدولية منذ العهد العثماني وحتى 1980
• شهدت المرحلة بعد الثورة الإيرانية وتولي خميني حكم إيران وحتى أيلول 1980 سلسلة من التحرشات والاعتداءات ضد العراق لكنها لم تتخذ في بداياتها صفة الحرب وكان العراق يحاول أن يحل المشاكل بالطرق الدبلوماسية والقوانين الدولية وكمثال على الاعتداءات (منذ الثورة الايرانية وحتى 22/9/1980) قام سلاح الجو الايراني بخرق الاجواء العراقية ( 249 )مرة وبَلغ عدد حوادث أطلاق النار على المخافر الحدودية العراقية والقصف المدفعي وعرقلة الملاحة في شط العرب وقصف الاهداف المدنية(244) حادثاً، أما عدد مذكرات الاحتجاج الرسمية فبلغت (147) مذكره ناهيك عن التجاوزات من قبل الاعلام الايراني بغرض أثارت الفوضى داخل العراق.
• في الرابع من ايلول/ سبتمبر 1980 وما بعدها قصف الجيش الايراني بشدة مناطق خانقين ومندلي وزرباطية ونفط خانه مستخدماً المدفعية الثقيلة عيار 175 ملم والطائرات مسبباً أضرار بالغة بالارواح والممتلكات .
• في صباح يوم 7 ايلول 1980 استدعت وزارة الخارجية العراقية القائم بالاعمال الايراني في بغداد وسلّمته مذكرة حول تجاوزات القوات الايرانية والمناطق المحتلة من قبلها مؤخراً متجاوزه لخط الحدود الدولية ومطالبته بردود فعل عملية من إيران حيال هذه التجاوزات.
• بالنظر لتسارع الاحداث وعدم اتخاذ اي رد فعل رسمي او عملي من قبل إيران ففي الساعة 1500 من يوم 7 ايلول 1980 قامت القوات العراقية بعملية عسكرية لتحرير الاراضي العراقية المستولى عليها من ايران وتمكنت من أستعادة مناطق (زين القوس، الشكره، وبير علي، وسربنت) وفي يوم 10 أيلول 1980 شرعت القوات العراقية تحريرواستعادة مخفري (هيله و ماي خضر)، وفي يوم 16 ايلول 1980 حررت مخافر (الطاووس والرشيدة والسفرية القديم والجديد في نفس القاطع، وفي يوم 17 ايلول 1980 باشرت القوات العراقية بالتقدم نحو مخفري (شور شيرين وهنجيرة) في قاطع مندلي. (1)
• اما عمليات القوة الجوية العراقية في هذه الفترة اقتصرت على مهام الاستطلاع التصويري والبصري المسلح بطائرات السوخوي/ 22 والميغ/ 21 الاستطلاعية اضافة الى الدوريات القتالية بطائرات الميغ/ 21 و23 تحسباً لأي خرق جوي ايراني متوقع يبدأ من الساعة السادسة صباحاً وحتى السادسة مساءً.
• كشف الرئيس أبوالحسن بني صدر الذي كان يتحدث بصفته رئيساً للجمهورية وقائداً عاماً للقوات المسلحة النقاب من ان حكومة بغداد ارسلت مبعوثين اليه في ثلاث مناسبات راجية إجراء مباحثات حول القضايا المختلف عليها بين الشعبين وقال (انه ابلغ هؤلاء المبعوثين انه لن يعمل لمصلحة الحكومة العراقية ضد الشعب العراقي). (2)
• رفضت ايران على لسان وزير خارجيتها صادق قطب زاده قبول اية وساطة بين إيران والعراق، وذلك في مؤتمر صحفي عقده زاده في ابو ظبي قال فيه (ليس هناك اية وساطة، كلا اننا لا نقبل اية وساطة او حوار مع هذا النظام المجرم، وانه يجب ان يزول). (3)
• ذكر خميني بأن إيران ستطالب بفرض سيادتها على بغداد، اذا ما اصر العراق على مطالبته بتخلي إيران عن الجزر العربية الثلاث، وفي نفس الوقت وجّه خميني نداء للشعب العراقي وأفراد القوات المسلحة يحرضهم فيه على الثورة، وقلب نظام الحكم في العراق. (4)
• تدخل القوة الجوية الايرانية للفتره 7– 22 ايلول 1980 بشكل سافر قبل وبعد استعادة القوات البرية العراقية للمخافر الحدودية العراقية حيث بدأت عملياتها المتمثلة بالقصف الشديد للقوات العراقية والمناطق الآهلة بالسكان المشار اليها آنفاً، وقد بلغ معدل الطلعات اليومية حوالي 20 طلعة قتالية مستخدمة طائرات ف/4 وف/5 اضافة الى الطائرات السمتية، وقد تم اسقاط احداها يوم 7 /9/1980 نوع ف/5 وأسر قائدها الملازم الاول الطيار حسين لشكري (5) بواسطة طائرة الميغ 21 من السرب التاسع اسقطها الرائد الطيار كمال عبدالستار البرزنجي، كما اسقطت طائرة عراقية نوع سوخوي 22 يوم 14/9/1980من السرب 44 يقودها الرائد الطيار نوبار عبدالحميد الحمداني عندما كانت مكلفة بواجب استطلاع مسلح لرصد المدفعية الثقيلة التي كانت تقصف المدن والقرى الحدودية بقاطع سربيل زهاب.
• قبل الحرب مع ايران حضر الى مقر قاعدة الشعيبة الجوية احد الطيارين الايرانيين على طائرة الفانتوم، الرائد الطيار (نعمتي)، الذي هرب الى الشواطئ العراقية بقارب ليلاً وأراد ان يصرح بمعلومات حول القوة الجوية الايرانية ومدى كفاءتها العالية في التسلل وضرب الاهداف العراقية، وقد كشف نعمتي عن تهيئة وتعبئة عامة في القوات المسلحة الايرانية، وان خميني قد أمر بتسليح جميع الطائرات وتزويد الطيارين بالاهداف الاستراتيجية العراقية وبضمنها القواعد الجوية، وأكد ان الضربة ستكون على العراق بين اليوم وغداً وان الموضوع لا يتحمل الانتظار وأن على العراقيين انتهاز هذه الفرصة للتهيؤ لأي طارئ، وقد حدث هذا اللقاء قبل حوالي ستة شهور قبل البدء بالحرب مع ايران.
• أصرَّ النظام الايراني بشدة رفض أية مبادرة سلمية من جانب العراق وأية محاولة تجعل من الحل السياسي للمسائل المختلف عليها بديلا عن المواجهة العسكرية وراح رئيس النظام ابوالحسن بني صدر يتبجح بأنه رفض مهام مبعوثين ووسطاء بغرض حل الامور دون الحرب، عليه كان النظام الايراني يدفع الامور بقوة نحو الحرب التي بدأت رسمياً في 4/9/1980 حينما اعلنت ايران النفير العام واغلقت أجواءها بوجه الملاحة الجوية وعززت موقف قواتها العسكرية المرابطة على الحدود مع العراق، كما حشدت قواتها البحرية في مياه شط العرب والخليج العربي ، إذاً ماهو الاستنتاج الذي يمكن التوصل إليه من كل ذلك غير ان إيران وضعت العراق أمام خيار واحد وهو الحرب التي دخلها مضطراً للدفاع عن ترابه الوطني وحقوقه التاريخية؟
الخيارات المتاحة للقيادة العراقية
بعد احتساب القدرة القتالية لأسلحة الجو العراقية في 1980 التي كان تحتوي على 325 طائرة قتال ذات الكفاءة القتالية المتوسطة تجاه اسلحة الجو الايرانية التي كانت تحتوي على 473 طائرة قتال ذات الكفاءة القتالية العالية، وعند حساب معامل التفوق الجوي العام بين القوتين يتضح ان (معامل التفوق الجوي العام = 1 : 0،436 ) لصالح ايران (6).
المعطيات والحقائق المتوفرة عن القوة الجوية الايرانية
بعد وضوح جوانب محدودة عن قدرة وكفاءة هذه القوة وتفوقها المبدأي على القوة الجوية العراقية والنتائج السلبية المحتملة في حالة خوض حرب معها قد تكون معروفة مسبقاً والقوة الجوية كانت في حالة اعداد شامل لطياريها وباقي منتسبيها وكذلك الدفاع الجوي، ناهيك عن ضعف المعلومات الاستخبارية عن القوة الجوية الايرانية فقط كان المتحقق معامل التفوق الجوي العام والمشار اليه آنفاً (بتقدير قيادة القوة الجوية وبنسب ضعيفة نوعاً ما)، بالاضافة الى الموقف السياسي الايراني المتحكم وهي تضغط من جانبها وتدق طبول الحرب وتنادي بإسقاط النظام، كل هذه الامور لم تساعدها في اتخاذ قرار حاسم ونهائي بقبول المنازلة او رفضها، إذاً في مثل هذه الظروف الصعبة يفترض بالقرار العراقي ان تباشر القوة الجوية العراقية بإمكانياتها المتوفرة بضربات جوية شاملة مباغتة ومركّزة لشل/ تدمير القوة الجوية والدفاع الجوي الايراني والاهداف الاستراتيجية الاخرى قبل ان تبدأ ايران بضربتها الاستباقية المحتملة، التي من شأنها تدمير سلاحنا الجوي وشل قدراتنا القتالية وبالتالي تحقق اهدافها في نشر مبادئها الهدامة كمبدأ ولاية الفقيه واقحام الدين الاسلامي بخزعبلات واكاذيب وافتراءات وهو ما نطلع عليه الان والتي كانت مؤجلة لحين احتلال العراق.
الاجراءات والخيارات المتاحة أمام القوة الجوية
في ظل ميزان معدل التفوق الجوي العام كانت الخيارات محدودة لدى القوة الجوية والدفاع الجوي العراقية في مواجهة القوة الجوية الايرانية، كما لم يسبق ان اتخذت القيادة السياسية العراقية اي قرار لشن حرب مع جيرانها، بل كانت تدفع الامور الى التسوية دون مساس بالامن القومي العراقي، ولكن النهج العدواني الذي إتخذته إيران بعد الثورة حيال العراق أحرج هذه القيادة كما احرج قيادة القوة الجوية في إعداد تشكيلاتها الجوية للحرب مع جارتها إيران.
في الفقرات التالية أوضح موجز لبعض الاجراءات السريعة التي اتخذتها قيادة القوة الجوية والدفاع الجوي في محاولة لمعادلة ميزان القوى الجوية مع ايران.
• الزيادة العددية لطائرات القتال
كان العراق قد تعاقد مع فرنسا على صفقة من طائرات الميراج/ ف1 ومع الاتحاد السوفيتي على طائرات الميغ/ 25 ومع الصين على طائرات الميغ/ 21 ف 7 الا انها لم تصل قبل بدء الحرب وكان لها أن تحدث تغييرا في نسب معدلات التفوق الجوي العام لصالح العراق او التعادل على الاقل مع ايران، وعليه لم يكن لهذا الخيار تاثير في الميزان الجوي العام وكان على القوة الجوية استخدام مضاعفات القوة بالاعداد والانواع المتوفره لديها كزيادة معدل طلعات الطيارين (تعبوياً) ورفع مستوى الادامة الفنية للابقاء على نسب صلاحية عالية للطائرات .. الخ.
• زيادة عدد طلعات الطيارين ليوم القتال الواحد بمعدل 3– 4 طلعة/ يوم .
• رفع كفاءة طياري القتال في القوة الجوية
في الحقيقة لم تتوفر لدى القوة الجوية معلومات دقيقة عن المستوى القتالي للطيار الايراني قبل الحرب، فقط ما كانت تلمسه من سرعة رد الفعل اثناء العمليات العسكرية عند تواجد الطائرات العراقية قرب الحدود الايرانية لكن لم يحصل اشتباك مباشر معهم او اجراء تمارين مشتركة يمكن من خلالها الاستدلال على مستواهم القتالي، اما بالنسبه للطيارين العراقيين فالنسبة العظمى منهم أحداث وخبراتهم العملية والفنية في الطيران محدودة ولم يسبق لمعظمهم المشاركة الفعلية في اعمال القتال سوى قادة التشكيلات المقاتلة وآمري الاسراب والرفوف ممن كانت لهم مساهمات سابقة في حركات القوة الجوية سواء داخل او خارج العراق، وتقدر نسبتهم اكثر من 50% بقليل، عليه كان الاجراء المتخذ من قبل قيادة القوة الجوية هو تكثيف الطيران التعبوي لكافة الطيارين المقاتلين وبالمواصفات القريبة من الواقع مما اثّر كثيرا في رفع الروح المعنوية والقتالية لهم، عليه اعتبرت معدلات الكفاءة للطيارين العراقيين والايرانيين متساوية حتى لا يكون هناك مبالغة في التقدير.
• استخدام وسائل حرب الكترونية إضافية متطورة
في بداية الحرب لم تتوفر معدات حرب الكترونية هجومية مجهزة بها الطائرات العراقية بإمكانها التاثير على الرادارات ووسائل المواصلات الايرانية ومن شأنها تمويه الهجمات الجوية العراقية وانما كانت معظم وسائل الحرب الالكترونية دفاعية بسيطة على العكس مما متوفر في القوة الجوية الايرانية، عليه يعتبر هذا العامل متحكم لا يمكن زيادته في الوقت الراهن عليه تم افتراض ما تحويه الطائرات العراقية من الاجهزة الالكترونية لا يتجاوز 50% مما مجهزة به القوة الجوية الايرانية.
• التخطيط لشل الدفاعات الجوية الايرانية
قبل الحرب مع ايران لم تتوفر لدى القوة الجوية والدفاع الجوي العراقية معدات استطلاع الكتروني بإمكانها تثبيت مواقع اجهزة الكشف الراداري الايرانية لكي يتم تجنبها او معالجتها للحد من تأثيرها على الضربات الجوية العراقية، الا انه تتوفر معدات بدائية نسبة الخطا فيها عالية، ناهيك عن اسلوب تحليل المعلومات المحصل عليها يدوياً كانت نسب الخطأ عالية لايمكن اعتمادها عملياً، وكذلك لم يتوفر لدى هذه القوة اسلحة خمد لمعالجة رادارات الكشف والانذار، عليه اعتبر تأثير الدفاع الجوي الايراني على طائرات الضربة الجوية العراقية مؤثر بنسبة عالية، وكان على هذه الطائرات اعتماد الاسلوب التقليدي والتدريب عليه وهو الطيران الواطئ جداً والصمت الاسلكي على طول خط الطيران، والقبول بالمجازفة والخسائر المحتملة.
• المساعِدات الملاحية المتوفرة
لم تتوفر بطائرات القوة الجوية العراقية أية مساعدات ملاحية تساعد الطيار الوصول الى هدفه بدقة عالية مثلما متوفر في طائرات القوة الجوية الايرانية،(يعتمد الطيار العراقي على قراءة الخريطة الطبوغرافية وتتبع الهدف اثناء الطيران مثلما كان يجري في الحرب العالمية الثانية) عليه من خلال التجربة والتمارين التعبوية العديدة تولّدت لدى قيادة القوة الجوية ثقه عالية بطياريها اعتماداً على قدرة وكفاءة قادة تشكيلاتهم .
استنتاج مهم
مما تقدم نستنتج ان كافة الخيارات المتاحة للقوة الجوية العراقية محدودة تتحكم بها نوع وكفاءة طائراتها بشكل واضح ومؤثر اما موضوع التدريب والمعنويات واستخدام مضاعفات القوة وغير ذلك فله دور محدود قد لا يؤدي غرضه في وقت قصير وايران لاتزال تدق طبول الحرب وتكيل التهديدات الى القيادة السياسية العراقية واحتمال قيامها بتوجيه ضربات جوية قد تكون قاتله لسلاح الجو العراقي.





