قالت تقارير، لم تؤكد بشكل رسمي بعد، إن طائرات سلاح جو تابعة لدولة عربية شنت غارات على مدينة تكريت، بل ذهبت بعض التقارير إلى القول إن غارات طيران تلك الدولة العربية وجه ضربات طالت ميليشيا جيش الحشد الشعبي، أثناء انسحابها بناء على رفض أمريكي قاطع لوجود تلك الميليشيات في محافظة صلاح الدين، واعتبرت إصرار حكومة حيدر العبادي على تحشيد الميليشيات مع وجود الجنرال قاسم سليماني تحديا سافرا لإرادتها، وهو ما انعكس على إحجام الولايات المتحدة عن تقديم الدعم الجوي في عملية "تحرير تكريت"، وقيل في حينها إن الولايات المتحدة اشترطت استبعاد ميليشيا الحشد الشعبي من العملية العسكرية في صلاح الدين، ولما لم تستجب حكومة العبادي لشرط واشنطن مدفوعة بغرور القوة ووهم الانتصارات التي حققتها ميليشيا جيش الحشد الشعبي بمشاركة مباشرة من إيران في محافظة ديالى.
وفي ضوء ما تقدم يمكننا أن نسجل على حيدر العبادي رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة الوعود التالية التي أطلقها في لحظة بحثه عن مسامير سياسية تثبت كرسيه في المنطقة الخضراء، ولكنه عندما شعر أنه وصل إلى هدفه بإشغال المنصب نكث بكل تعهداته، ناسيا أن مشكلة السياسيين كما هو شأن كل كائن حي، ليس بالوصول إلى الهدف وإنما الاحتفاظ به ليس بالقوة الغاشمة أو بشراء الذمم، وإنما بإشاعة العدل في كل زاوية من زوايا المجتمع...
1 - قال حيدر العبادي تمهيدا لتشكيل حكومته التي نالت الثقة من أمام مجلس النواب في الثامن من أيلول الماضي، إنه سيعمل بكل جدية على تغيير بوصلة الحكم وإيجاد حكومة شراكة وطنية، ولكن الأيام والأسابيع والشهور مرت من دون أن يلمس المراقب شيئا على الأرض، وهنا سيبرز سؤال مهم .... هل كان العبادي يمتلك الرغبة الحقيقية لما وعد به ولكنه لم يفعل لعجز وعدم استطاعة، أم أنه كان كسلف يناور لكسب الوقت وبالتالي يمكن أن يعلق عدم رغبته بالتغيير بوجود مراكز قوى مؤثرة داخل حزب الدعوة الحاكم تمنعه من تقديم أي تنازل للشركاء السنة؟
2 - قال العبادي إنه سيحصر السلاح بيد الدولة ولن يتساهل مع أي سلاح خارج سلطة الدولة، ولكن المؤشرات الميدانية أكدت لنا أن العبادي عمل بقوة على "ترسيم" دور الميليشيات الطائفية وأطلق يدها حتى تناسلت على نحو كارثي على أمن المواطن ككل وأمن المحافظات الست التي انتفضت على الجور والظلم والضيم الذي عاشه أبناؤها على أيدي قوات ذات تقاليد غير مهنية بل وغير أخلاقية في تعاملها المليء بكل عيوب الشرع والقانون، فطغت ومارست أسوأ الانتهاكات ومحاولات إذلال المواطنين وتركيعهم أمام سلطة الباطل وغلبته، في حين أن من كان يستمع إليه توقع منه أن يلجم تلك الميليشيات ويوقف تماديها في خرق قواعد القانون والأخلاق، ولكنه خذل أكثر الناس تفاؤلا بالحقبة الحيدرية التي ورث الحقبة المالكية السوداء، وإذا بهما متشابهتان بلون السواد مع فارق بسيط هو درجة السواد في كل منهما.
وربما ذهب بعض من راصدي المشهد العراقي إلى تقديم فرضية بهدف تبرئة العبادي مما يحصل، وذلك بالقول إن نوري المالكي هو الذي يضع العصي في عجلات سيارة الإصلاح التي يقودها العبادي، لأن المالكي وانطلاقا من سيكولوجية الخلف والسلف، فإنه لا يريد للعبادي أن يحقق أي قدر من النجاح لأن ذلك يولد فرصة لإجراء المقارنات بينهما.
3 – قال العبادي إنه سيمضي في طريق كشف كل مظاهر الفساد والتلاعب بالمال العام في الدولة العراقية، وإنه سيلاحق الفاسدين أنفسهم ليكونوا عبرة لغيرهم، لكنه تستر على الفاسدين ووفر لهم مظلة ليسرحوا ويتمتعوا بالمال العام الذي سرقوه وسطوا عليه، إما لأنه مطوق ببطانة أكثر فسادا من طبقة اللصوص والمرتشين، أو أنه لا يمتلك الإرادة السياسية ليخطو خطوة واحدة على طريق البرنامج الذي تحدث عنه، على الرغم من وجود آلاف الملفات من قضايا الفساد المستشرية في كل مرافق الدولة من أعلى حلقاتها إلى أصغر خلية في مؤسسات الحكومة، والتي بات المواطن لا يستطيع تخليص حقه ما يدفع مثله رشاوى للفاسدين من موظفين يتقاضون رواتبهم لتقديم الخدمة للمواطن، ولكنهم في تعاملهم معه يتفنون في عرقلة أشغاله ومحاولة إهانته وإذلاله ولا يجد مناصا من الرضوخ لشروط ودفع الأتاوة.
4 – قال إنه سيمضي في طريق كشف كل العاملين الوهميين في كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وبدأ مشواره بالإعلان عن 50 ألفا ممن أسماهم بالجنود الفضائيين، ولكن العبادي توقف وصمت عند الخطوة الأولى ولم يحاسب أحدا من المسؤولين ولم يحل أي ملف إلى الجهات القضائية لملاحقة المتورطين، فعل ذلك من دون أن يبرر هذا الصمت.
5 – قال العبادي بأنه لا يوجد مقاتلون أجانب في العراق، ولا نعرف ما هي دوافع قائد القوات البرية في الجيش الإيراني العميد أحمدرضا بوردستان ليعلن عن وجود 5 ألوية إيرانية تعمل داخل الأراضي العراقية بعمق 40 كيلومترا، أو ما قاله مقرر لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب "بأن هناك 30 ألف عسكري إيراني يقاتلون داخل الأراضي العراقية تحت مسمى الحشد الشعبي، فمن هو الكاذب من بين الثلاثة؟
وأخيرا أقسم العبادي بأنه لن يستعين بالتحالف الدولي، و"سيحرر" تكريت دون الحاجة لإسناد طيران التحالف الدولي، ولكنه تراجع عن قسمه وطالب الولايات المتحدة صاغرا بتقديم الدعم الجوي لقواته المنهارة والتي فقد أخر ما تبقى لها من معنويات بعد أن عجزت هي وميليشيا جيش الحشد الشعبي عن دخول تكريت بعد أكثر 46 يوما من الوعود الكاذبة التي أطلقها هادي العامري وقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وجنرالات الفضائيات الموالية وخبراؤها العسكريون الباحثون عن دور ولو الفتات على موائد اللئام، بأنهم سيدخلون تكريت فاتحين منتصرين، ولكنهم خابوا وخاب ظنهم.
ترى ألا يجد المسؤول الكبير حدا عليه أن يتوقف عنده عن الكذب؟ وماذا يحصل لرئيس وزراء اليابان أو السويد أو أية دولة ديمقراطية في العالم لو ضبط متلبسا بكذبة صغيرة واحدة مما وقع به رئيس الوزراء؟
غالب الظن أن رئيس الوزراء في تلك الديمقراطيات سيسأل عن أية كذبة تصدر عن وزير من حكومته أو متحدث في مكتبه، لأنهم يستحون من شعبهم ويخافون على تاريخهم ويخشون من صناديق الاقتراع.
لكن مسؤولي المنطقة الخضراء لديهم فتاوى جاهزة تبيح لهم الكذب حتى على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.