أخلاقيات واحدة وإن تعددت الوجوه والأسماء

نزار السامرائي

في الثاني عشر من تشرين الثاني 2005 تم الكشف عن فضيحة كبيرة لحكومة إبراهيم الجعفري، زعيم حزب الدعوة في ذلك الوقت، ووزير داخليته باقر صولاغ، القيادي في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، عندما داهمت قوات أمريكية ملجأ الجادرية وبدأت بتسويقه كإنجاز لامع لها ضد انتهاكات حقوق الإنسان، بهدف موازنة ما رأته في قبو الجادرية مع سوء السمعة التي لحقت بها جراء عمليات التعذيب المنهجي الذي مارسته وبأوامر عليا في سجن أبو غريب، ولتقول بصمت إن من يحمل الجنسية العراقية ليس أكثر إنسانية وعدلا وأخلاقا في التعامل مع كل من يعارضه من العراقيين في السجون السرية والعلنية وفي الشارع وفي بيوت الناس، وليسوا أكثر مهنية في تعاملهم من الجنود الأمريكيين الذين جاءوا من آلاف الكيلومترات لغزو العراق.

 

القوة الأمريكية التي قامتبدهم ملجأ الجادرية، تحدثت بأعلى صوتها عما وجدته من معاناة عشرات من المعتقلين المغيبين منذ أن تسلمت الفئة الطائفية حكم العراق من المحتلين الأمريكيين أنفسهم، فقد كشفت القوة الأمريكية التي داهمت سجن الجادرية أن المعتقلين تعرضوا لأسوأ أنواع التعذيب على أيدي جلادين محترفيناختاروا أكثر المهن ابتعادا عن القيم والأخلاق والكرامة.

بعد يوم واحد من انتشار أخبار الحادث الذي صنعته ماكنة الإعلام الأمريكية ليس إيمانا بإنسانية المشهد وإنما لحاجة في نفس يعقوب، ظهر وزير داخلية إبراهيم الجعفري، باقر صولاغ وتحدث للصحافة ولم يجد شيئا يستر فيه عورة الممارسات اللاإنسانية الموغلة في الوحشية التي ترتكبها المؤسسات القمعية في وزارته، إلا يتجاهل التعذيب من حيث المبدأ وكممارسة مدانة ومحرمة في الشرائع السماوية والقوانين والدساتير الوضعية، ووقف منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية الدولية موقفا رافضا وبحزم، فركز صولاغ على أرقام الأشخاص الذين تعرضوا لتعذيب وحشي، فقال إن عدد الضحايا كان ثمانية أشخاص فقط، وليس 173 معتقلا كما ذكرت الأرقام الأمريكية، وبذلك الموقف استن صولاغ سنة عليه وزرها ووزر من عمل فيها إلى يوم القيامة/ فقد أعطى الشرعية لجلادي وزارته من السوقة والإيرانيين، لممارسة التعذيب تحت لافتة أن الضحايا هم الإرهابيين.

التاريخ تتكرر صفحاته بطريقة أو بأخرى، ولكن الظلم واحد ومنطق التبرير واحد على ألسنة قادة التحالف الشيعي الذي يقوده حزب الدعوة الحاكم والذي سجل أسوأ الصفحات في تاريخ العراق، فقد خرج علينا حيدر العبادي رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة قبل عدة أيام متحدثا عن جرائم مليشيا الحشد الشيعي أثناء وبعد العمليات التي شنتها قوات الحكومة في تكريت ومبررا لتلك الجرائم، والتي تمثلت بإحراق 800 محل تجاري و1000 دار سكنية ومبنى مستشفى التأهيل العسكري في المدينة ومديرية الصحة ودار البلدية ومعارض السيارات بعد سرقة ما فيها مواد وأجهزة وأثاث وسيارات، ومصادرة السيارات من قبل المليشيات ومليشيا سوات الحكومية، وبيع البقية كغنائم حربية بعد أن تم نقل معظمها إلى المحافظات الجنوبية، وما لم يتم نقله خارج المنطقة لاكتظاظ الشاحنات بما حملت فقد تم نقله إلى مستودع الذرة الصفراء الواقعة شرقي تكريت فتم بيعها هناك، وما قاله العبادي كان مغالطة كبيرة رددها الببغاوات في حكومته بآلية من الذل الذي لا يمكن تفسيره إلا أنه محاولة للتشبث بالمنافع الريعية التي يمنحها لهم المنصب الوزاري أو ما دونه، فقد ركز حيدر العبادي على الأرقام دون مبدأ ارتكاب الجريمة نفسها، إذ لا فرق بين حرق بيت واحد أو ألف بيت إلا في مسألة التعويضات المقررة للمتضررين، أما الإحراق والتدمير والسطو فيتساوى فيه من يحرق بلدا أو مدينة أو بيتا لأن الركن المادي في الجريمة متوفر فمن أحرق بيتا فهو قادر من حيث الاستعداد النفسي لإحراق مدينة وهكذا تتسع دائرة القبول في ارتكاب الجريمة.

ولكن الأذلّاء من السنة من وزراء الصدفة ونواب التزوير ممن قبل لنفسه أن يتاجر بدماء وكرامة المكون الذي ينتمي إليه، لأنه خاضع لمنطق الغلبة والاستقواء الذي يعتمده حكام العراق الذي تربعوا فوق كراسيهم نتيجة التوافقات الأمريكية الإيرانية، وليس بإرادة المواطن العراقي الذي زوروا إرادته وخانوا الأمانة التي زعموا أنهم أهل لها، وإذا بهم في بداية الطريق ينكثون عهدهم.

أغرب ما في حكام العراق اليوم أنهم يزعمون أنهم ينتمون لتيارات إسلامية، ولا ندري أي إسلام يحلل سفك الدم وانتهاك الحرمات والسطو على المالين العام والخاص، وأي إسلام يجيز حرق البيوت وأي إسلام يجيز التمثيل بالجثث وهو ما فعلته مليشيا حشد فتوى الجهاد الكفائي للسيستاني، وعمليات تقطيع أعضاء القتلى وكأن من يفعل ذلك وهو يستمع إلى عبارات التشجيع الطائفية المقيتة، قصاب يقطع أجزاء الذبيحة من دون أية مشاعر مما يؤكد أن هؤلاء قتلة محترفون، أما الذين تبادلوا رؤوس الضحايا بأقدامهم وكأنهم في ساحة كرة قدم، فإنهم خلاصة جيش حزب الدعوة وصفوته، وإلا ما العبادي ليقف مدافعا باستماتة عما ارتكب من انتهاكات تعبر عن أخلاقيات المرحلة، وكأنه قام بإحصاء عدد الدور والمحال التجارية التي تعرضت للحرق، وكابر و"فات" في عيون الناس بدفاعه الرخيص عن القتلة الذين لن يفلت أحد منهم من عقاب الشعب.

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,900,939

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"