من المسؤول عن عذابات العراقيين؟

عمران الكبيسي

ما يجري في العراق مأساة تنقل الفضائيات مشاهدها، وتتداول نشرات الأخبار أحداثها المؤلمة، ‏فتشيب لها الولدان، ومما يحزن ألا تستفز انتهاكات القيم الإنسانية التي تجري نهارا جهارا الضمير ‏العربي والدولي، كأن الإعلام أصبح وسيلة للتسلية والفرجة على ماسي الآخرين والتلذذ بعذاباتهم، ‏وليس لتوعية الشعوب.

 

 

عذابات العراقيين لا صدى لها وبلا ردود فعل تنتصر للمعذبين في الأرض. ‏ومهما هزتني كوارث قومي المتلاحقة لم أنس لحظة عذابات أشقائنا في فلسطين وسوريا وليبيا ‏واليمن والصومال وفي ماينمار وأفغانستان، لكن مأساة العراقيين الذين ما تخلوا يوما عن مبادئهم، ‏ولا أشاحوا جانبا عن قضايا أمتهم ونصرة أشقائهم، فريدة من نوعها، لقد أسلمهم الأعداء والأشقاء ‏طبقا شهيا سهل الهضم للفرس المجوس بلا ثمن، وطالت مأساتهم، وليس من بارقة أمل، ولا ‏بصيص نور في النفق المظلم.‏

لم يحاسب احد الإيرانيين حينما أرادوا تصدير طائفيتهم إلى العرب باستكبار فتصدى لهم العراقيون ‏بحرب العشر سنوات رفضت فيها إيران كل المبادرات للتفاوض حتى تجرعت السم. ولم تحاسب ‏إسرائيل حينما قصفت المفاعل النووي، ولم تفاوض الدول العظمى العراق كما تفاوض إيران ‏وسمحت لها بتخصيب اليورانيوم، ولم يحاسب احد تحالف الدول الغربية على غزوها العراق بلا ‏موافقة مجلس الآمن، قتلوا وفجروا وسجنوا وعذبوا واغتصبوا وأحرقوا وأوقدوا الفتنة الطائفية ‏والعنصرية وخربوا البلد، وانسحبوا وتركوا خلفهم أربعة ملايين يتيم ومليون أرملة، وبلدا مدين ‏بالمليارات، وبنية مخربة، ولم يعقد احد له مؤتمرا دوليا لنجدته أو إعمار ما خربه الأشرار، ولم ‏تحاسب شركات الحراسة الدولية على جرائمها، ولم تطالب محكمة العدل الدولية بمحاكمة رئيس ‏الوزراء المالكي على جرائمه الوحشية بحق الإنسانية التي بنصف مليون ضحية كما فعلت مع ‏الرئيس السوداني البشير وغيره، وهكذا مزق البلد بالطائفية وسلم لقمة سائغة لداعش والإيرانيين ‏لينتقموا من أهله بمجازرهم. ‏

أما حكومة العبادي التي بنينا عليها الآمال، واستبشرنا خيرا حين وعدت بمحاكمة القتلة ‏والمفسدين، ولكن "لا خبر لا حامض حلو لا شربت" بل بدا طعمها مرا علقما وماصخا، وتعفنت ‏من الرأس إلى الذيل، ولم نعد نأمل منها نفعا. لم تحاسب ولم تحاكم المفسدين بل كافأتهم بالمناصب ‏والرواتب والحراسات، قتل على أيام المالكي الآلف من حملة الشهادات العليا علماء وأساتذة ‏جامعات، مهندسين ومحامين وقادة، ولم نشهد محاكمة واحدة عن جريمة اغتيال، ولا عن فساد ‏سرقة أو رشاوى واحتيال.‏

‏العراق بعد 10 سنوات من إعادة البناء، وإعداد جيش بمئات الآلاف مجهز بأحدث الأسلحة، درب ‏على يد الأميركان اعتي قوة بالعالم، قالوا جيشا عقائديا من طائفة واحدة، ولكن بليلة سوداء يعبر ‏الحدود مئات من إرهابيي داعش بعشرات السيارات المدنية ورشاشات يدوية يتوغلون آلاف ‏الكيلومترات، ويستولون على خمس محافظات تشكل نصف العراق العظيم، ويهرب هذا الجيش ‏تاركا سلاحا بمئات المليارات جاثما على مرابضه، تستولي عليه داعش الإرهابية التي يصفونها ‏بالجبانة والقذرة، يهرب القادة بالطائرات، وينزع الضباط ملابسهم ويهربون، ويتركون الجنود ‏حيرى تسوقهم داعش كالغنم يقتلون الآلاف ويدفنونهم أحياء، وتساق الدبابات والمدافع خارج ‏الحدود ولا من يتصدى لهم. ليستغيث المالكي بالعجم مبررا تدخلهم الجبان، ويبرر للأميركيين ‏العودة ثانية، ألا بئس ما فعل.‏

يا للكارثة أين القائد العام، ووزير دفاعه، وأركان حربه، كانوا نائمين؟ ومع من؟ أحياء أم أموات ‏وسكارى؟ من المسؤول عن الطامة الكبرى، كوميديا سوداء، لم يستقيل قائد، ولم ينتحر كما ‏انتحرت كليوباترا بخسارتها الحرب، ولم يحاكم خائن أو متخاذل أو مهمل ومقصر، أصنام  بلا عزة ‏ولا كرامة، بلا أباء ولا إحساس. كيف نرتجي منهم الخير مستقبلا؟ هل سمعنا من قبل بحكومة ‏يهرب قادتها وجيشها وشرطتها وتطالب السكان المدنيين بحماية أنفسهم، وطرد الإرهابيين؟ ‏ياللعار لقادة شغلوا بسرقة الملايين ونسوا وطنهم، وحملوا الشعب وأبناء العشائر والحشد ‏المخدوعين بذل الدماء يَقتلون ويُقتلون، وهم يستأثر بالمكاسب دونهم؟

السكان المدنيون في مدن الأنبار يقصفون بالمدافع والصواريخ، وأصبحوا ضحايا وسط المتقابلين ‏لا يرحمهم احد، تركوا مساكنهم وأموالهم وفروا بأرواحهم نازحين، ولا من يحميهم، وليس لدى ‏الحكومة ما تقدمه لهم، وبخلت عليهم بالسلاح، بل اليوم فقط أبدت حرصها ولم تسمح للنازحين ‏باللجوء إلى المدن متذرعة كذبا بالخوف من تغلغل الإرهاب، يا للعجب هكذا يذلون شعوبهم ‏ويتركون النازحين يتضورون جوعا وعطشا، يفترشون تراب الأرض بين العقارب والأفاعي ‏ويلتحفون غبار العواصف، لقد استقبلت (إسرائيل) الجرحى والمرضى السوريين في محنتهم ‏وعالجتهم، وعراقي لا يسمح له باللجوء إلى أهله وأقربائه في وطنه، بأي قانون وأي شريعة، ‏ونجد العبادي يرق قلبه للحوثيين المتمردين ويدفع عنهم ويشيح عن مأساة العراقيين ، صبرا ‏ياعرب! " إن الله يمهل الظالم فإذا أخذه لم يفلته".‏

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,364,681

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"