#أميركا للعراقيين: قاتلوا وموتوا وحدكم

 محمد زاهد غُل

بعد توالي الخسائر العسكرية للحكومة العراقية وميليشيات الحشد الشعبي أخذ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي و(الجنرال) هادي العامري بالتنديد بالإخفاق الأميركي في منع تقدم تنظيم الدولة الاسلامية في الرمادي وغيرها، هذه التهم العراقية لم تعجب القادة الأميركيين، بداية من الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه، إلى وزير دفاعه أشتون كارتر، إلى عدد كبير من الصحفيين الأميركيين المهتمين بالشأن العراقي وتنظيم الدولة الإسلامية، واخذ الساسة الأميركيون والقادة العسكريون يكيلون التهم للعراقيين بانهم لا يملكون إرادة القتال، بينما أميركا تدعوهم إلى القتال المباشر مع تنظيم الدولة، ليكون القتال منهم ويكون الموت منهم وحدهم أيضاً.

 

 

أميركا ترى بأن حكومة العبادي أمام فشل في اتخاذ القرارات الضرورية للنجاح، فهي لا تستطيع رأب الصدع الطائفي في العراق، وأنها ترفض تسليح العشائر السنية، وأنها لم تعمل لبناء جيش عراقي قوي بالرغم من صرف مئات المليارات في عملية بناء هذا الجيش وتسليحه، وأن أميركا تخشى أن تصبح القوة العسكرية في العراق بيد الحشد الشعبي الشيعي بحكم الواقع، بعد فرار الجيش العراقي في مواجهاته مع تنظيم الدولة الإسلامية.

الصحف الأميركية أبدت انتقادها لأداء إدارة بلادها والحكومة العراقية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وبالأخص بعد الاستيلاء على الرمادي في العراق وتدمر في سوريا، وحذرت الصحف الأميركية من احتمالية انعكاس ذلك على هجمات مفاجئة في الغرب نفسه، وطالبت بضرورة نشر قوات أميركية على الأرض لمواجهته، فقد نشرت صحيفة واشنطن تايمز مقالا للكاتب دانيال بايبز قال فيه ”إن قوة تنظيم الدولة تكمن في قدرته على إلهام مجنديه وليس في كونه منظمة مسلحة”، واما الكاتب تشالز كرثامر فقد نشر مقالاً في الواشنطن بوست انتقد فيه انتصارات الدولة في الرمادي وأشار إلى قرار فرار القوات العراقية قبل أيام، وانتقد عمل التحالف الدولي الذي شكلته أميركا قبل اشهر، وقال:”إن الحملة الجوية غير فاعلة، مما يدل على عقم الاستراتيجية المتبعة، وأن نفوذ الولايات المتحدة بالشرق الأوسط آخذ بالتضاؤل، وخاصة في أعقاب قرار أوباما بسحب القوات الأميركية من العراق، الذي كان خطأ فادحا”.

أما الكاتب “يوجين روبنسون”فقد تساءل في نفس الصحيفة “لماذا علينا أن نحارب من أجل العراقيين، إذا كانوا هم لا يريدون القتال من أجل أنفسهم”؟

وقال ”إن سقوط الرمادي في أيدي تنظيم الدولة قد كشف عن الفراغ في صميم السياسة الأميركية”، وحذر الكاتب ”من استمرار الصراع في العراق ومن انزلاق البلاد إلى مزيد من الفوضى، وذلك بالشكل الذي يهدد المصالح الأميركية في المنطقة”، ورأى يوجين ”أن من بين البدائل والخيارات المتاحة لإلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة ما يتمثل في ضرورة غزو العراق واحتلاله مرة أخرى”، وأشار إلى أنه ”إذا ما قامت الولايات المتحدة والغرب بغزو العراق مجددا، فإن تنظيم الدولة سيبقى مسيطرا أيضا في سوريا وسيبقى يشكل نفس التهديد، مما يتطلب ضرورة دخول الولايات المتحدة وحلفائها في الحرب السورية، وأضاف أن الخيار الآخر يتمثل بالانسحاب من المنطقة معتبرا أن هذا هو الخيار الأسوأ”.

صحيفة “وول ستريت جورنال” أشارت بافتتاحيتها إلى تصريحات الرئيس الأميركي المتمثلة في قوله “لا أعتقد أننا نخسر” وإنه يرى أملا في نهاية النفق بالنسبة لمواجهة تنظيم الدولة، وتساءلت الصحيفة عن طبيعة مفهوم أوباما للخسارة “كيف يُعرّف الرئيس النصر؟”.

وأخيراً جاء تصريح وزير الدفاع الأميركي ليكشف عن مخطط أميركي لتوسيع عملياته العسكرية في العراق بحجة أن العراقيين لا يملكون إرادة للقتال، حيث قال وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر إن الجيش العراقي لم “يبد إرادة” في قتال تنظيم الدولة في مدينة الرمادي، وأكد:” أن الأميركيين يحاولون تشجيع العراقيين على الاشتباك المباشر بشكل أكبر “.

وأضاف الوزير الأميركي في مقابلة مع شبكة “سي أن أن” التلفزيونية الأميركية أن “لدينا مشكلة مع إرادة العراقيين في قتال تنظيم الدولة الإسلامية وفي الدفاع عن أنفسهم”، وأكد أن الجنود العراقيين “لم يعانوا من نقص في العدد، بل كانوا أكثر عددا بكثير من القوات المقابلة، إلا أنهم انسحبوا من المنطقة”، وأضاف كارتر: “نستطيع أن نقدم لهم التدريب والتجهيزات، إلا أننا بالتأكيد لا نستطيع أن نقدم لهم إرادة القتال، أماوقد قدمنا لهم التدريب والتجهيزات والمساعدات، آمل أن يبدوا إرادة في القتال، لأنهم لن يتمكنوا من هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية ما لميقاتلوه”، واعتبر كارتر:” أن القصف الجوي الذي تقوم به قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة فعّال، إلا أنه لا يمكن أن يحل مكان إرادة القوات العراقية في القتال”.

وردا على سؤال على الدعوات المتزايدة من المشرعين الجمهوريين لإرسال قوات أميركية برية إلى العراق، قال كارتر “إذا جاء وقت احتجنا فيه إلى تغيير شكل الدعم الذي نقدمه للقوات العراقية فسنوصي بذلك”.

وهكذا فإن أميركا تواجه مشكلة في العراق بحسب تعبير وزير الدفاع الأميركي، ولم يقل كارتر بأنها تنظيم الدولة الإسلامية، وإنما قال هي عدم وجود إرادة لدى العراقيين للقتال ضد الدولة، فأميركا تقدم كل دعم لازم ليقوم العراقيون بالقتال، ولكنهم يفرون من أرض المعارك ولا يقاتلون، والمطلوب أن يقاتلوا، وأميركا تحثهم على القتال بشكل مباشر ، ولكن العراقيين يخيبون ظن أميركا، لنهم تعودوا في السنوات الماضية أن تقوم أميركا بالقتال عنهم، ليس بالطائرات فقط، وإنما بالجنود وذلك قبل الانسحاب الأميركي عام 2011، وهكذا تخيب آمال الأميركيين من الجيش العراقي، وهي مضطرة لقبول الحشد الشعبي المدعوم بفتوى السيستاني، أي الذي يملك إرادة القتال ولو لأسباب أحقاد مذهبية أو تاريخية، أو لوجود المتطوعين الإيرانيين والحرس الثوري الإيراني، الذي يقاتل تحت راية عمية جاهلية.

إن هذه الصورة المأساوية تؤشر إلى اتجاهين، الأول منهما أن أميركا فعلاً تواجه مشكلة في العراق، بعد خيبة أملها من مشروع نقل السلطة في العراق إلى الأقلية الطائفية التابعة لإيران، فإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن أميركا تهيأ نفسها لخطة تدخل عسكري جديد، تعمل لإيجاد مبرراته، وهو عجز الحكومة والجيش العراقي، ووجود مخاوف من انتقال التهديد الى الدول الغربية، وبالتالي فلا  بد من تدخل عسكري، قد لا تكون نتائجه لصالح محور ايران، من أهم معالمه تقسيم العراق، وإقامة كنتونات أقليات شيعية وسنية وكردية، وهذه الكنتونات سوف تواصل قتالها ضد بعضها بعضا لعقود قادمة، فضلاً عن أنها ستكون فتيل اشتعال لكثير من الصراعات الاقليمية العربية والايرانية والتركية والكردية، وهو هدف لن تتخلى عنه أميركا طالما فشلت في تحقيقه حتى الآن.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,901,256

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"