الهروب الكبير لقيادة قوات #حيدر_العبادي

مثنى عبدالله
سمّوها ما شئتم، الهروب الكبير أو الفرار الأضخم، العار الأكبر أو الفضيحة المجلجلة، وإذا كنتم تودون المداهنة وممارسة اللعب ‏بالكلمات وتغيير معاني الألفاظ فسموها نكسة، كي يكون وقعها على زعامات الجهل أخف وطأة. ‏

المهم أن الخيبة الكبرى في الأنبار قد حدثت، وطبيعة الخيبات الاستراتيجية أنها تبقى أكبر من كل الوصف. تذكروا جيدا عهد القائد ‏العام للقوات المسلحة لشعبه، بأن الانبار لن تسقط، وطالعوا تصريحات وزير دفاعه قبل أيام معدودة من الهروب الكبير حين قال ‏‏«إنني لن أكون إلا صادقا وأمينا مع العراقيين ومحافظا على أموالهم، وأود أن اقول لهم أن هناك من يتربص بكم ويتاجر بدمائكم، ‏فتوخوا الحذر من المعلومات التي يروج لها أقزام الارهاب». هذه التصريحات الفنتازية جاءت للرد على بعض الأخبار، التي تحدثت ‏عن قيام تنظيم الدولة بمحاصرة العديد من الجنود والضباط في منطقة الثرثار وقتلهم، والتي على أثرها انطلقت حملة إعلامية كبيرة ‏قادها القائد العام، الهدف منها تعزيز الثقة بقدرات الجيش العراقي، والتحذير من المساس بمعنوياته، وضرورة مراعاة وضعه النفسي. ‏
وقد حاولنا أن نصدق عهد القائد العام، ونؤمن بأمانة وزير دفاعه معنا، ومحافظته على أموالنا من المتربصين والمتاجرين بنا كما ‏قال، وانصعنا الى نصيحته فتوخينا الحذر من معلومات أقزام الإرهاب، وعلى الرغم من إيماننا المطلق بأن القائد العام ووزير دفاعه ‏وكافة شركاء العملية السياسية، هم من عتاة الجهلة والأميين في حقول السياسة والعلوم العسكرية والأمنية والاقتصاد، لكننا قررنا أن ‏لا نمس مشاعر الجيش في مقالاتنا، وأن نكف عن القول إن جحافله هربت من الموصل أمام بضع مئات من المسلحين، ورددنا نغمة ‏أن الموصل بيعت، كما هم يقولون، كما قررنا أن نجامل الحكومة وعنتريات رئيس البرلمان، وأن نصفق لعمليات تحرير صلاح ‏الدين، التي تمت بفعل (التلاحم البطولي) بين الشيعة والسنة في قوات الحشد، كما يريدون، على الرغم من المذابح والسرقات وحرق ‏الدور وأماكن العبادة، وعدم السماح بعودة أهلها إلى مساكنهم حتى اليـــوم، لكن المفــاجأة الكبرى أننا رأينا صناديد هذا الجيش يهربون ‏مرة اخرى في الانبار، ويتركون مرة أخرى أسلحتهم ومعداتهم وآلياتهم ودروعهم ودباباتهم في المعسكرات، هدية كبرى لعناصر ‏التنظيم، بل أن الضباط نسوا أن لديهم بعض الجنود الموقوفين في سجون الوحدات العسكرية بقضايا انضباطية بسيطة، ولم يفتحوا ‏لهم الأبواب كي يهربوا معهم، فكانوا فريسة سهلة لعناصر التنظيم، حتى الجرحى تركوهم في أماكنهم وفروا. ‏
وها هي النغمة نفسها تعود مرة أخرى فقالوا إنه انسحاب تكتيكي، ويقول مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان الأميركية «لم تُطرد ‏القوات العراقية من الرمادي بل خرجت بنفسها» بمعنى أنها تبرعت بأسلحتها ومواقعها الى تنظيم الدولة. وتحدثت مصادر أخرى عن ‏أن قرار الهروب كان من قائد ميداني، خمّن أن الغطاء الجوي لن يتوفر لقطعاته للقتال بسبب عاصفة رملية، فحرص على سلامتهم ‏وأعطاهم أمر الهروب. هنا لابد أن نتساءل أين الخبراء والمستشارون الأميركان والإيرانيين ومن حلف الناتو؟ أين غرفة التنسيق ‏الاستخباراتي المشتركة العراقية الأميركية، والعراقية الايرانية، والعراقية الاردنية؟ ألم يقولوا أن التنظيم قد تراجع، وأنهم مجرد ‏جرذان يختبئون في جحور الصحراء، وأن زعيمهم بات مشلولا، وأن نائبه أبو علاء العفري قد قتله القصف الأميركي؟ إذن لماذا لم ‏يبق في الانبار خارج سيطرتهم سوى قاعدة عين الاسد، التي بات أسدها يزأر وحيدا من الخوف في الصحراء؟!‏
ربما السؤال الأهم هو هل يستحق هذا اللاشيء أن يسمى جيشا؟ قد ينتقدنا ويشتمنا البعض حينما نصفه هكذا، لكن تذكروا جيدا كيف ‏أن الجيش السابق كان سبب حله أنه ارتكب جرائم بحق العراقيين (!) بزعمهم، هكذا قالت أحزاب الاسلام السياسي الشيعي والاحزاب ‏الكردية، وبعض الزعامات السنية الذين كانوا في أحضان المخابرات الأميركية والبريطانية. فإذا كان الجيش السابق بكل تاريخه ‏المُشرّف تم حله لذلك السبب، فماذا أنتم فاعلون بالجيش الحالي، الذي كان ومازال يمارس دور الشرطة المحلية في السيطرات بين ‏المدن والاحياء والازقة، ويعاني من الفساد والطائفية وبيع الرُتب، ويفتقر الى أبسط قواعد الضبط العسكري، وعندما حصلت ‏المواجهة هرب من ميدانه الذي هو في داخل المدن وليس على التخوم، أمام بضع مئات أو عشرات من المسلحين، مجرد مسلحين ‏وليسوا جيشا غازيا؟ وإذا كان القائد العام السابق، نوري المالكي، وأعوانه قد هربوا من دون حساب، فعلام القائد العام الحالي مارس ‏الدور نفسه، وهو الذي قالوا إنه اتى كي يصلح ويغير؟!‏
الجواب بسيط جدا، عندما تكون الاستراتيجية صحيحة، حتى لو كان التنفيذ فيه بعض الفشل على المستوى المرحلي وفق ظروفه ‏الخاصة، فالنهاية تبقى دائما ناجحة، أما عندما تكون الاستراتيجية خاطئة، وهنالك بعض النجاحات المرحلية من وقت لآخر، فإن ‏الفشل سيكون حتميا. ‏
النجاح الاستراتيجي يحتم الإمساك بكل عوامل النجاح، والقائد العام ليس بيده أي من هذه العوامل لأن اللاعبين في المشهد كثر، ‏دوليين وأقليميين ومحليين، بعضهم يمسك السماء وهو وحده يحدد أيا من الاهداف يضرب أو لا يضرب، والاخر يدفع بمليشياته كي ‏تأخذ موقع الريادة والصدارة على كل الاجهزة العسكرية، وآخرون يتزعمون الطوائف والاثنيات ويتشاركون في صنع القرار، لكن ‏عليه هو ووزير دفاعه أن يعلما بأن القائد يسقط عندما تسقط هيبته، أي أن مصيره محدد في الاعمال العسكرية الحربية التي ‏يخوضها. كما أن سعي البعض الى اتهام العشائر بأنها لم تتحمل مسؤولية الدفاع عن مناطقها، وهي التي تتحمل وزر هروب الجيش ‏والشرطة، أنما هو محاولة فاشلة للتهرب من المسؤولية. فالدول الحديثة التي تحترم نفسها هي التي تبني منظومات الدفاع عن كياناتها ‏بمؤسسات وطنية مركزية، وليس بعشائر وقبائل وحشود شعبية تتصرف كما تريد بعيدا عن سياسة الدولة. ‏
إن المعضلة الكبرى في العراق هي أن السلطة مازالت تصر على المقاربة العسكرية، مستبعدة الحل السياسي تماما من أجندتها، وقد ‏يحسم الحل العسكري الوضع على الارض، لكنه سيكون مرحليا وهامشيا وكلفه السياسية والاجتماعية والاقتصادية كلف كبرى، لان ‏عدالة الدولة لا يمكن فرضها بالقوة على الاخرين، إنها عملية إقناع بممارسات فعلية عادلة تثبت لهم أنها تستحق الطاعة فيخضعون ‏لها راغبين.‏

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,898,194

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"