من يحكم #العراق الآن؟

علي الكاش
تعني السلطة بمفهومها العام المصدر الأول للقوة، والمرجع الرئيس المُسلم له بالنفوذ والخضوع، ‏أي القوة القادرة على فرض إرادتها ‏وهيبتها على بقية الهئيات الخاضعة لسلطانها، ولها الفصل ‏الأخير في القرارات بما ينضم المجتمع وفقا للقوانين المرعية، ويحقق ‏العدالة والمساواة والحرية ‏والتقدم للجميع.‏

تحكم دول العالم ثلاث سلطات رئيسة كما هومعروف، اولهما: السلطة التشريعية وهي أعلى سلطة ‏في البلاد لأنها منتخبة من قبل ‏الشعب مباشرة وتمثل إرادة الشعب، وإن إختلفت تسمياتها من ‏دولة لأخرى، كالبرلمان، المجلس الوطني، الكونغرس والجمعية ‏الوطنية. رغم إختلاف مهام ‏البرلمانات لكنها بشكل عام المسؤولة عن سنٌ القوانين وتطبيق الدستور ومراقبة فعاليات السلطتين ‏‏التنفيذية والقضائية لضمان إلتزامهما بنصوص الدستور. كما إنها تعين رئيسي وأعضاء السلطتين ‏الأخريتين، وتوافق على الوزراء ‏ومسوؤلي المناصب المهمة في الدولة الذين ترشحهم السلطة ‏التنفيذية، وتصادق على الموازنة العامة، وتعقد الإتفاقيات وتعلن الحرب ‏والعفو العام، ولها حق ‏سحب الثقة من الحكومة، ومن مهامها التي لها علاقنا بموضوعنا هو مساءلة ومحاسبة الحكومة ‏من رئيسها ‏فنزولا، علاوة على بقية الواجبات التي يحددها الدستور.‏
ثانيهما: السلطة التنفيذية أي الحكومة وتتولى مسؤولية تنفيذ القوانين والإجراءات التي ترسمها ‏السلطة التشريعية، وتقترح القوانين ‏وتقدمها للبرلمان، أو تعترض على بعض القوانين التي ‏يشرعها البرلمان، وتصدر الأنظمة والقواعد، علاوة على عقد المعاهدات ‏والمفاوضات، وإعتماد ‏السفراء، ومنح الأوسمة، وأخيرا تقديم الميزانية للبرلمان للمصادقة عليها. وتضم رئيس الحكومة ‏والتشكيلة ‏الوزارية، وفي الأنظمة الرئاسية يكون رئيس الجمهورية ونائبه ومستشاريه ضمن ‏السلطة التنفيذية. عادة تُنظم السلطة التنفيذية ‏بوسيلتين: هما النظام الرئاسي، أي ينتخب الرئيس ‏مباشرة من الشعب، ويعين بدوره رئيس الوزراء. والنظام البرلماني، حيث يكون ‏منصب الرئيس ‏أو الملك فخريا، ويتولى المسؤولية الحقيقية رئيس الوزراء.‏
ثالثهما: السلطة القضائية، وهي المسؤولة عن تطبيق القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية، ‏ودورها ينصب على فض الخلافات ‏حول التفسيرات القانونية سيما المتعلقة بنصوص الدستور ‏وتفسيرها، فهي حلقة الوصل بين السلطة التشريعية التي تشرع القوانين، ‏والسلطة التنفيذية التي ‏تنفذ القوانين، بما يضمن العدالة والحفاظ على هيبة الدولة والإلتزام بالدستور.‏
من هذه الخلاصة المقتضبة نفهم إن أعلى سلطة في البلاد هي السلطة التشريعية، والسلطتان ‏الأخريتان هما من مخرجاتها. ولأنها أي ‏السلطة التشريعية منتخبة من الشعب بغض النظر عن ‏طريقة الإنتخاب ونزاهته، فهي تمثل إرادة الشعب، ويفترض ان تكون لها هيبة ‏وإرادة، وأن ‏تُحترم قراراتها من قبل بقية السلطات. فإرادة الشعب فوق كل الإعتبارات لأنه مصدر السلطات ‏جميعا. هكذا تنص ‏الدساتير ومن بينها الدستور العراق، مع إن هذا الدستور أشبه ما يكون بحقل ‏ألغام، وليس الأمر غريب طالما إن الدستور صِيغ من ‏قبل اللوبي الصهيوني الإيراني. بإعتراف ‏هاشمي رافسنجاني، فقد ذكر في حديثه عن العراق‎ ‎في 16 تموز 2014 " إن العملية ‏السياسية ‏بالعراق تمت‎ ‎بموافقة أميركا وإيران، وأن إيران والولايات المتحدة ساعدتا‎ ‎بتدوين الدستور ‏العراقي، فيما تم توزيع رئاسة ‏الجمهورية للأكراد، ومنصب‎ ‎رئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة ‏البرلمان للسنة". ومما زاد الطيب بله وجود ألغاز وأحاجي في ‏النصوص الدستورية تتيح لكل ‏فريق من الإخوة الأعداء في البرلمان أن يفسرها وفق منظوره ومصلحتة الحزبية.‏
ولنقرأ التطورات التالية خلال الإسبوع الحالي لنستشف من خلالها إنه لا قيمة للسلطة التشريعية ‏أمام السلطتين التنفيذية والقضائية، ‏ولا قيمة للسلطة التنفيذية أمام سلطة الميليشيات، ولا قيمة ‏للسلطات الثلاث أمام ولاية الفقيه.‏
المثال الأول:‏
‏ أعلن الجبوري عن تغيير اسم معركة الأنبار من "لبيك يا حسين" إلى "لبيك يا عراق"، بعد أن ‏أثارت التسمية انتقادات محلية ودولية ‏سيما من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لدلالاتها ‏الطائفية، كما إن زج أسم الحسين في هذه المعركة لا معنى له سوى الإنحراف ‏الطائفي المقزز. ‏بالإضافة الى إن مقتدى الصدر وهو من القادة الشيعة تحسس من التسمية وطلب تغييرها خشيى ‏إساءة فهمها. علاوة ‏على أن أهل الأنبار لا يرتضون هذه التسمية ما عدا العملاء والخونة أو ما ‏يسمى بجحوش أهل السنة. وقد وافقت السلطة التنفيذية ‏على تسمية البرلمان " لبيك يا عراق"، ‏ممثلة برئيس الحكومة حيدر العبادي بإعتباره كما يزعم رئيس ميليشيا الحشد الطائفي والقائد ‏العام ‏للقوات المسلحة، مع إن الجميع يدرك أن الرئيس الفعلي للحشد الطائفي هو الجنرال سليماني.‏
المهم، عندما جرت لقاءات وعرضت أفلام دعاية للحشد الطائفي من قبل القنوات الحكومية ‏والمأجورة تبين بأنه لا تزال التسمية كما ‏هي (لبيك يا حسين) وصور الخامنئي معلقة على ‏الدبابات والمدرعات) وشعارات ثارات الحسين وغيرها ملصقة على العجلات ـ كل ‏هذا ويزعمون ‏بأن الجيش غير طائفي ـ
في 28/5/2015 إجتمع نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي والمتهم بالإرهاب (‏‎ ‎ابو مهدي المهندس) ‏مع نائب رئيس مجلس النواب همام ‏حمودي لبحث معركة‎ ‎الانبار. وجاء في تصريح صحافي" ان ‏ابو مهدي المهندس قال لحمودي: ان عملية لبيك يا حسين هي الباقية، ‏ونحن من نقرر‎ ‎اسم العملية ‏وليس العبادي"! هل بقيت هيبة ومكانة لرئيس البرلمان ورئيس الحكومة؟ أي عار سيلاحقهم على ‏مدى ‏التأريخ! وهم على فكرة لا يجرأوا على الردُ لأن المهندس سيلوح لهم بعصا الولي الفقيه إن ‏فعلوا!‏
المثال الثاني:‏
سبق ان عرضنا بأن الدستور يعطي الولاية الكاملة للسلطة التشريعية لمحاسبة ومساءلة رئيس ‏السلطة التنفيذية ووزرائه، ولا شك ان ‏الوضع الأمني المتردي في العراق تقع مسؤوليته المباشرة ‏على وزارة الداخلية. سبق إن صرح وزير الدفاع بأن وزارته لا علاقة لها ‏بالأمن الداخلي، وإنما ‏وزارة الداخلية وعمليات بغداد فقط. سنترك موضوع رئيس الوزراء السابق جودي المالكي ‏وإصراره على ‏رفض إستضافته من قبل البرلمان عشرات المرات، لنقرأ الجديد في الأخبار، فقد ‏ذكر (عبد العزيز كاميران) عضو لجنة الامن والدفاع ‏النيابية بأن " وزير الداخلية محمد سالم‎ ‎الغبان ‏لايستجيب لطلب استضافته في اللجنة، فقد طلبت‎ ‎لجنة الامن النيابية استضافة الغبان عدة ‏مرات ‏لكنه لحد الان لم يستجب‎ ‎‏!ولانعرف ماهي الاسباب وراء ذلك. تريد اللجنة الاستماع منه حول‎ ‎الخروقات الامنية الشبه يومية ‏والاحداث في ميادين القتال وبعض المناقشات‎ ‎مرتبطة بالشرطة ‏الاتحادية والاجهزة الامنية لذلك فان مهمتنا هي المتابعة‎ ‎ونحن ‏بحاجة الى التواصل والتنسيق مع ‏وزارة الداخلية". ‏
الوزير لا يرفض الإستضافة فحسب، بل إنه لا يكلف نفسه حتى بالردٌ على أعلى هيئة في البلاد. ‏والهيئة المهانة لا ترغب بمساءلته ‏كما صرح النائب بل مجرد الإستماع إليه! الإستماع فقط مثلما ‏تستمع لأغنية، ولكن هيهات، لأن الغبان عضو في منظمة بدر، أي من ‏حاشية ولاية الفقيه ولا أحد ‏يجرأ على إستضافته وليس إستدعائه فحسب!‏
المثال الثالث:‏
لا أحد يجهل إنتهازية واحد من جحوش أهل السنة يتلون كالحرباء وفق مصلحته الشخصية يدعى ‏مشعان ركاض الجبوري، ويلاحظ ‏ان معظم الجبور صاروا من جحوش أهل السنة وهم يهيمنون ‏على البرلمان والمناصب الحكومية ومجالس المحافظات، لهذا إستهدفهم ‏تنظيم الدولة الإسلامية. ‏هذا النائب كان محكوما بتهمتي الإرهاب والإختلاس ولكنه هرب إلى خارج العراق بصفقة، وعاد ‏بحماية ‏المالكي بصفقة، وتمت برائته من المحكمة بصفقة، وعاد نائبا في البرلمان بصفقة، وطُرد ‏من البرلمان بصفقة، وعاد للبرلمان بصفقة!‏
فقد صوتت أعلى سلطة تشريعية في البلاد على طرده لثبوت تزويره شهاداته الدراسية. وجاء ‏تصويت البرلمان على ضوء قرار ‏مجلس المفوضين في المفوضية العليا‎ ‎المستقلة للانتخابات. لكن ‏كالعادة رجل الصفقات تحدى مناوئيه ثم وعد بالعودة إلى باحة ‏البرلمان رغم أنف البرلمان ‏ورئيسه، وفعلا حقق وعده خلال يوم واحد فقط! العجيب إن أسرع قضيتين حكمت فيهما المحكمة ‏في ‏تأريخها الإحتلالي هي براءة مشعان ركاض من التهم المنسوبة إليه، وإعادته للبرلمان بعد ‏طرده! يوم واحد فقط خلال المحاكمتين! يا ‏لنزاهة القضاء العراقي! هناك الآلاف من المعتقلين بلا ‏مذكرات قانونية ينتظرون محاكمتهم منذ سنوات.‏
ذكر الخادم الأمين لجودي المالكي، المتحدث الرسمي للسلطة القضائية (عبد‎ ‎الستار بيرقدار) في ‏بيان صحفي" إن الهيئة القضائية‎ ‎‎الانتخابية في محكمة التمييز عدت قرار مجلس المفوضين في ‏المفوضية العليا‎ ‎المستقلة للانتخابات بخصوص استبعاد النائب مشعان ‏ركاض ضامن الجبوري ‏غير‎ ‎صحيح، فالنائب قدّم الوثائق الرسمية التي تؤكد صحة شهادته‎ ‎الدراسية، هذه الوثائق صادرة ‏من ‏وزارتي التربية والخارجية‎ ‎السوريتين والسفارة العراقية في دمشق والملحق الثقافي اللبناني في ‏السفارة‎ ‎العراقية في بيروت". هذا‎ ‎‎وافاد مصدر قضائي" ان المالكي تدخل شخصيا بالتنسيق مع ‏رئيس السلطة القضائية مدحت المحود لاصدار قرار قضائي لصالح ‏مشعان الجبوري"! إذن من ‏يكذب على من؟ وأيهما على حق، المفوضية العليا للإنتخابات، أو البرلمان، أم محكمة التمييز؟
هذه الأمثلة والمئات غيرها تؤكد بأنه السلطة التشريعية لا تقوى على منازلة السلطة التنفيذية، وان ‏السلطة القضائية هي بحق مطية ‏السلطة التنفيذية، والضحية هو الشعب العراقي المنساق وراء ‏طائفيته العمياء والأحزاب العميلة المستوردة من الخارج التي تتاجر ‏بدمائه. عندما يكون الشعب ‏عقيما فلا يحق له ان يعترض على تخصيب حكومته من طرف أجنبي. ‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,360,537

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"