البحث عن قاتل #علي_بن_أبي_طالب

الصورة: طائفيون يحملون نعشاً رمزياً للإمام علي خلال إحياء ذكرى استشهاده قبل أيام، ضمن مواسم اللطم والنواح المتواصلة في العراق.

جعفر المظفر

مع أني رجل علماني وأعتبر العلمانية السياسية الكاملة، وليست العلمانية النص ونص، هي الحل للمشاكل التي تجابه الوحدة الوطنية وتختصر إلى حد كبير، ضمن نظام برلماني سليم، أو تحت راية (دكتاتور عادل)، كثيرا من مشاكل الفساد والنفاق والكذب على الخالق والمخلوق، وأن قراءة تاريخنا يجب أن يعاد النظر فيها لكي تكون أكثر قدرة على خلق مستقبل أفضل، فإني مع ذلك، كنت وما زلت، حينما أقف في حضرة الإمام علي أبكي، ليس حزنا عليه وإنما رهبة منه، وأنا القائل في قصيدة لي عنه:

 

قل لي أبا الحسنين هل فاتتك مكرمة        إلا وكنت لها أو فوقها نسبا

ولقد كتب عن علي بن ابي طالب كتاب كثيرون، وفي المقدمة منهم مسيحيون مثل جورج جرداق ونصري سلهب اللذان إعتبرا عليا أميراً للمتقين من كل الأديان وليس حكراً على طائفة معينة أو دين لوحده.

ولعلي لا اجد غضاضة حينما أقول أن الإقتراب من الرجال العظماء، حينما يتم خارج مساحة التقديس الديني، وبمقياس عظمة الأخلاق ومبدئية التمسك بها سوف يجعل حتى اللادينين معجبين بهذا العظيم، لا بل إني اعتبر ان قضية التقديس الدينية هذه من شانها أن تخلق اصناما وليس رجالا عظماء، لأنها تكون وسيلة لتسويق الرجل لا وسيلة لتعليم وتعميم أخلاقيته.

ولست أرى رجلا عظيما سُوِقَّت عظمته ضد أخلاقيته، مثلما وجدت الأمر مع ابن أبي طالب، إذ تم سلب أخلاقياته الإنسانية ومواقفه المبدئية لصالح تسويقه كمقدَّس أولا، بمعنى تجريده من قيمه السلوكية والفكرية الإنسانية التي جعلت منه عظيماً وتحويله إلى مراكز لتفريغ الحزن المزمن وتعويض الفقر والحرمان والقبول بالخنوع بطريقة تكفل التنفيس وليس الإنفجار بوجه الظالم، أي ظالم، من اي دين أو مذهب أو طائفة. وفي هذا يتساوى عندي حاكم فاسق ورجل دين منافق.

أما من هو أكثر عداوة لعلي فأجده من بين مدَّعي محبته ونصرته أكثر مما أراه بين من يحبه لأخلاقيته، إذ إنني ما رأيت عظيماً يسلب من سيرته الحقيقية ليستخدم في تنشيط الفرقة الطائفية وتفعيل الإحتلافات الإجتهادية مثلما رايته مع فعلة المنافقين هؤلاء الذين نحوا بإتجاه إستخدام تاريخ الرجل بشكل يخدم توجهات ذات طابع سياسي بحت أو لمصالح بناء مؤسسات كهنوتية تقاتل بإسم الرجل لكنها في الحقيقة تقاتل ضده.

لقد إغتال ابن ملجم علياً وهو في سجدته، لكن التاريخ سيؤكد بعد ذلك أن الرجل قتل مرتين، مرة على يد عدوه ابن ملجم، تلك التي جعلت منه شهيداً، ومرة على من يدعي محبته منافقاً ومتاجراً ويسوِّقه بطائفية مقيتة.

وإن شر القتلتين هي القتلة الثانية، وهي قتلة تحاول أن تسرق من الرجل عظمة القيم الأخلاقية التي إستشهد من أجلها.

وأجزم لو أن الرجل يستيقظ من ميتته، لساعة، لصاح في وجوه الكثيرين من أولئك الذين يدَّعون محبته "أيها المنافقون أنتم القتلة الحقيقيون". ولعمل سيفه في وجه كل كذاب دجال ومنافق، وحينها لن يبق في حكومتنا ولا في أحزابها الدينية، رجل يجرؤ على أن يدَّعي محبته في العلن ويقتله في كل ساعة وكل لحظة.

يا علي .. أنا لا أبكيك في قتلتك الأولى وإنما أبكيك في الثانية.

لأن الثانية هي شر القتلتين.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,357,606

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"