نعم إنه تأريخي لأن السياسات والتحالفات ورسم الجغرافية ستختلف تماما عما كانت عليه قبل إتفاق فيينا ، ذلك إستكمالا لما حدث بعد أحداث ١١ سبتمبر عام ٢٠٠١، بل وأشد على بلاد العرب والإسلام .
فالنخب الغربية السكسونية بعد صفقة فيينا مع إيران بدأت تعمل بالآتي:
١- تسويق ضجة سياسية وإعلامية مخدرة تدعي أن هناك خلافات شديدة وواسعة حول "إتفاق فيينا النووي" بين ألأحزاب التي تحكم أوربا وأميركا بالتناوب منذ الحرب العالمية الأولى ، وكذلك بين المؤسسات والدوائر الحاكمة!
الإختلافات المزعومة تهدف إلى تثبيت الإتفاق وذر الرماد في العيون،التي قد تلعب لعبة غير محسوبة كروسيا مثلا أو الصين أو غيرها ، وأهم هدف لتلك الإختلافات تهدئة عواطف العرب الحلفاء السابقين وتخديرهم ريثما تتكامل وتجهز الطبخة "قُدرات الإجهاز على من يريدون الإجهاز عليه في المنطقة" ، لأن الخطط مرسومة قبل عقود وحان وقت التنفيذ .
أقول للغرب كمواطن، غربي حيث أعيش وعربي حيث المولد والجذور، أزعم لدي شيء بسيط من المعرفة السياسية العربية والإسلامية ، أن العرب عرفوا اللعبة وأدركوا أن الغرب تحكمه النخب الغربية السكسونية بمؤسساتها الإقتصادية الضخمة والآديولوجية والفكرية المسيطرة على مؤسسات الدول الغربية كرئاسية وحزبية وبرلمانية ومدنية وغيرها ، التي تتمتع بهامش من الحرية السياسية المقيدة ، والتي للأسف لم يلعبها القادة العرب منذ عقود طويلة رغم علاقتهم بالغرب ومعرفتهم بلعبه.
٢- يبيع الغرب وأميركا "وَهْم" إلى العرب والمسلمين، سواء أن كانوا شعوبا أو حكاما ، هذا الوهم ، سياسي مثل لقاءات القادة وتداولهم شؤون المنطقة وربما العالم ، أو الوهم الإقتصادي كصفقات البيع والشراء وتطوير بعض الصناعات أو وهم عسكري كصفقات الأسلحة وهذا هو الأهم ، أو دبلوماسي كالزيارات المتبادلة أو غيرها من العلاقات الدولية كلها "أوهام" ، كذلك يبيع الغرب وخاصة أميركا "وهم" إلى الشعب العربي والأمة الإسلامية من خلال الإعلام الغربي والزيارات المكوكية إلى البلاد العربية.
وخاصة الإعلام الأميركي الداعي إلى الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وغيرها من العناوين البراقة الفارغة المضمون والمحتوى .
النخب الغربية لا تريد للعرب قيادة أنفسهم إطلاقا ، لأن في ذهنهم أن ذلك يشكل خطر عليهم وعلى حضارتهم ، فهم لا يريدون للعرب إلاّ ديمقراطية فوضى ودموية قادتها إرهابيون سطحيون ، كالتي جاءت بها أميركا إلى العراق ، أو كديمقراطية السيسي الدموية أو ديمقراطية إيران الطائفية العنصرية الشيفونية القامعة للأقليات الدينية والعرقية وحتى للأحزاب السياسية كمجاهدي خلق وغيرهم من الأحزاب الإيرانية ولا أريد أن أغوص في ديمقراطية أميركا والغرب إلى الشعب العربي والأمة الإسلامية بصورة عامة لأن ذلك يصدع الرأس .
الحقيقة التي يجب على كل عربي أن يدركها ويحفظها ، أن الغرب وعلى رأسه أميركا يمم وجهه صوب إيران علنا ، بعد أن كان ذلك في الغرف المعتمة ، متنكرا للعرب حكاما أولا ( الذين أسعفوه في كل محنه وأزماته السياسية والإقتصادية والعسكرية ووقفوا إلى جانبه في حروبة الباردة والفعلية) ومحكومين ثانيا (الذين صدّقوا إدعاءات ديمقراطية أميركا الكاذبة ، فلو كانت صادقة لحثت الحاكم والجهات السياسية الفاعلة في البلدان العربية على التصالح وتدارس الوضع القائم للوصول إلى حلول ترضي كل الأطراف دون اللجوء إلى العنف والتخريب ، ولكنها لا تريد للعرب ذلك أبدا ، وخير مثال ما حصل لثورة الشعب المصري ، فَسُرِقَت الديمقراطية من العرب بدعم إرهاب السيسي وغيره بمساعدة أميركا والغرب ) .
ولا ننسى دعم الغرب وأميركا لديمقراطية الإرهاب الصفوي ، وتمكين الملالي من السيطرة على ثورة الشعوب الإيرانية ، وأميركا والغرب يعلمون أنه لا وجود للديمقراطية في إيران إطلاقا ، وإنما هي ديمقراطية إرهابية همجية صفوية طائفية عنصرية إقصائية كما جاء في دستورهم " .
الدعم الأميركي للصفويين الجدد بدأ منذ ثورة الشعوب الإيرانية لأسباب كثيرة وأهمها:
١-آيديولوجي: الغرب يعلم أن العرب متمسكون بعقيدتهم ، ولديهم قرآن والرسول محمد صلى الله عليه وسلم منهم ولم ولن يتخلوا عن عقيدتهم ونبيهم وثقافتهم وأصولهم الإجتماعية .
في الطرف الآخر إيران، عندها مهدي غائب وخرافات وتكره العرب والإسلام وتحاربهما لأسباب تأريخية معروفة وهذا ما يسيل له لعاب النخب الغربية أكثر من المحصول الإقتصادي لإتفاق فيينا.
٢- غفلة العرب وإرتخائهم: العرب ليس لديهم مشروع وهم متناحرون فيما بينهم للأسف ومعتمدون على الحليف ومشاريعه الفضفاضة.
٣- الإسلام عالمي النزعة والهدف، والقرآن دستور متكامل للبشرية جمعاء. في مقابل فلسفات فارسية خرافية عتيقة ترفضها النفس السوية وتسئمها الآذان الصافية.
وهناك أسباب كثيرة عقدية وفكرية ،إقتصادية وسياسية وتاريخية وغيرها لا أريد أن أذكرها حاليا ، إختصارا وحتى لا أكون سابقا للأحداث.
لذا أنصح الساسة العرب وأصحاب الفكر سواء كانوا حاكمين أو محكومين أن يقرؤوا المقابلة التي أجرها الصحفي الأميركي توماس فريدمان مع الرئيس الأميركي السيد باراك أوباما،الذي ذكر فيها كلمة العرب السنة أكثر من 10 مرات ولم يذكر إيران الشيعية الطائفية إلا مرة واحدة .
إضافة إلى الكلمات والعبارات الدالة على إستدارة الإدارة الأميركية ب ١٨٠ درجة بإتجاه إيران .
ومن خلال حديث السيد أوباما مع الصحفي يعطي للقاريء إنطباعا أن إيران قوى عظمى في المنطقة، وكأنه يغازل بذلك علي لاريجاني، الذي قال "الكويت بعدنا الإستراتيجي، وإذا وقف العرب بوجة إيران العظمى سنعيدهم إلى مكة" وهذا ما أشرت إليه في حينه في مقالي {العرب وفرصة الوقت الضائع} وكررته عدت مرات في مقالاتي المطولة، وكذلك ذكرت قولا آخرا لعلي لاريجاني محدثا خافير سولانا في عام ٢٠٠٥ على هامش المباحثات "النووية الكاذبة " حيث قال "الخليج الفارسي بحيرة شيعية اكملوا المهمة وسنوقع لكم على ورقة بيضاء بنفط وغاز المنطقة" ، ويقصد بالمهمة إحتلال العراق وتدميره، وإكمال المهمة يعني تدمير منظومة الخليج العربي. نسأل الله أن يرد كيدهم إلى نحورهم.
أرجو من قيادتنا العربية الواعية أن تنتبه لما بعد هذا الإتفاق المشؤوم وإلى زوبعة التسويق السياسي والدبلوماسي والإعلامي، وأن لا تنخدع بالكلمات الشفوية وتنخرط بما يريده الغرب وعلى رأسه أميركا، لأنه فخ لقتال إخوة الدم والعقيدة وإمتصاصا للمال ومضيعة للوقت مقابل شراء "وهم" من أميركا والغرب.