منْ الأولى بالوصاية الدولية؟!‏

جاسم الشمري

أنشئ نظام مجلس الوصاية التابع لمنظمة الأمم المتحدة، بعد قيام المنظمة، ليطبق على الأقاليم ‏غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ولاسيما الأقاليم التي كانت تخضع لدول المحور. إذ أنشئ "مجلس ‏الوصاية" لرعاية مصالح شعوب تلك الأقاليم، والأخذ بيدها نحو الحكم الذاتي والاستقلال.‏

وبحسب الموقع الرسمي للمنظمة الدولية، فإن مجلس الوصاية علّق أعماله في 1 تشرين الثاني ‏‏(نوفمبر) 1994، بعد أن استقلت بالاو في ذلك التاريخ، وهي آخر إقليم مشمول بوصاية الأمم ‏المتحدة. وعليه، عدّل المجلس نظامه الداخلي بحيث لم يعد يتضمن الالتزام بالاجتماع سنوياً، ‏ووافق على أن يجتمع حسب الحاجة، بقرار منه، أو من رئيسه، أو بناء على طلب أغلبية ‏أعضائه أو الجمعية العامة أو مجلس الأمن.‏

والوصاية في القانون تحدث في "حالة فقدان الولي الشرعي للأهلية، أو الأسباب الشرعية التي ‏تجعل منه قيماً على أبنائه، كالسفه مثلاً، فينتقل الأمر في هذه الحالة إلى وصي يتم تعيينه من ‏خلال المحكمة، ويقوم مقام الولي الأصلي".‏

ويبدو أن بعض السياسيين العراقيين صاروا يستخدمون هذه المفاهيم لضرب مخالفيهم. ‏فالأسبوع الماضي، وخلال مقابلة مع قناته التلفزيونية الشخصية "آفاق"، شن نائب رئيس ‏الجمهورية العراقي نوري المالكي هجوماً عنيفاً على المملكة العربية السعودية، أكد فيه "على ‏أن جذر الإرهاب والتطرف والتكفير هو من المذهب الوهابي في السعودية، وأن الحكومة ‏السعودية غير قادرة على ضبط هذا التوجه الوهابي التكفيري. ولعجزها، أنا أدعو أن تكون ‏السعودية تحت الوصاية الدولية، وإلا سيبقى الإرهاب يتغذى من أموال السعودية، وينمو على ‏حساب السعودية وبيت الله الحرام، وبقاؤها هكذا سيدمر الجسد العربي وغير العربي".‏

والكلام ليس مجرد نزوة سياسية طفت إلى السطح خلال مقابلة تلفزيونية، وإنما هو موقف ‏رسمي من فم نائب رئيس الجمهورية حالياً، ورئيس الوزراء السابق، وزعيم حزب الدعوة، ‏الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي.‏

وبمتابعة تطورات الأحداث، لم نسمع أو نقرأ استنكاراً حكومياً يتعلق بتصريحات المالكي. ‏وهذا يعني موافقة حكومية غير مباشرة على تلك التصريحات، التي دمرت الأسس البسيطة ‏التي بُنيت عليها العلاقات العراقية-السعودية مؤخراً. وباعتقادي، فإن هذا التصريح أجهض ‏المحاولات الدولية والإقليمية الساعية إلى إعادة المياه لمجاريها بين البلدين.‏

وبمراجعة واقع حال العراق وغالبية دول العالم، يمكننا أن نجزم أن الدولة العراقية الحالية ‏أولى بالوصاية الدولية من غيرها، وذلك للأسباب الآتية:‏

‏1 - وقوف غالبية السياسيين مع دول الاحتلال، وتشجيعهم لاحتلال وخراب بلدهم.‏

‏2 - فشل غالبية السياسيين في ترتيب وتنظيم مؤسسات الدولة. وبالتالي، صار العراق من ‏الدول التي يشار إليها بالفشل والضياع. ‏

‏3 - فشل الشراكة السياسية بين غالبية المشاركين في اللعبة السياسية، فصارت العملية ‏السياسية جزءاً من المشكلة، وليست جزءاً من الحل.‏

‏4 - فقدان الحكومة سيطرتها على نصف مساحة البلاد تقريباً، والدولة اليوم منقسمة إلى ‏نصفين: الأول بيد الحكومة ومليشياتها، والآخر بيد تنظيم "داعش".‏

‏5 - تابعية القرار الرسمي، بشكل علني وواقعي، للجارة إيران، نتيجة غياب الدور التنفيذي ‏والتشريعي في عموم السياسات الداخلية والخارجية، والذي نتج عنه ضعف الجهد الدبلوماسي ‏في المحيطين العربي والدولي في السياسة الخارجية لانعدام الاستقلالية في القرار السياسي، ‏وأكبر دليل على ذلك تصريح المالكي الأخير.‏

‏6 - ضياع هيبة الدولة، والانتشار العلني للمليشيات في عموم الشارع العراقي.‏

‏7 - انهيار المنظومة الاقتصادية، وتفشي الفساد الإداري والمالي في غالبية مؤسسات الدولة ‏العسكرية والمدنية.‏

‏8 - تفشي الخراب في غالبية المؤسسات القضائية التي أصبحت معولاً بيد غالبية الأطراف ‏العسكرية والمدنية في البلاد.‏

هذه الأسباب وغيرها، تدفعنا لإعادة التأكيد على أن الحل الجذري للقضية العراقية الشائكة ‏يكمن في عقد مؤتمر عالمي لتدويل القضية العراقية، والضغط الإقليمي والدولي على الدول ‏المتوغلة في الشأن العراقي لترك البلاد لأهلها. وباعتقادي أن هناك العديد من الدول في ‏المنطقة قادرة على القيام بهذا الجهد الدبلوماسي، ومنها المملكة العربية السعودية.‏

فهل بعد هذه الأدلة أي كلام يا دولة نائب الرئيس؟!‏

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,352,679

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"