#العراق الجديد‏ دولة الميليشيات والعصابات

‏علي الكاش

يقول فولتير إن "الذين يجعلونك تؤمن بما يخالف العقل، قادرون على جعلك ترتكب الفظائع".‏

 

كشف مصدر أمني في محافظة البصرة جنوب العراق بأن الميليشيا (حزب الله العراقي) التي ‏أختطفت العمال الأتراك في الثاني من شهر أيلول الجاري أطلقت سراح إثنين من المختطفين، وقد ‏تم العثور عليهما قرب مستشفى تركي قيد الإنشاء، وكانوا معصوبي العين، طبعا موثوقي الأيدي ‏والأرجل. ولم تؤكد حكومة العبادي الخبر، ولم تعلق عليه بتاتا، كأن الأمر لا يعنيها. ‏

في مقال سابق ذكرنا بأن العبادي هو المسؤول المباشر عن الحشد الشعبي وهو أيضا القائد العام ‏للقوات المسلحة وهذا يعني وجود إشكالية في عملية الخطف ذاتها على إعتبار أن الجهة التي ‏أختطفت العمال الأتراك، والجهة التي تحاول إطلاق سراحهم يخضعان كلاهما الى سلطان رئيس ‏الوزراء حيدر العبادي. وهذا يعني إحتمالين: ‏

اولهما: أن حزب الله العراقي تمرد على رئيسه المباشر حيدر العبادي(رئيس هيئة الحشد يرتبط به ‏مباشرة). ‏

ثانيهما: إن العملية تمت بالإتفاق بين الطرفين الحكومي والميليشياوي للضغط على الجانب ‏التركي، وقد رجحنا الإحتمال الأول.‏

لاشك أن عملية إطلاق سراح المختطفيين هذه والتي سيتبعها إطلاق سراح بقية المختطفين بسلام ‏يستقرأ منها المشاهد السياسي موقفا شاذا، ويستنتج جملة من الملاحظات:‏

‏1. التمرد على حيدر العبادي.‏

على الرغم من حزمة الإصلاحلات التي زعمها العبادي والتي لم ينفذ منها شيئا، وهي إجراءات ‏تقشفية وليست إصلاحية ومحدودة الأثر، لأنه من أقالهم من الوزراء والوكلاء والمدراء العامين ‏وغيرهم بقيت رواتبهم ومخصصاتهم سارية المفعول، كما يقول المثل " كأنك يا بو زيد ما ‏غزيت"، كما إنه لم يعتقل أي من حيتان الفساد لحد الآن. وقد إعترض ملالي إيران على ‏الإصلاحات الهامشية ورأوا فيها تقويضا لحكم الشيعة وخشوا من توسعها، سيما ان التظاهرات ‏إنتقدت ولاية الفقيه ومرجعية النجف. لذا أرسلوا على عجل الجنرال قاسم سليماني خلال إجتماع ‏البيت الشيعي وأبلغ الرسالة بوضوح لكافة الأطراف الشيعية المتحالفة في الحكم. ويبدو أن العبادي ‏مصر على تفريغ شحن من الإصلاحات المزعومة بين تارة وأخرى، وهذا الأمر يعني تحدِ سافر ‏لإرادة ولاية الفقية، لذا صدرت الأوامر للميليشيات العراقية التابعة لولاية الفقية بالتمرد على إرادة ‏العبادي أو كما يقول المثل العراقي"جرة إذن". لكي يعرف حجمه الحقيقي فهو قزم وليس ماردا ‏على أقل تقدير أمام ولاية الفقيه. ويمكن القول أن القوادم من الأيام ستشهد المزيد من التوترات بين ‏العبادي من جهة والميليشيات الشيعية من جهة أخرى.‏

‏2. التمرد على مرجعية النجف.‏

سبق أن اعلنت مرجعية النجف شجبها لعملية الإختطاف وطالبت بإطلاق سراح العمال الأتراك ‏المختطفين وجاء في بيان‎ ‎المرجعية" إننا إذ نؤكد على انّ التعرّض لأولئك الأبرياء الذين لا‎ ‎دور ‏لهم في أحداث المنطقة ومآسيها عمل غير اخلاقي وعلى خلاف الضوابط‎ ‎الشرعية والقانونية وهو ‏مدان ومستنكر جداً. نطالب بإطلاق سراح المختطفين‎ ‎والكفّ عن هذه الممارسات التي تسيء إلى ‏صورة الدين الإسلامي الحنيف ومذهب‎ ‎أهل البيت عليهم السلام، وتؤدي إلى إسقاط هيبة الدولة ‏واضعاف الحكومة‎ ‎المنتخبة". يلاحظ أن هذه هي المرة الأولى التي تشن فيها المرجعية حملة قوية ‏على الميليشيات الشيعية التي تمارس الإرهاب تحت راية الحسين بن علي، رغم إنها قتلت ‏عشرات الألوف من العراقيين ونهبت وحرقت ودمر المؤسسات الحكومية والأهلية بما فيها بيوت ‏الله، وما تزال تخطف وتغتال وتسرق وتدمر بحرية تامة دون أن تنبس المرجعية بكلمة واحدة. ‏

من المؤكد ان السبب في هذا الموقف الجديد هو محاولة المرجعية ركوب موجة التظاهرات رغم ‏أنها هي التي شرعنت الفساد وزكت وباركت الفاسدين ودعت أتباعها الى إنتخابهم، لكن أصابع ‏الإتهام التي وجهها المتظاهرون للمرجعية من خلال الشعارات ورجم وكيل المرجع الأعلى ‏بالحجارة والأحذية جعلتها تعيد حساباتها، فقد تحول خط المرجعية الأحمر الى أخضر، والنار ‏وصلت إلى أطرافها، وهذا يعني مستقبلا تمرد الشيعة من تقديم الخمس لها وبالتالي الى إفقارها ‏وإذلالها. الخمس هو أهم ما يهم المرجعية، إنه حبل المشيمة الذي يغذيها ويُحييها. وهذا يفسر لنا ‏الغرض من إستفسار السيستاني من مواطنه الخامنئي حول حدود نفوذ الجنرال سليماني في ‏العراق الذي أخذ ينعكس على سمعة المرجعية وهيبتها عند أتباعها. مع هذا فقد تمردت ميليشيا ‏حزب الله على طلب المرجعية بكل جسارة ورفضت ان تنفذه، وهذه رسالة واضحة من ميليشيا ‏حزب الله العراقي للمرجعية في النجف بأنها لا تستلم الأوامر من مرجعية النجف وانما من ‏مرجعية قم حصرا.‏

‏3. العراق مستباح أمام الميليشيات

لا أحد يجهل بأن حشرة صغيرة وليس عناصر ميليشيا وعدد كبير من المختطفين في موكب ‏مهيب من السيارات الحكومية يمكن أن يفلتوا من مئات السيطرات ما بين بغداد والبصرة، ان ‏إنتقال المختطفين من بغداد الى البصرة كما يبدو كان الغرض منه إيصال المختطفين الى إيران، ‏فولاء البصرة معروف ولا يستطيع احد ان يجافي هذه الحقيقية، لكن تدخل المرجعية والسفارة ‏الأميركية ألغى المحاولة، مع هذا فقد أثبت هذه المحاولة بأن ولاء  الجيش والشرطة للميليشيات ‏وليس للقائد العام للقوات المسلحة، فليس من المعقول والمنطق ان لا يوجد عسكري واحد في هذه ‏السيطرات ونقاط التفتيش لا يكن الولاء للعبادي ويخبره عن تحرك المختطفين من بغداد  الى ‏البصرة مرورا بمعظم محافظات الوسط والجنوب! وهذا يقود الى نتيجة أخطر، وهي ان ولاء ‏الإستخبارات العسكرية وبقية الجهات الأمنية ليس للعبادي وإنما للميليشيات الإرهابية، والا كيف ‏غفلت الإستخبارات عن هذا التحرك ولديهم عناصر في معظم نقاط التفتيش؟ لا شك ان هذه العملية ‏تعني حرية التحرك للميليشيات دون الإكتراث بنقاط التفتيش، وأن بإمكانها الإنتقال بسهولة في ‏الوسط والجنوب دون رادع، فلا هيبة للحكومة في ظل الميليشيات.‏

‏4. تسقيط العبادي وحكومته

عملية الإختطاف هي بحد ذاتها تحدي كبير للعبادي الذي وقف عاجزا أمامها، بالرغم من ارتباط ‏الحشد الشعبي به، فلا الحشد الطائفي قدم له الولاء ولا الجيش والشرطة وبقية الأجهزة الأمنية التي ‏يتزعمها قدمت له الولاء، خرج من المولد بلا حمص كما يقول المثل. إن شخصيته المهزوزة ‏وضعف إرادته، وتخبط قراراته هي التي تقف وراء عدم إحترام زعماء الميليشيات له. وإلا كيف ‏يمكن لوزير سابق مثل هادي العامري ان يسخر منه ومن جيشه منوها ان الحشد وليس قوات ‏العبادي قادرة على تحرير الفلوجة؟ وكيف يجرأ زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي ‏ان يهدد العبادي  دون أن  يجرأ الأخير على حسابهم أو مجرد نقد تصريحاتهم أو حتى التعليق ‏عليها. هذا الضعف إعطى بلا أدنى شك جرعة مضاعفة للميليشيات لتتحدى العبادي وتستهين به.‏

‏5. الحكومة تستغيث بنظام الملالي!‏

بلا أدنى حياء إعترفت حكومة العبادي عن عجزها في حل مشكلة المختطفين الأتراك وإقناع ‏ميليشيا حزب الله بإطلاق سراحهم، وفي محاولة بليدة أكدت بأن نظام الملالي يقف وراء العملية ـ ‏وهذه حقيقة يدركها أي مواطن لبيب ـ لأن حزب الله العراقي يأتمر بإمرة إيران ومثل هذه العملية ‏الخطيرة لا يمكن أن تتم دون إيعاز او على الأقل التشاور مع نظام الملالي. لذا تم الإيعاز الى نائب ‏رئيس الجمهورية أسامة النجفي وهو المقرب من تركيا ـ لا يزال في منصبه ـ بأن يطلب تدخل ‏إيران في مسألة الأفراج عن المختطفين. وقد تزامن مع هذا الطلب إعلان السفير الإيراني في ‏العراق بإستعداد حكومته التشاور مع حزب الله العراقي والمساعدة في إطلاق سراح المختطفين. ‏وهذه إهانة مضاعفة للحكومة العراقية التي تطلب مساعدة دولة مجاورة للإفراج عن مختطفين ‏على أرضها لدي ميليشيا عراقية يدعي العبادي بأنه المسؤول المباشر عنها، بإعتبارها أحد ‏تشكيلات الحشد الشعبي الأساسية.‏

‏6. رسالة حزب الله العراقي للعرب ودول الجوار

بهذه العملية الإرهابية وضع حزب الله العراقي النقاط على الحروف ورفع الغشاوة عند البعض من ‏الأنظمة التي لا تزال تنظر للعراق نظرة تخالف الواقع المؤلم. العراق الآن هو بلد الميليشيات ‏والمافيات الإجرامية، والحكومة أضعف من أن تحمي نفسها وليس الشعب والمؤسسات الأجنبية ‏ورعاياها، وان ولاء الميليشيات لإيران وليس لرئيس الوزراء العبادي، وأن العراق كله مستباح ‏أمام الميليشيات. ومهما يقال عن التأثير السعودي والقطري والتركي في القرار العراقي فأن هذا ‏الأمر لا صحة له، القرار الأول والأخير بيد الخامنئي وصنيعته الجنرال سليماني والسفير الايراني ‏في العراق.‏

‏7. رسالة حزب الله العراقي الى العراقيين

أرسلت ميليشيا حزب الله رسالة قصيرة للعراقين بأن اليوم للعبادي لكن غدا للحشد الشعبي، وهذا ‏يفسر قول الكثير من عناصر الحشد الطائفي بأن مستقبل العراق بيدهم! والحقيقة ان زعماء الحشد ‏يثقفون عناصرهم وفق هذه الرؤية المستقبيلة. وما كان سرا البارحة كُشف عنه اليوم بكل صراحة. ‏فقذ صرح قيادي في ميليشيا الحشد الطائفي بأن" قيادة الحشد تسعى‎ ‎للوصول إلى سدة الحكم في ‏العراق، لافتاً إلى أن قائد ميليشيا بدر، النائب‎ ‎البرلماني هادي العامري، هو المرشح الأبرز لتولي ‏رئاسة مجلس الوزراء خلفاً‎ ‎لحيدر العبادي، بعد الإطاحة بالحكومة الحالية". وقد تزامن مع هذا ‏التصريح تصريحا آخر من قيادي في ميليشيا عصائب أهل‎ ‎الحق لوكالة ( الخليج اون لاين) جاء ‏فيه" موعد السيطرة على الحكم من‎ ‎قبل الحشد الشعبي بات قريباً"، موضحا أن من أهم الأسباب ‏التي دعت إلى تسريع تنفيذ هذه‎ ‎الخطة سياسة العبادي الذي أمر‎ ‎بتمرير قانون الحرس الوطني، ‏وعدم إعطائه الدعم الكافي للحشد لتحرير المناطق‎ ‎التي يسيطر عليها داعش". علما أن قرار ‏الحرس الوطني ولد ميتا!‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,902,647

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"