ماذا يريد الدب الروسي؟!‏

جاسم الشمري

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يظهر التدخل الروسي العسكري في المنطقة بشكل ‏علني وكبير إلا في بعض القواعد العسكرية التي بنيت هنا أو هناك، وربما تناساها ‏الكثير من المتابعين للسياسات الخارجية الروسية، وذلك بسبب ركودها، وأعمالها ‏الروتينية، وهذا الكلام يشمل المنشآت العسكرية الروسية في طرطوس واللاذقية ‏السوريتين.

التدخل الروسي المفاجئ في الملفين السوري والعراقي يثير جملة من علامات ‏الاستغراب والاستفهام، وحجة هذا التدخل - مشابهة لحجج التدخلات الأخرى، ‏الأميركية والدولية - هي مكافحة الإرهاب، لكن في الحقيقة الروس يريدون أن يوقفوا ‏انهيار نظام بشار الأسد - كما فعلوا منذ أكثر من أربع سنوات - لكن هذه المرة وجدوا ‏أن النظام - إن لم يتدخلوا بصورة مباشرة - سيكون في مهب الريح، وبالتالي ضياع ‏آخر قواعدهم في المنطقة.‏

خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام الجمعية العامة كان صريحاً، وكان بمثابة ‏الضوء الأخضر لانطلاق الضربات الجوية الروسية على مواقع القوات المعارضة ‏لنظام الأسد، سواء من مقاتلي تنظيم الدولة "داعش"، أو من بقية الفصائل، التي أعلن ‏بعض قادتها أن عناصرهم قد وقعوا ضحية للضربات الجوية الروسية في اليوم الأول ‏لتلك الهجمات، وهذا يؤكد أن الروس ضد كل من يستهدف النظام السوري كائناً من ‏يكون!‏

الإنقاذ الروسي لنظام الأسد لم يكن مفاجئاً لأن روسيا وقفت مع النظام دبلوماسياً ‏وعسكرياً منذ أن انطلقت الثورة الشعبية السورية، لكن المفاجئ هو الدخول الروسي ‏العلني في إدارة الملف العراقي، وهذا ما لم يكن بالحسبان - على الأقل - لدى غالبية ‏المتابعين للشأن العراقي.‏

في ظل هذه التطورات هناك من يعتقد أن مركز المعلومات الرباعي (روسيا، ‏العراق، إيران، سوريا) الجديد، ومقره ببغداد، سيسحب البساط من تحت أقدام القيادة ‏الأميركية في العراق!‏

وهذا الكلام – باعتقادي- تنقصه الدقة لأنه لا يمكن للأميركيين أن يسمحوا للروس، أو ‏لإيران، أو لغيرهما أن يلعبوا بالملف العراق دون إذنهم، وذلك لأنهم يعتقدون ‏بضرورة استمرار حضورهم في العراق لأنهم زعماء التحالف الذي أطاح بالعهد الوطني بقيادة ‏الرئيس صدام حسين، وعليه أقول- جازماً- إن التدخل الروسي الأولي في الشأن ‏العراقي عبر فتح مركز للمعلومات ببغداد تم بموافقة أميركية مسبقة. ‏

وأظن أن القيادة الأميركية أرادت – من وراء موافقتها أو صمتها على التطورات ‏المتسارعة في المنطقة - ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، فمن جهة ستضعف ‏تنظيم "داعش"، ومن جهة أخرى تعطي دوراً مرسوماً لروسيا في المنطقة، وكذلك ‏تضعف من قدراتها العسكرية نتيجة الحرب، التي لا يمكن التكهن بنتائجها بسهولة.‏

ورغم ذلك يمكننا أن نقرأ العديد من الرسائل وراء التدخل الروسي في المنطقة، ‏ومنها:-‏

‏- روسيا راجعة بقوة إلى منطقة الشرق الأوسط، وهذا يذكرني بموقف سابق لي حيث ‏التقيت سفير روسيا الاتحادية في إحدى العواصم العربية، وحينما سألته: متى ستعود ‏روسيا كقطب منافس لأميركا في العالم؟ رد علي قائلاً: خلال خمس سنوات ستعود ‏روسيا قوة مهمة في العالم.‏

وعليه فإن الدب الروسي عاد للمنطقة كلاعب مهم للحفاظ على مصالحه الإستراتيجية ‏بمباركة الولايات المتحدة التي بدأ دورها ينحسر بشكل أو بآخر.‏

‏- تأكيد القيادة الروسية على وقوفها، بل واستماتتها في الدفاع عن الأنظمة المدعومة ‏إيرانياً سواء في بغداد، أم دمشق، وهذا الأمر صار من المسلمات التي لا جدال فيها ‏لأن الروس يرفضون كل حل للقضية السورية يشمل إلغاء دور الأسد من المعادلة، ‏وهذا ما أكده بوتين في كلمته أمام الأمم المتحدة بأن" رفض التعاون مع الحكومة ‏السورية وجيشها سيكون خطأً كبيراً". ‏

‏- وجود إستراتيجية دولية جديدة في المنطقة، بتنسيق أميركي - روسي - إيراني، ‏والدليل مركز المعلومات الرباعي ببغداد، والمباركة الأميركية لتحركات الدب الروسي ‏في البلدين!‏

هذه الأسباب وغيرها تُؤكد أن الأيام المقبلة حبلى بالأحداث، وأن مؤامرة جديدة تُحاك ‏ضد المنطقة وشعوبها بحجة مكافحة الإرهاب، وأظن أننا أمام معادلة مزعجة ‏مرسومة بدقة لإعادة رسم خارطة المنطقة من جديد!‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,371,274

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"