هل يتفاعل المصريون مع بشائر الانتفاضة الفلسطينية الثالثة التي طال انتظارها، كما فعلوا مع انتفاضتي 1987 و 2000، أم أن النظام المصري سيتمكن بقبضته البوليسية الحديدية وعلاقته الحميمة مع (اسرائيل) من اجهاض أي محاولات من هذا النوع؟
لم يتخلف الشعب المصري أبدا، عن المشاركة مع اشقائه في الشعب العربي، عن نصرة فلسطين والتفاعل مع قضاياها، ودعم انتفاضاتها ومقاومتها.
وحتى في أعتى سنوات كامب ديفيد، لم يتمكن النظام الحاكم في ظل السادات أو مبارك، من ايقاف الزخم الشعبي المعادي للكيان الصهيوني والمناصر لفلسطين.
***
ومن ناحية أخرى كان للصمود والنضال الفلسطيني في مواجهة آلات القتل الصهيونية، بالغ الأثر في تشكيل الحركة الوطنية المصرية بكافة تياراتها، فكان له دورا رئيسيا في بناء وبلورة الوعي الوطني المصري، وترتيب الاولويات في برامج واجندات القوى السياسية، وكان له فضل كبير في ضخ دماء جديدة الى الحركة الوطنية المصرية، فآلاف مؤلفة من الشباب المصري بدأت الاهتمام بالِشأن العام والولوج الى عالم السياسة لأول مرة، من بوابة فلسطين.
***
لقد أصبح لكل جيل من أجيالنا، نضالاته ومعاركه وفاعلياته التي يعتز بها ولا ينساها ابدا، في مضمار الصراع ضد المشروع الصهيوني منذ بدايته و ضد (اسرائيل) و كامب ديفيد ونظامها الحاكم في مصر.
فلقد شاركنا في معارك فلسطين وتوحدنا مع قضاياها منذ قرار التقسيم وحرب 1948، مرورا باعتداءات 1956 و1967، وحربي الاستنزاف و 1973. ثم معاركنا ضد قبول وقف اطلاق النار واتفاقيتي فض الاشباك الاول والثاني وزيارة القدس واتفاقيات كامب ديفيد. وكذلك في اجتياح بيروت ومذابح صبرا وشاتيلا، وقضايا سليمان خاطر وثورة مصر. وانتفاضة الحجارة، وحرق الحرم الابراهيمي وانتفاضة الاقصى والعدوان على لبنان والاعتداءات المتكررة على غزة في السنوات الاخير، ومعارك كثيرة أخرى.
وعلى امتداد عقود طويلة، شكلت القوى السياسية المصرية بكافة تياراتها، مئات من التجمعات والمؤسسات واللجان لدعم القضية، مثل انصار الثورة الفلسطينية، واللجان الشعبية للتضامن مع الشعب الفلسطينى، ولجنة الدفاع عن الثقافة القومية، ولجان للاغاثة وفك الحصار، ولجان للمقاطعة ومقاومة التطبيع ومناهضة الصهيونية، ولجان لنصرة المسجد الاقصى ....الخ.
وشهدت شوارع مصر وميادينها وساحات جامعاتها ومقرات احزابها وقاعات نقاباتها مئات الفاعليات من قوافل اغاثة ومظاهرات ووقفات وندوات ومؤتمرات دفاعا عن فلسطين وتصديا ليكان العدو الغاصب وكامب ديفيد والتطبيع.
وكان الموقف من فلسطين ومن العدو الصهيوني ومن اتفاقيات كامب ديفيد ومن التطبيع، هو معيار الفرز الوطني الأول بلا منازع بين كل القوى والاحزاب والحركات والشخصيات السياسية والعامة.
***
وحين تفجرت الثورة المصرية، أعطى زخمها الثوري دعما اضافيا للقضية الفلسطينية، على الأقل في عامها الأول، بلغ ذروته بمحاصرة مقر السفارة الصهيونية في 9 سبتمبر 2011 وإغلاقها لأول مرة منذ توقيع المعاهدة. قبل ان تضربنا جميعا جرثومة الانقسام وكل ما ترتب عليه، وعلى الأخص ما نراه اليوم من علاقات تنسيق وتآلف وتحالف غير مسبوقة بين الادارة المصرية و(اسرائيل)، وصفتها في مقال سابق بالعصر الذهبى للعلاقات المصرية الصهيونيية.
***
واليوم وتحت وطأة الاجرام والجبروت الصهيوني غير المسبوق، وفي ظل تجاهل وتهميش دولي وعربي ومصري للقضية الفلسطينية، يفاجئنا الشعب الفلسطيني مرة أخرى، ببشائر انتفاضة ثالثة، تتصدى للاحتلال وتحاصره وتكسر جبروته وتوحشه، وتفضح التنسيق الفلسطينى والعربي مع كيانه، وتحيى الروح الوطنية وتصحح البوصلة العربية وتعيد القضية الى مكانتها الطبيعية على رأس أولويات القضايا العربية.
فهل نتركه، وحيدا منفردا، في مواجهة آلة الاحتلال والقتل والتهويد الصهيونية؟
هل نتواطأ مع العدو والنظام الرسمي العربي، بالصمت على اجهاض انتفاضة طالما انتظرناها وحلمنا بها؟
هل نصبح مثل كل زبانية العالم الذين يعربدون في اوطاننا بذريعة مكافحة الارهاب، ولا ينطقون حرفا عن جرائم (اسرائيل) أخطر كيان إرهابي في التاريخ؟
هل نترك جماعة كامب ديفيد وأصدقاء (اسرائيل) في مصر يواصلون تشويه وجه مصر الوطني؟
هل نتذرع بعجزنا أمام الحصار السياسي والقيود الأمنية لتبرير عزوفنا عن دعم الانتفاضة؟
هل نضيع هذه الفرصة التاريخية، لتصحيح بوصلة الثورة المصرية، بإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية ومواجهة العدو الصهيوني والتحرر من اتفاقياتنا معه، لتكون على رأس برامجنا السياسية؟
وهل نضيع هذه الفرصة لإعادة فرز صفوفنا على أساس الموقف من المشروع الأميركي الصهيوني: الموقف من التحالف مع الولايات المتحدة، ومن الاعتراف بـ(اسرائيل) والتنسيق معها، ومن دعم أو حصار الشعب الفلسطيني؟
هل نقبل أن نوصم بأننا الجيل الوحيد في التاريخ المصري الذى خذل انتفاضة فلسطينية؟