الحديث عن دور روسي جديد في العراق وسوريا والمنطقة، بعد تشكيل روسيا مركز تنسيقي استخباري في بغداد، بصفته هيئة عمل مشتركة لتبادل المعلومات والعمليات ورؤى للمتخصصين، يرتقي الى التحالف ويضم: ايران والعراق وسوريا، يثير تساؤلات عن ابعاد هذا الحدث واهدافة الاستراتيجية على صعيد الازمة السورية ومحاربة داعش، والعلاقات الروسية –الايرانية، والروسية – الأميركية.
منذ تفجر الازمة السورية ، كانت روسيا تخوض صراع وكالة غير مباشر في سوريا لدعم نظام بشار الاسد ، لا يتعدى تقديم الدعم اللوجستي والدبلوماسي الدولي ، بجانب قوات ايرانية وميليشيات عراقية وميليشيا حزب الله الايراني في لبنان، وكانت أميركا ودولاً غربية اخرى بجانب تركيا، تسعى لدعم جماعات اسلامية توصف بأنها معتدلة، تعمل على اسقاط نظام بشار الاسد.
في ظل هذة المعادلة المختلة ظهر تنظيم داعش، الذي تمكن في فترة قياسية ، من تهميش اطراف المعارضة المدعومة من الغرب، والسيطرة على نصف الارض السورية، والتمدد نحو العراق بالسيطرة على مدينتي الموصل والانبار، مما ادى الى ظهور متغير محلي خطير يهدد الامن القومي العراقي والسوري، ومتغير دولي أميركي اعلن الحرب الجوية على داعش.
ويأتي الدور الروسي بفعل متغيرين: اولهما، تداعيات الاتفاق النووي الأميركي -الايراني وغموضه ومخاطرة المستقبلية على المنطقة.
وثانيهما، تردد ادارة اوباما في اتخاذ قرارات حاسمة وافتقارها الى ستراتيجية واضحة في التعامل مع داعش .
لذلك يصح القول ان التقارب الروسي _الأميركي لم يفاجيء المراقبين، بل جاء في اطار محاولة أميركية لاستدراج الدب الروسي الى المستنقع السوري والعراقي، وتوريطه في محاربة داعش، تذكرنا بالفخ السوفيتي في افغانستان عام 1979 ، الذي استنزف القدرات الاقتصادية السوفيتية ، واجبر قواتها على الانسحاب من افغانستان ، والى تدهور المكانة السوفيتية العالمية ، وبالتالي انهيار الاتحاد السوفيتي المدوي عام 1991 . وهذا يقودنا الى تسليط الضوء على نقطتين :
1- العلاقات الروسية - الايرانية، التي التقت على هدف ابقاء بشار الاسد في الحكم ، من منطلق ان غيابة يمهد الطريق لوصول داعش الى السلطة في سوريا ، ويفرض الامر الواقع ، باقامة ما يسمى (دولة الخلافة)، الذي يشكل قيامها تحديا خطيرا على مستقبل المنطقة والعالم . وهذا التطور دفع روسيا الى التدخل العلني لتحقيق عدة اهداف:
اولا، اقامة تحالف دولي يضم العراق وسورية وايران وكوريا الشمالية ودولاً اخرى في اسيا.
ثانيا، ملء روسيا الفراغ في سوريا ، بعد تراجع الدور الأميركي سبيلا للاعلان عن ولادة قطبية روسية جديدة تتخذ من سوريا مركز ثقل وقاعدة انطلاق لدورها العالمي القادم.
ثالثا، خلق اختلال في القوة الأميركية العالمية .
ايران استغلت التدخل العسكري الروسي لتحقيق تمدد اكبر في المنطقة ، بعد ان احتلت العراق وتمددت في اليمن ولبنان ،وبالتالي وضع التفاهمات مع روسيا لاحتواء سوريا، الا ان روسيا تبقى حذرة من التقارب الايراني التركي ، اذ تحاول انقرة ، تطويق الزحف الروسي الذي يمنع تمددها نحو الجنوب العربي .
2- العلاقات الروسية - الأميركية: يثير التدخل الروسي في سوريا استفهاما مرده هل جاء بمباركة أميركية؟ ام انه يبدو مقلقا للادارة الأميركية، لا سيما بعد وصف الرئيس اوباما التحرك الروسي بأنه خطأ استراتيجي، لانه يهدف الى اقامة نقطة ارتكاز عسكرية في سوريا ، والمنطقة، لذلك يسعى المخططون الأميركان لاستدراج ادارة بوتين الى معركة خاسرة.
والخلاصة، ان ما يجري في المنطقة من تحولات دولية غير مسبوقة، هو صراع على النفوذ والمصالح ، يذكر بالتحالفات الأميركية والسوفيتية بعد الحرب العالمية الثانية، فهل ان العالم مقبل على حقبة جديدة من الحرب الباردة، بمنظور المصالح، تؤدي الى ولادة عالم جديد والى اختفاء الاداة الدولية داعش، ام الى مزيد من الصراعات والتوترات؟