تحدثنا في الجزء السابق عن طريقة سانت ليغو للانتخابات المطبقة في العراق، منذ عام 2005 ، نتحدث في هذا الجزء عن بقية الطرق، والطريقة الأمثل للتطبيق في بلادنا.
حيث ان الانتخابات هي الطريقة التي تؤول من خلالها السلطة لإسناد السلطة في النظم الديمقراطية ، بل أصبحت في نظر المجتمع الدولي الطريقة الوحيدة لمنح الشرعية لأية سلطة ، بحيث أصبحت الفترة الانتخابية من أهم الفترات في حياة الشعوب السياسية والأسلوب الانجع للوصول الى التطبيق الأمثل للديمقراطية ، وتحقيق متطلعات الشعوب نحو الحياة الكريمة الحرة الآمنة .
تنظيم أية عملية إنتخابية يجب أن تعد بطريقة محكمة ليكون البرلمان ممثلا لجميع المواطنينبأمانيهم وتطلعاتهم وتوجهاتهم المتعددة ومصالحهم المتافاوتة أو أحيانا المتعارضة ، هذا الأمر لا يتحقق الا بأعتماد النظام الانتخابي المناسب للدولة يكون أقرب الى الأمثل لتحقيق متطلعات الشعوب ، ليصل الى البرلمان نواب يمثلون مختلف الاتجاهات السياسية والتيارات الكائنة في المجتمع .
حيث أن الظروف التاريخية، الثقافية، الإجتماعية، السياسية، الإقتصادية مختلفة بين الدول إختلفت فيها نظم الإنتخابات بسبب التكوين الاجتماعي والتقدم الحضاري للشعوب ومدى تطبيق الديمقراطية في نظامها السياسي القائم.
حيث أن للنظم الإنتخابية دور هام في تحديد نتائج الإنتخابات وتحقيق الأغلبية للإتجاه السياسي الذي يقود الحكم ، وحيث أن النظم الانتخابية ليست حيادية تمارس تأثيرا كبيرا في تمثيل القوى السياسية ونمط الحكم في البلاد ، لذا فإن إختيار إحدى هذه النظم ليس لأسباب تقنية وفنية ونظرية فحسب ، إنما يؤخذ بنظر الإعتبار النتائج المتوقعة للإنتخابات حسب الإتجاه السائد في الدولة ، فتعمل الاغلبية الحاكمة دائما على تبني النظام الانتخابي الذي يحقق لها مصالحها (1)
1- النظام الانتخابي المباشر: يقوم الناخب بموجب هذا النظام بإنتخاب أعضاء البرلمان مباشرة دون وسيط بدرة واحدة ، أي دورة إنتخابية واحدة . وتعتبر هذه الطريقة الأقرب الى المفهوم الحقيقي للديمقراطية تأخذ بها أغلب الدول المعاصرة لنها تمكن القاعدة الشعبية العريضة من ممارسة دورها في إختيار أعضاء البرلمان ، حيث يصعب الضغط عليها لضخامة عددها وتزيد من شعور الناخب بالمسئولية الملقاة على كاهلهم ، من المفروض أن يرفع لديهم الإدراك والوعي السياسي وتفهم الشؤون العامة وهذا ما يحققه الانتخاب غير المباشر ، أخذ بهذه الطريقة الدستور الألماني لعام 1919 ودستور النمسا لعام 1920 .
2- النظام الإنتخابي غير المباشر : بهذه الطريقة تكون الانتخابات على دورتين أو أكثر ، يتولى الناخب انتخاب (مندوبين) يشكلون مجمعا إنتخابيا ، يتولى المندوبون إختيار أعضاء البرلمان من بين المرشحين في مرحلة ثانية ، أما اذا كانت الانتخابات بثلاثة مراحل فإن المندوبين الذين تم إختيارهم من ناخبي الدرجة الاولى ، يتحولون الى ناخبين للدرجة الثانية فيقومون بإختيار المندوبين الذين يختارون أعضاء البرلمان في المرحلة الثالثة من العملية الإنتخابية (2) ويعاب على هذه الطريقة حصر انتخاب أعضاء البرلمان في ايدي عدد محدود من المندوبين رغم تمتعهم بالقدرة على إختيار أصلح العناصر من بين المرشحين بدعوى أنهم أكثر تأهلا للقيام بهذه المهمة من ناخبي الدرجة الأولى ، وأكثر خبرة في المجال السياسي ، وطبقت هذه الطريقة في فرنسا في الفترة من سنة 1958 لغاية سنة 1962 حيث تم انتخاب الجنرال شارل ديغول رئيسا للجمهورية ¸وتطبق حاليا على درجتين في إنتخاب رئيس الولايات المتحدة الأميركية .
3- الانتخاب الفردي : يقوم الناخبون في دائرة إنتخابية معينة بإنتخاب نائب واحد يمثلهم في البرلمان ، حيث يقسم إقليم الدولة الى دوائر إنتخابية صغيرة بحيث يتطابق عدد مقاعد البرلمان مع عدد الدوائر .
والنظام الإنتخابي الفردي يمكن الناخبين من معرفة المرشحين معرفة شخصية تمكنهم من اخيار الأفضل ، ويكون البرلماني أوثق صلة بالناخب يمكنه من نقل مشاكلهم ورغباتهم الى البرلمان وتحقيق ما يمكن تحقيقه ، لنتجنب مساوئ نظام الإنتخاب بالقائمة ويمكن تعديل هذه الطريقة بأن تكون عدد الدوائر الانتخابية بعدد المحافظات والاقضية أو حسب تسمياتها في كل دولة بدلا من أن تكون بعدد النواب برفع تمثيل النائب لكل (100) مائة ألف ناخب لتقليل كلفة العملية الانتخابية .
4- الإنتخاب بالقائمة : يقوم الناخبون في كل دائرة إنتخابية بإنتخاب عدد من النواب يمثلونهم في البرلمان ، حيث يقسم إقليم الدولة الى عدد من الدوائر الإنتخابية الكبيرة بأن تكون كل محافظة دائرة إنتخابية أو يكون إقليم الدولة دائرة إنتخابية واحدة ، يتم الانتخاب بنظام القائمة بعدة اساليب : الاقتراع للوائح المكتملة بالتصويت على القوائم المغلقة يلتزم الناخب التصويت للقائمة حسب ترتيب أسماء المرشحين دون أن يكون له حق في التعديل ، واللوائح غير المكتملة بالمزج بين القوائم ، فالناخب لا يكون ملزما بالتصويت على إحدى القوائم المتنافسة أنما له الحق بتشكيل قائمته الإنتخابية بالجمع بين أسماء المرشحين في القوائم المتنافسة ، وفي حالة إعتماد الانتخاب النسبي يمكن للناخب التصويت مع التفضيل بتغيير ترتيب أسماء مرشحي القائمة الواحدة وعدم الإلتزام بالترتيب الوارد في القائمة الذي يمثل رأي الحزب السياسي أو القائمة المترشحة ، هذه الطريقة إحدى أهم طرق خداع الناخبين حيث الناخب المرشحين كما يقوم الحزب أو الجهة السياسية بوضع أسم شخصية معروفة على رأس القائمة ثم يوضع اسماء شخصيات غير معروفة ، حيث تتولى قيادة الاحزاب خداع الناخب وتوجيه صوته الى الوجهة التي يريدونها فيدخل الى البرلمان أشخاص بأصوات القائمة والتسلسل الذي أختاره رئيس الحزب أو الجهة السياسية للمرشحين في القائمة ، فيكون الفائز خاضعا خضوعا تاما لتعليمات وتوجهات هذه القيادات الحزبية أو السياسية على حساب مصلحة الوطن والناخب ، بينما يرى البعض أن هذه الطريقة تدفع الناخب الى المفاضلة بين البرامج الإنتخابية والبرامج السياسية للأحزاب والكتل السياسية ، يمكن أن يكون هذا الرأي صائبا في الدول المتقدمة حيث يكون التنافس عبر البرامج الإنتخابية التي تدغدغ حقوق الناخبين وتطلعاتهم ، ويكون الناخب في هذه الدول على درجة عالية من الثقافة والمسئولية في وضع صوته في المكان المناسب للبرنامج الانتخابي الذي يحقق مصالحه أولا ، ثم البرامج الأخرى التي تخص السياسة الخارجية للبرنامج الانتخابي التي تأتي لدى هؤلاء الناخبين في المرتبة الأخيرة وهذا ما هو سائد في أوربا ، ولا يمكن في هذه الدول شراء أصواتهم بالمال أو الهبات العينية كما يحدث في دول العالم الثالث ، وهذا ما لاحظناه في الانتخابات البرلمانية العراقية لدورتي 2006و2010، أما النقد الموجه الى طريقة الانتخابات الفردية بأنها تؤدي الى المفاضلة على أساس الصلات الشخصية والعائلية والدينية لا يكون له تأثير على سير العملية الديمقراطية إذا وضعت شروط للناخب التي سنتطرق اليها عند مناقشة مجمل آليات العملية الإنتخابية .
5- النظم الإنتخابية غير الرئيسية : الى جانب ما تقدم توجد نظم إنتخابية غير رئيسية يمكن الأخذ بهما معا أو بإحداهما :
أ- نظام تمثيل المصالح والمهن : يهدف هذا النظام الى تمثيل المهن والمصالح للدفاع عن حقوقهم ومهنهم ومصالحهم ، طبق هذا النظام في فرنسا في القرن الثامن عشر وفي السويد في القرن التاسع عشر وفي النمسا في القرن العشرين ويطبق حاليا في مجلس لوردات بريطانيا ويطبق في مصر بموجب دستور 1971 بتمثيل العمال والفلاحين بنسبة 50% من أعضاء مجلس الشعب ولا يزال مطبقا فيها ، ومطبق في الاردن من خلال مجلس الاعيان بموجب الدستور الاردني ويكون تمثيل المهن والمصالح إما عن طريق تحديد نسبة معينة من المقاعد البرلمانية لهم ، أو بإنتخاب أحد مجلسي البرلمان في الدولة من اصحاب المهن والمصالح ويكون المجلس الآخر لتمثيل الاتجاهات السياسية أو تعيين عدد قليل منهم بقرار من رئيس الدولة كما هو الحال في مصر على ان لا يزيد عددهم عن عشرة اعضاء ، ويعاب عليه بأنه يؤدي الى حماية أصحاب المهن والمصالح أو التنافر بينهم أو تعارض مصالحهم مع مصالح الدولة العليا ، حيث بدأ هذا النظام بالتراجع .
ب- نظام تمثيل الأقليات الدينية والعرقية : يرى البعض أن هذه الأقليات لا تستطيع الوصول الى البرلمان بأصوات ناخبيها إذا لم يتم تحديد مقاعد لهم في دوائر انتخابية معينة ولا يحق لغيرهم من الترشح في هذه الدوائر الإنتخابية المخصصة لضمان فوزهم بأصوات ناخبيهم ، وفي بعض الدول تتيح لهم الترشح في الدوائر الانتخابية الأخرى مثل لبنان والاردن .
استعرضنا في مقالين النظم الانتخابية وفي المقالة القادمة نتناول إن شاء آليات العملية الإنتخابية ... للحديث تتمة
(1) د . عصام الدبس، النظم السياسية، الكتاب الاول، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الاردن ، عمان، 2013ط2، ص 220
(2) د. فيصل شطناوي، النظم السياسية والقانون الدستوري، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الاردن، عمان، 2005، ط 2، ص 180