لماذا تستهدف #روسيا المعارضة السورية المسلحة المعتدلة؟!

علي حسين باكير

تجزم الاغلبية الساحقة من التقارير المتعلّقة بتقييم نتائج العدوان الروسي على سوريا بأنّ الهجمات التي تمّ تنفيذها حتى الآن لم تستهدف تنظيم الدولة "داعش" بشكل أساسي كما يزعم الجانب الروسي وحلفاؤه، وأنّ معظم الضربات الروسية انما استهدفت في حقيق الأمر فصائل المعارضة المسلّحة المناوئة للأسد على اختلاف مسمياتها وعلى رأسها تلك المصنّفة بالمعتدلة.

وبالرغم من ذلك، تؤكّد موسكو في رسائلها السياسية والاعلامية على انّ هدفها الأساسي هو محاربة الارهاب، وأنّ دورها العسكري الاخير انما جاء استجابة لهذا المطلب. لكن هذه المعطيات تطرح تساؤلات عن تعريف موسكو للإرهاب أولا، وعن سبب إستهدافها لفصائل المعارضة المسلحة المناوئة للأسد باختلاف أنواعها دون تمييز بينها؟

الجواب الحقيقي على هذه الأسئلة يقع في قلب التاريخ الروسي نفسه. في منتصف عام 2013، كنت قد كتبت مقالا في مجلة المجلة بعنوان "الاستراتيجات العسكرية الهجينة في الجيش السوري: المنهج الروسي – الإيراني" ركّزت فيه على التغيّر الملحوظ في استراتيجية الجيش السوري النظامي من الفوضى المطلقة إلى الفوضى المنظّمة، و كيف تم توظيف فوضى العمل العسكري للجيش في سياسة هجينة تعتمد على ثلاث إستراتيجيات عسكريّة تعود في الأساس للجيش الإسرائيلي والروسي والإيراني، وهي:

1) إستراتيجيّة العقاب الجماعي (Collective Punishment)

2) سياسة الأرض المحروقة  (Scorched earth)

3)  إستراتيجية الحرب غير النظامية (Irregular Warfare)

كان من الواضح انّ النظام السوري يستمد سياسة الارض المحروقة التي يتّبعها من التجربة السوفيتية والروسيّة، وهذا ما يربطنا بالعمليات العسكرية التي تجريها روسيا اليوم في سوريا.  ما تقوم به روسيا اليوم لا يختلف عمّا قام به نظام الاسد خلال المرحلة الماضية ولكن بقوّة نيرانية أكبر.

جوهر هذه الاستراتيجية يؤدي في النهاية من الناحية السياسية الى القضاء على المعتدلين باختلاف تصنيفاتهم وتهيئة البيئة المناسبة لخلق المتطرفين الاكثر راديكالية ومن ثمّ تخيير العالم بين الوقوف مع هؤلاء أو مع الطاغية (النظام) عبر التركيز دوما على سؤال "البديل"، هذا ما قام به الاسد طوال السنوات الماضية وتستكمله روسيا اليوم.

عندما يتحدّث الروس دوما عن تجربتهم "الناجحة" في محاربة الارهاب، غالبا ما يشيرون الى حملتهم العسكرية التي أدّت الى تدمير الشيشان بشكل كامل وممنهج تحت اعين العالم بأسره، بل ويعملون على تقديمها كنموذج ناجح يحتذى به.  هذه الحملة على الشيشان تضمنت أيضا نموذجا عن تدمير "البدائل السياسية" لأي نظام موالي لموسكو في الشيشان.

جاكسون دييهل يشرح هذه النقطة في مقال نشر  له في الواشنطن بوست بشكل ممتاز جدا. يقول جاسكون أنّ سر التركيبة الروسية في هذه السياسة تقوم على التالي:  أولا، إعتبار كل المعارضات التي تعارض النظام معارضات "إرهابية" لا تمييز فيها بين المعتدلين والارهابيين الاكثر تطرفا. ثانيا، التركيز على هدف سياسي رئيسي وهو إلغاء البدائل للنظام القائم.

في الشيشان هزم أصلان مسخادوف ذو التوجه القومي غريمه الاسلامي في الانتخابات، أمّا سلفه جوهر دوداييف فيقال أنّه كان علمانيا لدرجة انّه لا يعرف كم مرّة يصلّي المسلم في اليوم، ومع ذلك قامت روسيا بقتل الرجلين وكل قيادي شيشاني معتدل وجدته في الداخل أو الخارج قبل ان تعيّن رمضان قاديروف الموالي لها رئيسا للشيشان.

في الجلسات الخاصة، غالبا ما كان الأميركيون يشيرون الى أنّ الجانب الروسي يقول لهم عند الحديث عن ضرورة مغادرة الاسد لكي تبدأ العملية الانتقالية، بسؤال "ومن هو البديل"؟.

في التحليل من الصعب على روسيا ان تعيد تمكين الاسد ليحكم البلاد بأكملها، كما أنّه من الصعب جدا تصور أزاحة الاسد من دون أن ينهار نظامه بشكل كامل. مهمّة روسيا الاساسية غير المباشرة التي تقوم بها في سوريا اليوم هي تدمير البدائل السياسية المحتملة أولا، ومحاولة التخطيط لكيفية بقاء نظام الاسد من دون بقائه هو شخصيا على رأسه (ان اضطرت للاستغناء عنه لاحقا) عبر ادارة مرحلة انتقالية مخطط لها. وعليه، ليس من المستغرب أن تكون الجماعات المسلحة المعتدلة في سوريا هم الهدف الأول لهجمة بوتين الجويّة، كما كانت المعارضة السياسية المعتدلة هي الهدف الاول لمبادرات موسكو الدبلوماسية سابقا (اجتماعات موسكو).

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,362,269

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"