داود البصري
في العراق الملتهب والمتشظي شعبه بنيران الحروب العبثية، والضائعة حكومته في منعطفات وملفات وأزمات مختلفة ومتنوعة، تتسابق مختلف السيناريوهات، وتتناطح مختلف الأجندات، لتقرير مستقبل ذلك البلد الذي تجري فيه معارك فاصلة ومغرقة في الدموية.
ففي ظل الحملة الدولية المتشابكة للحرب ضد الإرهاب، يجد العراق نفسه في وسط المعمعة بل إنه تحول ضمنا ومنذ سنوات ليكون (منطقة قتل) وساحة للتدريبات بالذخيرة الحية في إطار تلك الحرب الواسعة والمتنقلة!!، والتي حولت العراق للأسف لدولة طاردة لسكانها!.
وإزاء اشتداد أزمات الحكومة العراقية وتواصل مسلسل التراجع والفشل في مختلف الميادين، ودخول الدب الروسي على خط الأزمات الإقليمية الساخنة واستنجاد التيار الإيراني القوي في مفاصل السلطة العراقية به للاستعانة به على الطريقة السورية، تبدو عبثية المعادلة السياسية في العراق وكأنها مأساة إغريقية لا تريد أن تنتهي، فالحكومة العراقية وكل النظام السياسي العراقي الذي نشأ بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 مرتبط بعقد زواج كاثوليكي مع الولايات المتحدة، فلولا أميركا ما وصلت الأحزاب العراقية الحاكمة حاليا والبائسة سابقا لحدود العراق! وهو الأمر الذي أثار الإدارة الأميركية وأفزعها حينما تابعت دعوات الأحزاب المرتبطة مرجعيا وولائيا بالنظام الإيراني للروس للقدوم لبغداد!!
وكانت الزيارة المفاجئة لرئيس الأركان الأميركي الجديد، الجنرال جوزيف دانفورد، لبغداد مناسبة قوية لإعلان رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، الواضح والصريح بأن حكومته لم تقدم أي طلب دعوة مساعدة للحكومة الروسية وإن كل ما أثير مجرد إشاعات، وطبعا العبادي يتعرض لضغوط هائلة من جماعة حلفائه من أهل الأحزاب الإيرانية الساعين لإضعاف العلاقة مع الأميركان لصالح الحلف الإقليمي الروسي السوري الإيراني!!
وكانت قمة المفاجأة الدراماتيكية هو في العودة القوية والمفاجئة لأبرز الركائز العراقية الأميركية في العراق، وهو السيد عماد ضياء الخرسان، أحد رجال الحزب الجمهوري الأميركي والمستشار الأبرز للحاكم الأميركي الأول للعراق، الجنرال جي غارنر، ثم للسفير بول بريمر!،
وحيث أصدر حيدر العبادي قرارا حكوميا بتعيين الخرسان كأمين عام لمجلس الوزراء خلفا لمهدي العلاق في خطوة وصفها المراقبون بمثابة تركيز العين الأميركية الثاقبة على قلب السلطة في بغداد!، وهو الأمر الذي هز كثيرا أركان التحالف الطائفي الإيراني وأثار مخاوفهم من عودة الهيمنة الأميركية التي لم تغب يوما عن الساحة العراقية وإن فضلت التواري في بعض الأحيان إلا أن لا شيء جوهري يتم في بغداد من دون ضوء أخضر من البيت الأبيض، في وجود عماد الخرسان ذلك النجفي الهادئ الطباع الأميركي الجنسية والولاء ستتعزز القبضة الأميركية على محاور السلطة خصوصا وإن المرحلة القادمة ستشهد متغيرات كبرى على الصعيد الداخلي العراقي والإقليمي والعربي!
وواهم كل الوهم وساذج كل السذاجة من يعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تسلم الملف العراقي لأي طرف أو أن تسمح لأي طرف بالتجاوز على دورها الحالي أو المستقبلي في العراق.
ويبدو جليا أنه بعد انقشاع غبار المعارك الدائرة حاليا، فإن أمورا كثيرة ستتغير، والسيد عماد الخرسان هو دون شك رئيس الحكومة العراقية القادم، وإذا تطورت مقاومة التيار الإيراني في السلطة فإنه لا يستبعد أبداً أن تشهد بغداد إعلان (البيان الانقلابي الأميركي رقم 1)!!، فأوضاع وترتيبات المنطقة لا تتحمل المناورة أو الدبلوماسية!
العراق يقف على أعتاب مرحلة هي الأشد سخونة في تاريخه المتوتر..!





