لكي لا نضيّع رغبة القارئ بعدم التوضيح نذكر بأن البعير يتميز بأنه لا ينسى من اساء اليه ويبقى حاقدا عليه وينتظر يوما ينتقم فيه، لذلك اصبح البعير رمزا للاحقاد الدائمة.
قبل ايام ارسل لي مقال لكاتب تونسي وصف بأنه (مفكر كبير) قرات فيه عبارة تساوي القائد القومي الكبير جمال عبدالناصر بالسادات وحسني مبارك في منظومة فساد واحدة فكان اول رد فعل لدي على هذه العبارة الظالمة لناصر الذي مات وفي حسابة بعض القروش والجنيهات هو ان (المفكر التونسي الكبير) هذا مصاب بمتلازمة جين البعير.
واليوم قرأت مقالا لكاتب عراقي يتحدث فيه عن اعتذار توني بلير ويعدد جرائمه وشريكه بوش الصغير ويناقش اسباب غزو وتدمير العراق واهمها تدمير نظام الرئيس صدام حسين لكن الكاتب كعشرات الكتاب والساسة العرب يتجنبون السؤال الاهم وهو: لم قررت أميركا وبريطانيا ومعهما كل نغول ابليس في الكرة الارضية اسقاط صدام وتدمير النظام السياسي الذي اقامه البعث؟
المهم بالنسبة لهؤلاء هو ادانة بوش وبلير ولكن دون التطرق لأهم محاسن ومظاهر عظمة صدام التي كانت وراء الغزو، وهي ان صدام كان العقبة الاكبر امام التوسع الصهيوأميركي في الوطن العربي وهي حقيقة يثبت القفز من فوقها وتجنبها ان الكاتب مصاب بمتلازمة جين البعير.
كاتبة عربية تتناول فضيلة لصدام وهي انه كان عائقا امام المد الصفوي ودمره لعدة عقود لكنها تقع في فخ كليشة تعودناها تقول (رغم انني لا تفق مع الكثير من سياسات صدام) فما الحاجة لاستخدام هذه الكليشة اذا لم تكن تعبيرا عن الاصابة بمتلازمة جين البعير؟!
وعندما واجهت جهة ما – وهي جهة وطنية - قرارا ظالما وهي في حالة خلاف معنا كان اول من وقف ضد الاجراء الظالم نحن فكتبنا وحشدنا الجهد لادانة الظلم وبقلم عريض فشكرتنا همسا وخجلا وبالواسطة وليس مباشرة ولكن عندما تعرضنا لمظلمة تشويه موقفنا لم تبادلنا المثل بل ان محسوبين عليها كانوا اول من بدأ بتشويه الحقائق للاساءة الينا دون ان توقفهم! فهل يمكن تجنب الاستنتاج بانها متلازمة جين البعير؟
الكل يعترف وبالقلم العريض بأن صدام والبعث ضربا بقسوة لانهما بنيا وعمرا واشادا وفقا لمعادلة وطنية وقومية تتناقض مع المعادلات الصهيونية والأميركية والايرانية فكان قرار اسقاطهما قرارا استعماريا خالصا وبالتمام والكمال، ومع ذلك فان رد فعل بعض النخب العربية كان عبارة عن اطراء خجول او صمت مهول او انكار نغول! بينما كان رد الفعل الشعبي العربي عارما فعبرت الملايين عن حزنها وادانتها للاعدام. أليست تلك هي متلازمة جين البعير بعينها ولونها ومزاجها البرتقالي؟
شعرت وانا اتذكر تعبيرات منتقاة عن متلازمة جين البعير بأن امتنا تعاني من مشكلة كبيرة ربما اكثر خطورة من الاحتلالات والعدوانات الاجنبية على العرب وهي ان بيننا كثيرون لم يتحرروا من متلازمة جين البعير رغم انها اهم عوامل ديمومة الفرقة في زمن لابد فيه من التوحد لمواجهة الاحتلال والعدوانات الخارجية ! وعندما نتأمل هذه الظاهرة نلاحظ بوضوح بانها ضد قواعد التربية الاسلامية الحقيقية اضافة الى انها ضد بديهيات العمل الوطني ومتطلباته الاساسية .
وهذه الظاهرة اجبرتني على طرح سؤال مهم وهو:
هل لمتلازمة جين البعير صلة بتخلفنا وتراجعاتنا مقارنة بامم اخرى – ومنها امم اوربية - تقدمت رغم انها انطلقت بعدنا وتعلمت منا في القرون الوسطى لكنها تجاوزتنا وبقينا نحن نتراجع ؟
ثمة وقائع ربما لايعرفها البعض منها ان شعوب اوربا تخلد ابناءها الذين تميزوا اما بفكرهم او بانجازاتهم المادية باقامة نصب وتماثيل لهم وتسمية شوارع وساحات باسماءهم والاشادة بتميزهم وعبقريتهم حتى لو كانوا ينتمون لايديولوجيا اخرى وانخرطوا في صراعات سياسية حادة مع من اشاد بهم وتذكر فضائلهم .
رأيت في المانيا والنمسا وغيرهما شوارعا وساحات ونصب باسم كارل ماركس وانجلز، لان اصلهما الماني وابدعا فكرا رفض من كثيرين لكنه عد عبقريا فاستحقا ذلك، ومن اقام تلك النصب واطلق تلك التسميات حكومات وبلديات تعادي الشيوعية لكنها تحترم التميز. لهذا تقدمت اوربا، فعندما يعترف بالعبقرية وتقدر مهما كانت ايديولوجيا صاحبها فان الامة تكسب ابداعات كل ابنائها، اما عندما نرى بقلب البعير وليس بعين الحقيقة فننكر وجود عبقرية وانجاز كبير لدى خصمنا فاننا نطمر فضائلنا ونجبر مبدعينا على التحيز والتحيز هو اول كبوات الامم .
هل ديننا وثقافتنا القومية العربية ضد متلازمة جين البعير؟
نعم بالتأكيد فالقران الكريم يقول (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء..) وتلك اشارة واضحة للتعددية والتنوع الذي يفرض الاعتراف بها واحترامها، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص ، يشد بعضه بعضا)، (وقوله صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ). فهل تقيد ضحايا متلازمة جين البعير بذلك؟
وأكثم بن صيفي التميمي يقول (آفة الرأي الهوى) فالرأي اذا غلبه الهوى، اي المزاج، فسد ، والسيد المسيح العربي الهوية يقول (من ضربك على خدك الايمن فادر له خدك الايسر) ، والعرب قالت (الاختلاف في الرأي ...لا يفسد للود قضية) . اذن معتقدنا الديني وثقافتنا القومية ضد متلازمة جين البعير فمن اين اتت هذه المتلازمة واصبح بعضنا – كما علمت من اكثر من حادثة - يتمنى بل ويفضل بقاء الاحتلال على ان يحكمنا حزب قومي عربي ثائر فنتآمر عليه ونشوه صورته عمدا ونحن نعرف يقينا انه الاكثر اقتدارا على حسم الصراع واعادة البناء وانقاذ الشعب من كوارثه؟!
الثقافة الاوربية والغربية عموما هي ثقافة الاعتراف بالاخر – طبعا ضمن اممهم – وتجنب انكاره او عزله كليا، وهذا هو لينين قائد الثورة الشيوعية يقول بكل وضوح (الحقد موجه سيء في السياسة) وكتبت انا مرارا (الحقد اسوأ موجه في السياسة) وليس فقط سيئا، اما بسمارك بطل نهضة ووحدة المانيا – والذي قارن وياللغرابة مفكرون اوربيون صدام به يقول (الأنانية تولد الحسد والحسد يولد البغضاء والبغضاء تولد الاختلاف والاختلاف يولد الفرقة والفرقة تولد الضعف والضعف يولد الذل والذل يولد زوال الدولة وزوال النعمة وهلاك الأمة).
لقد اكتشف بسمارك اسرار القوة والضعف في هذه المعادلة الصحيحة فانتصر وحقق وحدة المانيا وضمن تقدمها اللاحق.
وهنري فورد رجل الاعمال الأميركي الناجح يقول (سر النجاح يكمن في أن تفهم الرأي الآخر) والفيلسوف الفرنسي فولتير يقول ما لم يقله غيره في دعم التعددية في الرأي (قد أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد أن أموت دفاعاً عن رأيك)! اي عظمة هذه التي تقدم النفس ضحية في سبيل رأي الاخر؟!
هل عرفتم الان لم تقدمت اوربا وتاخرنا نحن؟
الالماني والفرنسي والأميركي يفكرون بعقلية ترفض متلازمة جين البعير وتعدها وباء قاتلا يجب التحصن ضده والا هلكت الامة ، وبهذه العقلية وطريقة التفكير كسروا حواجز التخلف وتقدموا بتحقيق الجمع الخلاق بين الاراء المتناقضة والاستفادة من كل راي وتوجه بما في ذلك العائد لخصومهم. والدرس الكبير الذي علينا تعلمه هو ان الامم لا تبنى بسلوك صبيان يرفضون ان يأتي معلم سباحة لانقاذ من يوشك على الغرق مع انهم لا يتقنون السباحة !
ولعل اكبر واخطر مظاهر متلازمة جين البعير ظاهرة ان البعض يتمنى موت القادر والجاهز للانقاذ لمجرد انه ليس المصاب بمتلازمة جين البعير، بل من يعده خصمه ومنافسه حتى لو كان قمرا مضيئا مثل صدام والبعث.
فهل اسقاط صدام واجتثاث البعث صراع مصالح بين البعث والغرب والصهيونية كي نقف على الحياد او نتمنى هزيمة العربي المقاتل؟ ام انه نضال عرب ضد اعداء امتهم العربية ومن ثم فان الواجب يحتم دعمه والاعتراف بما انجزه؟
ولو ان صدام ولد وانجز ما انجزه في العراق في اوربا او أميركا او روسيا لكنا نرى الان ولعدة قرون احتفالات سنوية بذكرى ميلاد وذكرى استشهاد وذكرى كل انجاز عظيم لقائد فريد في بطولته وفريد في انجازاته ، ولأقيمت له التماثيل والنصب من قبل اشد خصومه عداوة ، ولكننا في امة تحرك نخب فيها متلازمة جين البعير وليس ضرورات التحرير.
ولكي لا نظلم البعير علينا تذكر انه لا يحقد الا على من اساء اليه اما المصابون بمتلازمة جين البعير فانهم يحقدون على اعظم رموز الامة فقط لانهم يختلفون مع احزابهم فكريا او سياسيا فماذا نطلق على هؤلاء واي متلازمة تناسب طباعهم الغريبة؟!