#عبدالرزاق_عبدالواحد‏ في باحة الخلود

علي الكاش

قال أبو العتاهية:‏‎

لا خير في حشو الكلا‎‎م إذا اهتديت إلى عـيونه‎

والصمت أجمل بالفتى‎ ‎من منطق في غير حينه

 

ذكَّرني موقف اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين من فارس الشعر العربي عبدالرزاق عبدالواحد، ‏بذلك الطفل الذي وقف أمام نخلة عالية وسأل أباه: أبي أليس بإمكاني الصعود الى قمة النخلة وجني ‏شيئا من ثمرها اللذيذ. فقال الأب: كلا يابني! لا يمكنك ذلك أنت أصغر من أن تفعل هذا! ربما ‏تتسلق بضعة امتار، لكن من المحال ان تصل الى قمتها، لكن يمكنك التمتع بمنظرها الرائع، ‏وشموخ كبريائها، وتذوق ما تتكرم به من تمرها الشهي.‏

الكثير من الكتاب الأفاضل إنتقدوا موقف اتحاد أدباء العراق في رفض نعي الشاعر الكبير عبد‏الرزاق عبدالواحد بعد أن هبت رياح التعازي على الفقيد من القارات السبع، والبعض الآخر ‏أعتبره موقفا مفاجئا أثار إستغراب العراقيين ودهشتهم سيما أن الشاعر بلا أدنى شك بيرق خفاق في ‏سماء الشعر العربي، وليس العراقي فحسب. ومن يتجاهله هو بحق جاهل، وما فاته من الجهل إلا ‏اليسير. لذا في رأينا المتواضع أن موقف الإتحاد موقفا طبيعيا جدا ويتوافق مع مسيرته المتعثرة ‏منذ الغزو الغاشم لحد الآن، وعطاءه الشحيح الذي لا يتوافق مع الوضع الراهن ولا ما يريده ‏الشعب العراقي.

موقفه ليس بالشاذ البتة، ولا يحتاج إلى العتب والملامة. ‏

بل على العكس لو صدر نعي من الإتحاد، لكان الأمر غريبا ولا يتوافق مع مسيرة الإتحاد الذليلة، ‏ان قراءة استشرافية عابرة لحيثيات مواقفه منذ الإحتلال لحد الوقت الحاضر كفيلة بإزالة الضباب ‏حوله وإظهاره معدنه الصدأ، فليس لديه موقفا مشرفا واحدا ينمٌ على نهج وطني. إنه تابع مطيع ‏لحكومات الإحتلال، يغير جلده كما تغير الأفعى جلدها، ويتلون بكل لون كالحرباء تماما وفق ‏مصالحه وإمتيازاته.‏

الإتحاد اصغر من أن يقيم شاعر عملاق مثل عبدالرزاق عبدالواحد، كما أن ان العمالقة لا تحتاج ‏الى مديح الأقزام، والوطني لا يحتاج الى ثناء العملاء الذين يقفون في الضفة المقآبلة لضفته. ‏السارق لا يقيم القاضي، والتلميذ لا يقيم المعلم، والجاهل لا يقيم العالم، والعميل لا يقيم الوطني، ‏والعاهر لا يقيم الشريف، فلم العجب من موقف الإتحاد الذي لا يرى أبعد من أرنبة أنفه!‏

من جهة أخرى، ومن منطلق النوايا الحسنة لبعض الأدباء الذين لا ذنب لهم سوى الإنتساب الى ‏هذا الإتحاد غير الأديب، الذي جل أعضائه لا علاقة لهم بالأدب، فقد إحتكر  رئيسه موقفا معبرا ‏عن الحكومة لا تساوي قيمته تكلفة الحبر الذي كتب به، لقد إحتقر أعضاء الأتحاد عندما عبر عن ‏رأيهم جمعا دون أن يتعرف على مواقفهم من الشاعر. فهناك من رفض موقفه، وهناك من أستقال ‏منه وعلق عضويته، وهناك من لم يعبر عن رأيه تملقا أو خوفا. وهناك من كتم حسراته الملتهبة ‏وهي تكاد أن تحرق ثيابه.‏

كان من الأولى أن يأخذ رئيس الإتحادـ أو مجلس الإدارة رأي الأكثرية من أعضائه، قبل أن يعبر ‏نيابة عنهم عن موقف لا يرغبون به،  موقف أقل ما يوصف به هو الغباء والتفاهة والتمادي ‏بالتملق للحكومة.‏

‏ لكن من هو فاضل ثامر الذي أعلن موقف الإتحاد من تاج رأسه الشاعر الكبير؟ ما هي نتاجاته ‏ونشاطاته الأدبية؟ ما هو موقفه وموقف إتحاده من كوارث العراق اليومية؟ ما الذي قدمه هو ‏وإتحاده للوطن والشعب في محنته الكبرى؟ من هو كي ينصب نفسه قاضيا يحاكم شاعر العصر ‏عن تهم لا صحة لها، وإنما هي وليدة مخيلته المريضة، وطموحاته السياسية؟

ألم يدرك هذا الثامر بعد ان معظم كتاب العراق وأدبائه لا علاقة لهم بإتحاده الوضيع؟ ألم يطلع ‏على المواقع الالكترونية والصحف والمجلات ليرى من يتربع على عرش الأدب العراقي! هل هم ‏أدباء الإتحاد ام الخارجون عن عضويته. من ينافس الشاعر المرحوم عبدالرزاق عبدالواحد، ‏والشاعر الكبير سعدي يوسف وأحمد مطر وغيرهم؟

معظم الأعضاء في الإتحاد لا علاقة لهم ‏بالأدب، وعدد كبير من السياسيين حصلوا على عضوية الإتحاد بالضغط او الرشوة، مع أن ‏علاقتهم بالأدب كعلاقة الطفل بحفاظته.‏

هذا الإتحاد العاق وطنيا والمعاق أدبيا، يمشي بعكازتين وراء الشراذم الحاكمة التي جعلت العراق ‏اطلالا وخرائبا تنعق  فيها الغربان، وتسرح فيها الذئاب المسعورة، لا مباديء ولا قيم ولا وطنية، ‏ضمائر هشة كهشاشة قشرة البيض. يجلس بعضهم تحت موائد السياسياسين الفاسدين ليتلقوا الفتات ‏الذي يرمى عليهم فيتقبلونه برضا وقناعة.‏

عندما يغوص الأديب الحر في بحار المعرفة والعلوم، سيعثر حتما على الدر المكنون والصدف ‏غالية الثمن. وعندما يغوص الكاتب الأجير في مستنقع الجهل فأنه سوف لايعثر سوى على ‏الكنيف والقذارة والعفن، كل حسب صفته ومكانته وجهده وحصيلته.‏

بلا أدنى شك هناك فرق كبير بين من نذر قلمه للوطن والشعب والقضية، وبين من نذر قلمه ‏لمصلحته ولسلطانه. مداد الأول دمه، ومداد الثاني حبره. صفات القلم الأول الجرأة والشجاعة ‏والتحدي والتضحية، وصفات القلم الثاني الرياء والكذب والتملق والتقلب. الأول سيد أفكاره، ‏والثاني تابع ذليل كالعبد يمشي وراء ولي نعمته. الأول يصقل الحقيقة ويكشف العلل بكل شفافية ‏دون مواربة، بعيدا عن كل الإغراض، إلا غرض واحد وهو الحقيقة المبنية على الوعي والإدراك ‏والشعور بالمسؤولية الوطنية. والثاني يموه الحقائق ويزيف الوقائع ويتستر على العلل، ويتغاضى ‏عن الخلل. الأول يخدم الوطن والشعب وقضاياه المصيرية، والثاني يخون الوطن والشعب والهوية ‏الوطنية، الأول يستحق الثناء والتقدير، والثاني يستحق الإذلال والتحقير.‏

بهذه المناسبة، نهدي لروح شاعرنا الكبير هذه الأبيات الرائعة لإبن الأنباري:‏

علـــو في الحياة وفي الممات‎    ‎لحق أنت إحدى المعجزات‎

كأن الناس حولك حين قاموا‎     ‎وفـــــود نداك أيام الصلات‎

ونهدي بالمناسبة نفسها الأبيات التالية لاتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، واللبيب يفم الإشارة.‏

قال المتنبي:‏

على قدر أهل العزم تأتي العزائـم‎    ‎وتأتي على قــدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها‎     ‎وتصغر في عين العظيم العظائم

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,349,319

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"