من بوسعه مواجهة هذا الإرهاب؟!

ضرغام الدباغ‏

هذا سؤال يفتح دون تحفظ جنباته للرياح كما يقول الشاعر الفرنسي سان جون بيرس..

 

تعب العالم بما في ذلك مؤسسات العدل الدولية في قضية ومرافعة لا نهاية لها: ما هو الإرهاب ومن ‏هو الإرهابي. ولكن هذه الموضوعة تبقى على أية حال فقرة على رأس جدول الأعمال.‏

بتقديرنا أن الدول العظمى، لا تريد التوصل إلى تحديد دقيق ملزم للإرهاب، ذلك أنها لا تريد أن تلتزم ‏بشيئ وتضع نفسها تحت طائلة القانون، ومن ذلك رفض الولايات المتحدة التوقيع على الاتفاقيات ‏الجنائية الدولية، وهناك الكثير جداً من الجدل يدور حول هذه القضية بالذات في مؤتمرات القانون ‏الدولي، دون التوصل إلى تعريف مفهوم دقيق. فالغرب يريد أن يبقى هو من يحتكر وضع القواعد وهو ‏من يحتكر تفسيرها ثم هو من ينفذ الأحكام والقرارات، فكما يحتكر الاقتصاد، يحتكر السياسة، ويحتكر ‏القرارات. ‏

لا يمكن لأحد أن يحسبنا مؤيدين للإرهاب لا في الماضي ولا في الحاضر، فنحن نعمل في مجالات ‏سياسية علمانية، نؤمن بحقوق متساوية للبشر بصرف النظر عن العرق والدين والمعتقد، ولكن ليس ‏كل من يقول الحق متهم ... عشرات من المفكرين والاساتذة في القانون والفلسفة والسياسة والاقتصاد ‏أمثال: أوسكار لانجة، بيير جاليه، توماس سنتش، نعوم شومسكي، بول باران، البيركان، بول سويزي،  ‏وآخرون كثيرون جداً في أوربا وأميركا، ومنهم من أصدر كتاباً في ألمانيا شارك في وضعه العديد من ‏الأساتذة والصحفيين والمفكرين والفنانين بعنوان (‏Not in our Nahme‏)‏‎ ‎يعترفون يدينون الجرائم ‏التي ترتكبها حكوماتهم في بلداننا بذرائع شتى، وحضرت شخصياً مؤتمراً دولياً في كلية الحقوق بروما‏‏/ إيطاليا، ومؤتمراً مماثلاً في كلية الحقوق جامعة همبولت/ برلين حول جرائم الاحتلال في العراق ‏وأفغانستان حضره كبار أساتذة الفلسفة والقانون الأوربيين، الإيطاليون والألمان والأوربيون، أدانوا ‏إدانة صريحة لا لبس فيها جرائم البلدان الغربية التي ترتكبها في بلداننا .‏

حروب التوسع وبسط الهيمنة تجري منذ عقود، قادت لتداعيات متفاوتة حتى عندهم كما في بلداننا، ‏تنعكس بصور وأشكال متفاوتة: ففي بلدان الغرب التي يشارك جنودنا في حملات الغز والحروب، ‏تحدث سنوياً حوادث القتل العشوائي (‏Running Amok‏)‏‎ ‎وغالباً يقوم بها (المتأثرين نفسياً) من ‏المشاركين في الحروب في فيثنام والشرق الأوسط، كما تحدث في أوربا وأميركا تحولات اجتماعية ‏عميقة المدى، تظهر تداعياتها في المعطيات الاجتماعية (انتشار تعاطي المخدرات، تناول الكحول ‏بإفراط، الدعارة، تصاعد الجرائم وغيرها ..)، وتنعكس التطورات السياسية في صناديق الانتخابات ‏بظواهر عديدة أبرزها تقدم لقوى اليمين والفاشية.‏

لسنا ممن يقبل أن تنسف طائرات ويقتل أبرياء، بما في ذلك أيضاً من يشتمون رموزنا ويتعمدون ‏إهانتنا، لا نقبل أن تواجه الإساءة بالإساءة، وقلة الأدب والحياء بمثلها، والشتيمة قلة تهذيب وبدائية ‏بصرف النظر عن ماركة ربطة العنق التي يرتديها، لذلك فنحن نميز بدقة تامة بين النضال الوطني ‏والإرهاب، والثقافة عن الخرافة.

ولكن للأسف أن معسكرنا ... أقصد معسكر القوى الوطنية والتقدمية ‏اليوم ضعيف على المدى الحالي لأسباب تاريخية لا علاقة لها بالضبط بالتفوق الصاروخي الأمريكي أو ‏الروسي أو الغربي عامة، فنحن أقوياء بالحق والحجة التاريخية وهذه القيم أسلحتها بعيدة المدى، ولكنها ‏منتصرة حتماً.‏

ولكي ننتقل إلى الجانب الموضوعي من البحث، فلكي تنهي الإرهاب لابد من أن تقتلع أسبابه وبواعثه، ‏ولكي تواجه من يبحث عن الموت، ينبغي أن تمنحه الأمل.

الإرهاب بتقديري هو ردة فعل عكسية على ‏عدد لا يحصى من الجرائم ترتكب يومياً، بحجة إجهاض خطر الإرهاب، أو استباق الخطر، فيصنعون ‏بذلك بأنفسهم أسباب الخطر ويوفرون أجواء الإرهاب. يهيمنون على المجتمع الدولي ويرسمون خطوط ‏حدود دول وأمم كما يرونها وكما تناسب مصالحهم، ويفرضون إرادتهم على العالم. ‏

من يصرخ ويشكو الإرهاب يمارس الإرهاب بأضعاف مضاعفة، جيوشهم تنتشر في إرجاء العالم قتلاً ‏وتخريباً ونهباً وسلباً، يقتلون بالألوف بل بمئات الألوف، ويملئون الدنيا ضجيجاً لمقتل العشرات ..  ‏قذفوا على العراق في حرب ظالمة ما قدره نحو 250 قنبلة ذرية وألوف من الصواريخ العابرة للقارات، ‏ولكن من العيب أن تحتج، أو أن تغضب، أو أن ترد على الصاروخ بصفعة!

ولكن هناك من يرى ‏الحقيقة كلها، الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري يقول بعد اعتداءات باريس في نوفمبر‎:‎‏ نحن السبب ‏في الإرهاب وليس الإسلام، ويقول في مقابلة تلفازية علنية: لماذا عندنا اليوم مشاكل مع الإرهاب، ‏المسلمون ليسوا حمقى، نحن نخوض الحروب في بلدانهم.‏

هذا يعني أن حكماء أوربا بدؤأ يدركون المأزق الذي أدخلتهم فيه الإدارة الأمريكية وما تزال تتخبط فيه. ‏واليوم تحديداً يعيد دومنيك فليبان إلى الأذهان حكمة الموقف الفرنسي  في عدم الموافقة على شن ‏الحرب ضد العراق، حرب ستلد حروباً عديدة، صراع هويات لهيبها يستعر، ولا يوجد من هو بعيد ‏عنها، وحمل في آخر لقاء تلفازي له بعد أحداث باريس السياسة الغربية وحملها مسؤلية خلق بؤر عديدة ‏في أرجاء العالم، وداعس وليد مشوه لرفض السياسة الغربية التي وصفها  بالمتغطرسة والمتقلبة. بدؤا ‏بأفغانستان والصومال ثم العراق ثم ليبيا ثم مالي ثم ... حتى أصبح لديهم 15 يؤرة ملتهبة. ناهيك عن ‏الجرح الأكبر الذي لا يأتون على ذكره فلسطين!‏

بالتأكيد لا نقبل بإسقاط طائرة ركاب كائن من يكون ركابها، ومن أي الجنسيات، فهم أبرياء عائدون ‏بفرح من إجازة، ولكن كيف سيكون حكمنا على من يتبجح بأنه أطلق 72 صاروخاً من بحر قزوين ‏على حلب ..! أهو استعراض للقوة الهمجية أم أنه إرهاب حضاري مبهر مودرن حديث أم ماذا ..؟ الرد ‏على الإرهاب هو سياسي / اقتصادي / فكري، ولكن ليس عسكري بأي حال.

هذا الإرهاب هو جنون الموت، الإمبريالية الجديدة ... إمبريالية العولمة، ورأسمالية الدولة المعاصرة ‏هي من قادت إليه وأطلقته، فكما يقول المثل العراقي الحكيم :  هذا الغيم جلب هذا المطر ....‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,902,932

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"