مفاتيح الوطنية!‏

جاسم الشمري

المفهوم الحقيقي للوطن لا تمثله مساحة الأرض المحددة وفقاً للاتفاقيات ‏الدولية المعتبرة بين الدول، وإنما هو خيمة تضم مجموعة من الناس ‏تربطهم جملة من المبادئ والقيم المليئة بالعراقة والمحبة والوئام، ولذلك ‏فهو يستحق أن نضحي من أجله بالأرواح والأموال.‏

 

ومفهوم الوطن أو الوطنية ربما يكون في زمن العولمة قد تغير بعض ‏الشيء، وصار الانتماء للوطن - عند بعض المواطنين - وَهْم، أو ربما ‏ارتباط قائم وفقاً لميزان ومعادلة الربح والخسارة!‏

وفي زمن تلاطم الأحداث وتشابك الأزمات تتناحر القيم والمبادئ والآراء، ‏ويكثر الطعن والأحكام السريعة غير المنضبطة، وغير الدقيقة.‏

واختلاط الأوراق والأفكار، ينتج عنه أزمات فكرية وقرارات بُنيت على ‏أسس غير واضحة، وبالتالي تكون النتيجة ظالمة- في الغالب- وقائمة ‏على تقييمات ضبابية.‏

وفي زمن الاختلال الفكري، والتسرع في الأحكام على الآخرين، صرنا ‏نسمع من بعض المتسرعين كلمات قذف واتهام لشخصيات أخرى معروفة ‏بمواقفها الواضحة والمبدئية، والسبب هو الاختلاف في النظرة للأمور من ‏الزوايا المتنوعة التي يتابع من خلالها بقية أطراف الحوار.‏

ومن أكثر الاتهامات التي صرنا نسمعها - منذ سنوات- الاتهام بالخيانة ‏والعمالة لبعض المختلفين معهم، على هذاظرة القاصرة تحتم علينا التكاتف ‏لإيقافها، وبالذات عند الشخصيات المسؤولة في القوى الوطنية المعارضة ‏لمجمل الأوضاع في الساحة العراقية بعد عام 2003.‏

وقبل أيام جمعتنا المجالس بأحد الوطنيين العراقيين المعروفين بمواقفهم ‏الواضحة والجريئة، وتحدث الرجل عن رأيه في قضية مختلف فيها، ومن ‏حقه  - كصاحب رأي - أن تكون له وجه نظر خاصة، إلا أن الغريب أن ‏بعض الحاضرين تهجموا عليه وكأنه ليس من الصف الوطني، وهذا ظلم ‏للوطن وهذا الرجل!‏

الاختلاف وارد في كافة القضايا القائمة على الرأي والرأي الآخر، ‏ومحاولة تحجير عقول الآخرين هي محاولة لقتل الروح الوطنية باسم ‏الوطنية، ذلك لأن تطابق الآراء يعني أن هنالك  بعض الأطراف تحافظ ‏على مصالحها، وتبتعد عن مواطن الخلاف والاحتكاك الفكري، وهذا ‏الأسلوب لا يمكن أن يوصل القضية العراقية إلى حلول واضحة.‏

الانتماء إلى الوطن يفهم عبر التمسك بالمبادئ الآتية: ‏

‏1 .  الابتعاد عن مواطن الخيانة والعمالة والتكاتف مع المخربين ‏وأعوانهم.‏

‏2 .  التلاحم مع بقية القوى الوطنية والتسامح معها في المواطن التي يمكن ‏الاختلاف فيها.‏

‏3 . عدم استباحة دماء المخالفين، ويكون الفيصل في ذلك للقضاء والدولة ‏المبنية على المواطنة.‏

‏4. الابتعاد عن مشاريع الاتجار بالقضية، وعدم الانسياق وراء المشاريع ‏الهادفة لتحقيق منافع شخصية بحتة، باسم الوطن والوطنية.‏

‏5. الوقوف مع العراق بالمال والموقف والكلمة.‏

عبر هذه الأسس الدقيقة وغيرها، يمكن أن ننطلق نحو التكاتف الوطني ‏البعيد عن روح الانتقام والظلم.‏

أما أولئك الذين يعرفون العراق في المجادلات والمجالس الغوغائية فقط، ‏والذين يوزعون مفاتيح الوطنية على  هذا الطرف، أو ذاك، فنقول لهم:‏

أنتم لستم قضاة، ولا تمتلكون التخويل الكامل للحديث باسم الوطن، لأن ‏العراق ملك للجميع، عدا الخونة والعملاء والقتلة واللصوص!‏

وللتاريخ نقول: إن السياسات الطائفية المنفذة بعد العام 2003، كانت رافداً ‏مهماً في تغذية الطائفية بين المواطنين، وكانت من أهم أسباب إضعاف ‏الروح الوطنية لدى الكثير من العراقيين، ورغم ذلك لا زلنا نأمل أن تُبعث ‏هذه الروح الوطنية النقية من جديد، لأنها هي الهوية الجامعة للجميع، ‏بغض النظر عن دينهم ومذهبهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية.‏

وأعجبتني عبارة لكاتب انكليزي وقف خطيباً في إحدى الهيئات الأميركية ‏فاستبد به الزهو بانتمائه إلى انكلترا، فصرخ قائلاً: لقد ولدت انكليزياً، ‏وعشت انكليزياً، وأرجو أن أموت انكليزياً.‏

ونحن هنا نقول: لقد ولدنا عراقيين، وعشنا عراقيين، ونرجو أن نموت ‏عراقيين!‏

تسقيط الآخرين وتخوينهم لا يمكن أن يدعم المشروع الوطني، وعلينا أن ‏نصهر جميع الأفكار والأشخاص في بوتقة الوطن، لنحافظ على ما بقي ‏من عراقنا الحبيب قبل فوات الأوان.‏

ما أصعب أن نصحو في يوم من الأيام ونجد أنفسنا بلا وطن!‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,903,798

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"