(الرئاسة) من التعثر إلى الإنتكاسة!

علي الكاش

قال الفيلسوف الايرلندي برنارد شو "مأساة العالم الذي نعيش فيه تكمن في أن السلطه كثيرا ما تستقر في ‏أيدي العاجزين". وهذا حال ما يسمى بالعراق الديمقراطي الفدرالي الجديد!‏

 

كتب السيد سيف الخياط مقالا عن الوفد العراقي برئاسة الرئيس العراقي فؤاد معصوم ووزير الخارجية ‏إبراهيم الجعفري، الذي شارك في قمة المناخ العالمية التي عقدت موخرا في باريس، وكانت المشاركة ‏هزيلة وفق كل المقاييس الدولية والوطنية. والحقيقة أنا لا أعرف السيد الخياط ولم ألتق به رغم وجودي ‏المتواصل في باريس، ولكن قبل أن اعلق على الموضوع إتصلت بأحد الأخوان في السفارة وسألته فيما إذا ‏كان قد أطلع على مقال السيد الخياط، فردٌ بالإيجاب والكاتب صادق فيما ذكره من معلوماتـ، رغم حراجة ‏الموقف بالنسبة للسفارة التي كانت في موقف لا تحسد عليه. بعد هذا قررنا أن ندلِ بدلونا في الموضوع، ‏سيما أن رئاسة الجمهوريىة أصدرت بيانا كذبت امورا وصححت أخرى بعد المعلومات التي أثارها السيد ‏الخياط واحد النواب العراقيين، ولكن بيان الرئاسة بدلا من ان يكحل القضية أعماها، لكثرة المغالطات التي ‏وردت فيه، وكان من الأفضل أن تترك الرئاسة الموضوع لوزارة الخارجية لتعالجه بطريقة موضوعية ‏ومقنعة، بدلا من التخبط والتهرب.‏

الأمور التي أثارها السيد الخياط.‏

‏1. ان الرئيس العراقي أستقبل من قبل وزير خارجية فرنسا‎ ‎لوران فابيوس، أما بقية الرؤساء فقد جرى ‏استقبالهم من قبل الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند،‎ ‎في بيان الرئاسة العراقية جاء التالي" تم إستقبال ‏الرئيس فؤاد معصوم بروتوكوليا ورسميا حسب السياقات المعتمدة"! يبدو أن معد البيان لا يفهم السياقات ‏الدبلوماسية ولا السياسية أيضا، فالزيارة رسمية وهذا يعني ان الإستقبال سيكون رسميا، وإلا هل سيحضر ‏وفد من القطاع الخاص لإستقبال الرئيس العراقي في زيارته الرسمية! أما القول حسب السياقات فهذا ‏الإستقبال مخالف للأعراف الدولية، لأن السياق أن يستقبل المضيف، ضيفه الزائر بنفس المنصب والمركز ‏الوظيفي، أي رئيس جمهورية يستقبل رئيس جمهورية، ورئيس وزراء يستقبل نظيره، ورئيس برلمان ‏يستقبل نظيره وهكذا. وليس من اللائق أن يستقبل وزير ما رئيس جمهورية ضيفا على حكومته، حتى لو ‏كان رئيس دولة جزر القمر. البروتوكول واضح بهذا الخصوص. علما أن هذه الحالة الشاذة صارت عامة ‏في مراسم أستقبال الرؤوساء العراقيين، علاوة على ظاهرة عدم وجود علم عراقي خلال اللقاءات مع ‏الرئيس أو رئيسي مجلس الوزراء والبرلمان العراقي. سبق أن أستقبل الرئيس السابق جلال الطالباني من ‏قبل وزير الرياضة خلال أحدى زياراته إلى طهران. في حالات خاصة جدا ربما يصادف إنشغال الرئيس ‏بحالة ضرورية جدا، عندها يتم تبليغ الرئيس الضيف بإعتذار الرئيس المضيف عن الإستقبال ـ عادة يحل ‏رئيس الوزراء محله ـ ويمكن للرئيس الضيف ان يقبل أو لا يقبل هذا الأمر، كأن يغير مثلا يوم أو ساعة ‏وصوله للبلد المضيف.‏

‏2. أشار السيد الخياط الى الوفد العراقي المترهل ضم (86) شخصا، وهذه حالة غريبة لا تحدث في أي ‏دولة في العالم، سيما أن المقاعد المخصصة للوفد العراقي (5) مقاعد، وربما يجد الرئيس العراقي ضرورة ‏توسيع الوفد بضم خبراء في مجال البيئة والمناخ والإرهاب من المستشارين والأكاديميين، ليصل الوفد ألى ‏عشرة أشخاص، أما أن يكون بهذا العدد! فهذه كارثة على الدولة المضيفة لعدم إستعدادها لتقبل وفد بهذا ‏العدد، وعلى الدولة الضيف التي ستدفع تكاليف الفندق والنقل والجيب لبقية (81) من الموفدين بلا مبرر، ‏ولأن العراق يعاني من أزمة مالية خانقة، كان من المفروض على الرئاسة أن تتوخى الحذر في هذا المجال. ‏كما أن طاقم حماية الرئاسة لا ضرورة له، لأن الأمن الفرنسي هو الذي يتحمل مسؤولية حماية الرئيس ‏الضيف، وليس الطاقم الأمني الرئاسي الذي سيجلس في الفندق بدون عمل. الطريف في البيان الرئاسي ‏العراقي إنه تجاهل ذكر عدد الوفد العراقي وذكر فقط المصاريف، حيث ورد" أن ما قيل عن عدد الأعضاء ‏الوفد وعن المصاريف كان كلاما كاذبا، ولم تتجاوز مصاريف الوفد المشارك (100) مليون دينار عراقي". ‏لكن ما هو عدد الوفد؟ لماذا لم تشر إليه الرئاسة؟ وهل هذا المبلغ (100) مليون قليلا في نظر الرئاسة؟ علما ‏ان الحكومة الفرنسية غطت تكاليف الأعضاء الخمسة الرئيسيين في الوفد!‏

‏3. ضياع خطاب رئيس الجمهورية الذي ألقاه في قاعة‎ ‎جانبية، ولم يستمع له احد من رؤساء العالم، وقد تأكد ‏لنا أن كلمة رئيس الجمهورية فعلا فقدت، والطريف أن الرئاسة تجاهلت التعليق على هذا الموضوع، ‏وانصبت تعليقها بالقول" كان الوفد العراقي بضمنه وزير الخارجية ومستشار الرئيس والسفير العراقي ‏متواجدين عند إلقاء الرئيس الكلمة". وهل يمكن تصور ان الوزير والسفير لا يحضرا كلمة رئيسهم؟ هذا ‏أمر طبيعي وليس منة من الوزير والسفير. لكن البيان غفل الإشارة الى الرؤساء الذين حضروا كلمة ‏الرئيس العراقي؟ لماذا؟ لأنه لم يحضر أي رئيس؟ ‏

وفيما يتعلق بالكلمة المفقودة، وهذا الأمر تتحمل مسؤوليته السفارة العراقية، من السياقات المتبعة في ‏المؤتمرات الدولية أن تطبع كلمة الرئيس بعشرات النسخ، وبعد إلقاء الكلمة، يقوم موظفو السفارة بتوزيعها ‏على الوفود المشاركة، وغالبا ما تخصص طاولة خارج القاعة، توضع عليها نسخ من كلمات الرؤوساء ‏لتأخذها الوفود المشاركة.‏

‏4. ان العدد الكبير من الموفدين ـ سيما أنه لا يسمح بدخول القاعة إلا لحملة الباجات (5) أشخاص فقط ـ ‏سوف لا يكون عندهم أي عمل خلال المؤتمر، لأن السفارة غالبا ما تغطي عمل المؤتمر وتزود المركز ‏بنشاطات الرئيس والوفد المشارك، والوزارة بدورها تزود الرئاسة بنسخة من تقارير النشاطات. كما ان ‏الوضع في فرنسا بعد التفجيرات الأخيرة مربك للغاية، ومن الصعب السيطرة على هذا العدد الكبير من ‏الموفدين سيما في المجال الأمني وهم مقيمون في فندق خارج الحماية الأمنية الفرنسية، كما ان الرئيس ‏والوزير والمستشار والسفير منشغلين بأعمال المؤتمر، لذا كان من الأجدى بالرئاسة الإنتباه لهذا الموضوع، ‏وقد مرت الأمور بسلام، لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة.‏

‏5. تعتبر هذه المؤتمرات فرصة ذهبية للإلتقاء بالرؤساء العرب والأجانب، وتبادل وجهات النظر في العديد ‏من المسائل، سيما أن العراق يمرٌ بأصعب ظروفه، وكان الملوك ورؤساء الدول والوزراء المشاركون ‏‏(150) فردا، لكن لقاءات الرئيس العراقي لم تتعدَ أصابع اليد الواحدة! فقد إلتقى بالرئيس المصري ‏والفلسطيني وهذا موقف جيد، ثم بنائب الرئيس الإيراني ـ كان في ضيافتهم قبل ايام ـ وهو لقاء لا يغني ‏العراق شيئا، فوفود البلدين لا تنقطع! وبرئيس جزر القمر، وهو لقاء مبهم! بلا تعليق!‏

‏6. لم تغطِ القنوات العراقية المؤتمر ولم تعرض كلمة الرئيس العراقي، لأن التصوير فعلا كان "مصور ‏بكاميرا رقمية‎ ‎بسيطة لأغراض الحفظ والارشفة فقط" كما ذكر الخياط. ويفترض بالرئيس العراقي أن ‏يصطحب اعلاميا مرموقا لتغطية كلمته ونشاطاته علاوة على التنسيق مع المسؤول الإعلامي في السفارة ‏العراقية، ويبدو أن هناك إخفاق في هذا المجال، حتى في حالة ضم الوفد مسؤول إعلامي.‏

‏7. تجنب البيان الإشارة إلى نقطة مهمة جدا وهي ترتيبات اليونسكو لإستقبال الرئيس العراقي، فقد أشار ‏الخياط بأن" منظمة اليونسكو رفعت‎ ‎العلم العراقي هذا اليوم وفرشت السجاد الأحمر لاستقبال الرئيس، ‏ودعت جميع‎ ‎سفراء العالم لاستقباله، وهو حدث لم يحصل من قبل لرئيس عراقي، الا ان معصوم‎ ‎ألغى ‏الزيارة قبل ساعات قليلة على الرغم من التحضيرات الكبيرة لاستقباله‎.‎‏ فيما أبلغت الرئاسة العراقية ‏اليونسكو ان رئيس الجمهورية مريض ولا يستطيع‎ ‎مغادرة مقر إقامته، الا ان الرئيس كان جالسا في الفندق ‏لإجراء حوار‎ ‎تلفزيوني مع قناة فرنسا 24". الرئيس العراقي أضاع فرصة ذهبية بلقاء اليونسكو، أقل ما ‏يقال هو ردٌ الإعتبار له شخصيا، ولا نقول للعراق. لكن زاد الطين بلة بكذبة لا تليق برئيس جمهورية، ‏حيث يمكنه الإعتذار بدون تقديم سبب، ولا أحد يرغمه على الحضور، ولم يكن بحاجة الى الكذب ‏المفضوح!‏

‏8. تجاهل البيان الرئاسي ما ذكره الخياط عن لقائه بالمتحدث باسم رئيس الجمهورية (خالد شواني) الذي ‏ذكر له من جملة ما ذكر " ما كو دولة في العراق". الرجل قال الحقيقة بحذافيرها! وإلا هل توجد دولة ‏يخترق حدودها حوالي نصف مليون إيراني من الرعاع، ويكسرون البوابات، ويحتجزون شرطة الحدود في ‏قاعة، ويسيرون بحرية مع ما يحملونه من (مواد مهربة ومخدرات وأسلحة) الى العتبات المقدسة، دون أن ‏تعلق الحكومة العراقية على الخرق السيادي، والفوضى الأمنية والخسارة المالية ـ دخلوا بلا رسوم فيزا ‏وهي 40 دولار لكل شخص ـ ؟ علما أنه صدر بعد أيام إلتماس شفاف من البرلمان العراقي يتوسل نظام ‏الملالي بالرأفة بالمراكز الحدودية والسيطرة على الرعاع، كان البيان أشبة برسالة عتاب بين حبيبين! ‏وأعقبه بيان من وزارة الداخلية يأسف لما حصل في المركز الحدودي محملا إيران المسؤولية، كأن المركز ‏أيراني وليس عراقي، ولا تتحمل مسؤوليته الحكومة العراقية! تصور لو أن هؤلاء الرعاع قدموا من تركيا ‏أو السعودية! كيف سيكون الموقف البرلماني والحكومي من المسألة؟

نفس هذه الحكومة الفاسدة وبرلمانها الهزيل يمنعان أهل الفلوجة من المدنيين (جلهم من النساء والشيوخ ‏والأطفال) الدخول الى بغداد وبقية المحافظات العراقية، وأن قبلت أفرادا! فبكفيل ضامن من المحافظات! ‏كما أن روسيا تأمر العراق بإغلاق المطارات في الشمال لأنها ستوجه ضربات لداعش، دون إذن ولا ‏إنتظار موافقة من حكومة العراق. هل هذه دولة؟ بلد بلا سيادة، يعني لا توجد دولة!‏

‏9. ذكر النائب العراقي محمد كون في بيان له ان" مشاركة وفد العراق في قمة‎ ‎المناخ برئاسة معصوم كلف ‏العراق ربع مليون يورو، رغم أن‎ ‎المؤتمر لايشكل ضرورة ملحة للعراق وان الوفد العراقي ذهب مستمعا لا ‏مشاركا‎ ‎فيه". وأوضح أن" عدد البطاقات المخصصة للوفد العراقي هي خمسة بطاقات فيما‎ ‎تألف الوفد من ‏‏82 شخصاً كلفت مشاركتهم خزينة الدولة ربع مليون يورو. حسنا! من أين أتى النائب بهذه المعلومات؟ ‏ومن الطرف الذي يكذب على الشعب العراقي، هل الرئاسة أم البرلمان؟

لكن النتيجة التي خلص لها الخياط وهذا المقال هي نفس ما عبر عنه مثال الآلوسي عضو في لجنة ‏العلاقات الخارجية البرلمانية بقوله"ان الوفد العراقي لا يحمل اية مؤهلات تمكنه من تسويق بضاعته‎ ‎وعرض قضيته مع الارهاب" وأعتبر المشاركة العراقية فاشلة. ماذا بعد يا رئاسة، اليست مشاركتكم ‏إنتكاسة؟

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,357,539

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"