لماذا اختار #بوتين التباعد عن #أردوغان

محمد زاهد غُل

لم يستطع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في النهاية التمسك بحليفين متناقضين في سوريا، وهما خامنئي إيران وأردوغان تركيا، والسبب هو توفر مرجحات تدفعه للعمل في سوريا وفق الرؤية الإيرانية وليس الرؤية التركية، فقد استقر رأيه على أن الرؤية الإيرانية أكثر ضماناً للمصالح الروسية في سوريا والشرق الأوسط من التعاون مع أردوغان وتركيا، حتى لو كان التحالف مع إيران أكثر دموية وتدميرا للشرق الأوسط. وهو الأكثر خطورة على الشعب والجيش الروسي أيضاً، لأن هدف فلاديمير بوتين تحقيق مكانة دولية لروسيا في عهده مهما كان ثمنها، وفي ظنه أن توسيع طموحاته في الخارج سوف تجمع الشعب الروسي حوله أكثر، وتخفف إن لم تقضِ على معارضة الداخل، في ظل ظروف اقتصادية وتحديات كبيرة أمامه.

 

وفي تقدير بوتين أن التحالف مع الأطماع الإيرانية في الدول العربية يوفر لروسيا فرصة تاريخية لجعل سوريا تحت النفوذ الروسي، وبالأخص على سواحل الأبيض المتوسط، وحيث ان إيران هي الداعية لهذا الاحتلال الروسي لسوريا للحفاظ على مصالحها ومعاركها في سوريا أيضا، بعد إدراكها لفشلها العسكري في حماية الأسد من السقوط، فإن بوتين بدا اكثر تحمسا لترجيح الحليف الإيراني بدل التركي، والابتعاد عن الصديق التركي رجب طيب أردوغان، والسعي لتحقيق دور روسيا اللاعب الدولي الجديد في قضايا صراع الشرق الأوسط، الذي احتكرته أميركا في العقود القليلة الماضية.

أما بالنسبة لظن بوتين والقادة الروس من حوله أن صناعة دور دولي لروسيا في العالم لا يكون الا بالتدخل في شؤون الدول الأخرى، وبالأخص الدول المنهكة بالاقتتال والضعف والحروب، فإن الروس أرادوا بذلك محاكاة السلوك الأميركي في الظهور كدولة كبرى، من خلال اختيار النموذج الأميركي الأسوأ في احتلال الدول الضعيفة، وفرض الإرادة الروسية على شعبها، بل وبناء سجون لشعوب الدول الأخرى على الأراضي الروسية، كما يطالب بعض النواب الروس ببناء سجون في روسيا لمعتقلي داعش ، ومحاكاة لسجون غوانتنمو الأميركية.

وهذه المعادلة التي اختارها الرئيس الروسي هي معادلة خاطئة استراتيجيا وسياسياً، أما استراتيجيا فإن تركيا إذا كانت خيارا إحاديا بينها وبين ايران بالنسبة لروسيا، فإن تركيا أفضل لروسيا من إيران، والسياسة التركية أكثر عقلانية واتزانا ونجاحاً من السياسة الإيران في العقد الحير على أقل تقدير ، وخبراء العالم الاقتصاديون يشهدون بذلك.

وكذلك إذا كان الهدف هو تحقيق مصالح روسيا في سوريا، فإن تركيا أقدر على التعاون فيها مع روسيا من إيران، فهي على الحدود السورية مباشرة و تزيد عن 911كم، وسوريا بعيدة عن إيران وليست دولة حدودية لها، فضلا عن الاختلاف الثقافي والاجتماعي والسياسي بين سوريا وإيران، فالدولة الإيرانية الخامنئية دولة دينية، وروسيا دولة علمانية وكذلك تركيا.

والتعاون في سوريا ينبغي ان يكون على أسس علمانية دنيوية وعلمية، بينما الحكومات الإيرانية والعراقية بل والسورية العلوية هي حكومات ثيوقراطية تخلط الدين بالسياسة بطريقة سلبية وطائفية وإقصائية، وهذا قد يعود بأثر سلبي كبير على السياسة والمجتمع الروسي، فلا يوجد قواسم مشتركة بين دولة شيوعية علمانية في الظاهر ودولة شيعية دينية في الباطن.

كما أن التحالف الروسي مع ايران في سوريا أو غيرها لا ولن يضمن لروسيا الاستقرار السياسي ولا النجاح الاقتصادي في سوريا، لأن سوريا لن تبقى طائفية على ما هي عليه الآن في عهد أسرة الأسد الدكتاتورية، بينما طبيعة البنية الاجتماعية والاقتصادية في سوريا منسجمة ومتعاونة مع المجتمع والسياسات التركية الديمقراطية، وحتى البنية السياسية القادمة في سوريا ستكون كذلك ديمقراطية مهما حاول الاحتلال الإيراني تأخيرها.

فالمرحلة الحالية الطائفية في سوريا هي مرحلة استثنائية وسوف تنتهي لصالح الغالبية الحضارية والتعددية والثقافية للشعب السوري، والقوة العسكرية لا تستطيع فرض الاستقرار إلا بظروف استثنائية وليست دائمة، ولذلك فإن الرؤية الاستراتيجية الروسية كان عليها اختيار التعاون مع الرؤية التركية في سوريا وليس الإيرانية.

وهذه المعادلة الروسية لبوتين باختيار التحالف مع ايران على حساب تركيا خاطئة سياسياً، لأن تدخل روسيا على هذا النحو جاء متأخر جداً، فلو كانت روسيا عازمة على هذا الاختيار في النهاية فكان عليها أن تختاره عام 2013 في المرحلة الأولى التي تدخلت فيها إيران خامنئي في سوريا بقوات حرسها الثوري وميليشياتها العربية المتشيعة، وليس في اواخر 2015  عندما خسرت إيران خامنئي معركتها في سوريا.

واستحضرت إيران الجيش الروسي للخلاص من المأزق الإيراني في سوريا، فقد ادركت بعد ثلاث سنوات انها استُنزفت من قبل أميركا في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وان أميركا خدعتها في مباحثاتها النووية فأطمعتها بنفوذ سياسي في سوريا واليمن والعراق ولبنان مقابل تخليها عن مشروعها النووي، ولكنها بعد تخليها عن مشروعها النووي لم تستطع الإمساك باليمن ولا مواصلة القتال الاستنزافي في سوريا، لأن أميركا لم تستدرج إيران لسوريا من اجل مشاركتها في النفوذ السياسي وإنما لإرهاقها واستسلامها.

وهذه الدعوة الإيرانية لروسيا للتدخل العسكري في سوريا لعبت فيه إيران كعميل مزدوج، فأميركا رسمت الخطة وإيران صاحبة الدعوة وروسيا هي الضحية القادمة في سوريا بعد إيران، ومكسب إيران أن يغطي الفشل الروسي القادم في سوريا على فشلها أولاً، ومحاولة خداع الشعب الإيراني حتى لا يقدم على محاسبتها على اخطائها السياسية والعسكرية التي أرهقت الشعب الإيراني كثيرا.

ومن مظاهر التناقض بين السياسة الروسية عن السياسة الإيرانية، هي أن بوتين اضطر في حربه الجديدة في سوريا إلى استغلال الدين الكنسي على الطريقة الإيرانية التي تستغل التشيع الطائفي، وهذه لغة خاطئة، ولكن بوتين مضطر إليها ظناً منه أنها ضرورية في هذه الحرب على سوريا، فبوتين يحرص على البعد الديني الأرذودكسي في حربه في سوريا حتى يضمن دعم الكنيسة الروسية ولو شكلياً.

وبالتالي دعم الشعب الروسي المقرب من الكنيسة، وفي نفس الوقت لنفي تورطه في الصراع الطائفي بين المسلمين، الذي تخوضه إيران خامنئي في سوريا ضد عموم المسلمين، فعملياً روسيا إذا لم تصبغ حربها بالصبغة الدينية المسيحية فإنها قد تتهم بأنها تصطف إلى جانب الحرب الطائفية التي تشنها إيران ضد المسلمين السنة.

وهذا سوف يعزز العداء الإسلامي لروسيا في سوريا وفي الجمهوريات الإسلامية في رابطة الدول المستقلة وغيرها، ولذا يضطر بوتين إلى إظهار الهوية الدينية المغايرة وهي الأرذودكسية المسيحية، وتعمد في إظهار ذلك بإرسال أشجار عيد الميلاد لكل الجنود الروس في سوريا لترسيخ هذا المفهوم الكنسي الأرذودكسي لجيشه.

وفي بداية الصراع في سوريا حاولت إيران ابعاد التدخل العسكري الروسي عن سوريا، خوفاً منها على سرقة نفوذها في سوريا، ولكن خشية إيران على نهاية نفوذها كليا في سوريا وضياع هيبتها اضطرها إلى توريط روسيا مباشرة في سوريا، فهي استشعرت الهزيمة فيما لو سقط نظام الأسد وشاهدت هروب ميليشياتها من سوريا، فهذا سوف يلحق الهزيمة بها في لبنان أيضاً، وبالتالي سعت إيران إلى تفاهمات مع روسيا لتقاسم سوريا، بحيث تبقى السيطرة الأرضية والسياسية لإيران، ولكن السيطرة الجوية والبحرية على السواحل السورية هي للجيش الروسي. وهو مطمح روسي قديم، فضلاً عن ان روسيا لا تستطيع الهيمنة على الأرض إلا بالاحتلال البري الروسي لسوريا وهذا سوف يكلف روسيا كثيرا ، بل سوف ينهي الاحتلال الروسي بأسرع وقت واكبر خسارة عسكرية.

وجاءت العلاقات الروسية التركية على قائمة موضوعات اجتماع الرئيس الروسي بوتين مع الزعيم الإيراني علي خامنئي بتاريخ 23/11/2015، فخامنئي عرض على بوتين جهود تركيا في إفشال جهود ايران العسكرية والسياسية في سوريا وفي المنطقة، وروسيا كانت تعلم ذلك، ولذلك كان الخيار الوحيد امام بوتين وخامنئي في حالة الوحدة بينهما على تقاسم سوريا هو الاتفاق على عدوهما المرجح لمعارضة تقاسمهما للنفوذ في سوريا وهو الرئيس التركي أردوغان، أي أن بوتين دفع لإيران ثمن تحالفه معها بمعاداة تركيا وأردوغان.

ودفعت إيران ثمن تحالفها مع روسيا بالتنازل عن جزء من نفوذها في سوريا، وقد تضطر لخسرانه كلياً، وبالتالي قد يضطران خامنئي وبوتين معاً إلى تقسيم سوريا قوميا وطائفياً ونفوذا أيضاً، وهذا هو سر التعاون الروسي مع الأحزاب الكردية، فالروس قد يستبدلون الجندي الإيراني بالجندي الكردي للتخلص من عبء التحالف مع إيران الطائفية. ولذلك لم يكن أمام بوتين إذا أراد مواصلة احتلاله لسوريا من معاداة أردوغان والحكومة التركية لحزب العدالة والتنمية طالما سعى بوتين لمواصلة احتلاله لسوريا، سواء أسقطت الطائرة الروسية سوخوي24 باعتداء روسي مخطط له من قبل، او بدافع حماية الأجواء التركية من الطيارين الأتراك، بل حتى لو لم تسقط الطائرة فإن روسيا كانت ستختلق أسباباً لمعاداة تركيا، فلا يمكن لقيادة التركية ان توافق على قتل الشعب السوري بأيدي الجيش الروسي أيضاً. فضلاً عن ان الرئيس الروسي بهذا التدخل قد غدر بالرئيس التركي أردوغان، بنكوثه بكل وعوده السابقة له بمساعدة الشعب السوري والتخلص من بشار الأسد وإيجاد حل سياسي عادل.

وبالتالي فإن بوتين قفز إلى الصراع مع تركيا حتى لا يكون في حرج أمام وعوده السابقة للرئيس التركي أردوغان، ولذلك قد يبدو صادقاً عندما يموه على شعبه بأن صراعه مع القيادة التركية وليست مع الشعب التركي، ولكنه يخادع شعبه عندما يظن بانه يستطع الفصل بين الشعب التركي والقيادة التي انتخبها الشعب التركي بنفسه في صناديق الاقتراع وليس في السيرك الروسي.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,368,927

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"