#إيران بعد #خامنئي: #الحرس_الثوري سيحسم الاختيار

نبيل العتوم

‎الخبر المؤكد أن خلافة خامنئي باتت الآن تُطرح على العلن في وسائل الإعلام ، وبهذا كسرت ‏دولة الولي الفقيه أحد أهم محرماتها السياسية، بعد أن أدرك صناع القرار السياسي ‏والعسكري والأمني في إيران ضرورة البحث في البدائل على الفور، لأن المرشد خامنئي في ‏نهاية المطاف سيرحل وسيغيب عن المشهد السياسي الإيراني بعد تطور مرض السرطان الذي ‏يعاني منه  ووصوله إلى الدرجة الرابعة، حيث وصلت حالته الصحية إلى مرحلة اللاعودة، ولا تريد ‏مؤسسات صنع القرار حدوث الفراغ  الدستوري والقانوني بشكل مفاجئ‎.‎

 

‎التساؤل المهم والمحوري هل تجري الاستعدادات فعلاً لخلافة خامنئي؟ ومن هي ‏الشخصيات المرشحة لتسلم هذا الموقع المحوري والأساسي في النظام الإيراني؟ وكيف ‏سيتم إيجاد آلية تتفق عليها مؤسسات الدولة والثورة لاختيار المرشد؟ وهل يمكن أن يؤدي ‏رحيله فجأة إلى تفجر الخلافات داخل النظام الإيراني في حال عدم الاتفاق على من سيخلفه؟ ‏وما هي تبعات رحيل خامنئي على البيئة  الإيرانية الداخلية والخارجية؟‎.‎

‎بداية أثبتت التجربة التاريخية فشل خيار انتخاب نائب المرشد استناداً إلى تجربة آية الله ‏منتظري في الوقت الذي كان فيه خميني على قيد الحياة ، وبالتالي فإن مسألة انتخاب نائب ‏للمرشد  أو خلفا له في حال مازال خامنئي على قيد الحياة تعتبر مستبعدة تماماً على ضوء ما ‏سبق‎ .‎

ولذا ستحاول مؤسسات النظام الإيراني، لا سيما الثورية على الأرجح ضمان بقاء أية محاولة قيد ‏التخطيط لفترة ما بعد خامنئي دون الإعلان عن نائب له ، وستبقى عملية الاختيار وراء الأبواب ‏الموصدة ، وذلك بجعل هذا الوريث غير معلن عنه في الظرف الحالي في حال الاتفاق عليه .

‏الفرضية الأخرى: بدا أن الحراك السياسي الإيراني يثير موضوع البحث عن شكل آخر لمنصب ‏القائد من خلال الترويج لفكرة مجلس القيادة ، وهذا الأمر لن يتحقق دون إجراء تغيير على ‏‏ الدستور إذا اعتقدوا أنه سيحمي مصالح الدولة والثورة، وهذا ربما سيكون في أثناء فترة ‏انتقالية محددة في حال عدم التوافق على شخصية معينة لخلافة خامنئي، ولحفظ التوازنات بين ‏مختلف المؤسسات، وبشكل يحقق مصالح الجميع.

وقد اتسم النظام الإيراني بالتكيف والمرونة ‏من خلال استجابة النظام لأزمة الخلافة في عام 1989 بتغيير الدستور الإيراني الذي لم يُعد ‏مقدساً وفق أخطر تعديلات جرت عليه بعد الثورة، مما سمح لرجال الدين من الدرجة الثانية ‏بالتأهل لمنصب المرشد الأعلى الذي يعتبر حسب التصور الإيراني قائداً للأمة الإسلامية ، ‏وسمح لوصول خامنئي على الرغم من عدم كونه مرجعاً معتبراً يُعتدّ به ، وكذلك شملت ‏التعديلات إلغاء منصب رئيس الوزراء وتركيز السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية‎.‎

‎بناء على ما سبق بدأ حراك التسجيل لانتخاب مجلس خبراء القيادة ، وتسابقت النخب ‏الإيرانية الممثلة لكافة التوجهات ، لا سيما الممثلة للحرس الثوري والاستخبارات لخوض غمارها ‏، حيث أنه ومن الناحية الفعلية  فإن "مجلس الخبراء" هو المسؤول عن اختيار الخليفة مع ‏مجلس مؤقت، يتكون من رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية والعضو الأعلم في ‏‏"مجلس صيانة الدستور"، يتولى مؤقتاً مهام المرشد الأعلى من الوقت الذي يترك فيه خامنئي ‏السلطة إلى تولي خليفته المنصب. وثمة هيئة أخرى رئيسة وهي "مجلس تشخيص مصلحة ‏النظام" التي لديها السلطة لاستبدال أعضاء المجلس المؤقت إذا ارتأت ذلك ، وبعد تقديم ‏المبررات .

وعلى الرغم من أن هذه القيادة المؤقتة يمكن أن تبقى في السيطرة والهيمنة إلى ‏أجل غير مسمى، إلا أن النظام يميل على الأرجح إلى تعيين خليفة حقيقي لخامنئي ، حتى لا ‏تحدث أزمة سياسية أو قانونية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه الدولة الإيرانية حالياً‎  .‎

هل مجلس الخبراء هو المعني بانتخاب القائد "رهبر" فقط؟

بالتأكيد لا ، فالوقائع العملية على الأرض أثبتت من خلال تجربة اختيار خامنئي أن هناك ‏‏ مؤسسات محددة، ونخباً سياسية وعسكرية وأمنية مؤثرة مارست ضغوطا كبيرة على ‏مجلس خبراء القيادة وصلت إلى درجة التهديد بالتصويت لخامنئي حتى يصبح مرشداً ، حيث ‏كثف  الحرس الثوري دعمه بشكل كبير، ومن هنا بات من المستحيل والعبث التخيل بأن ‏تسمح هذه المؤسسة لـ "مجلس الخبراء" وحده أن يقرر من سيكون المرشد القادم‎ .‎

وبغض النظر عن أي من المرشحين  للمنصب القادم ليتربع على عرش القمة، إلا أن هؤلاء ‏الذين هم في السلطة حالياً سوف يؤجلون الأمر إلى ما بعد وفاة خامنئي، وتبقى فرضية قيام ‏‏ خامنئي بترتيب أمر خلافته واردة جداً، بعد التوافق مع الحرس بشكل سرّي وغير مُعلن‎ .‎

فعلياً  مهَّد خامنئي الأرضية لاختيار المرشد بعد أن نجحت سياساته الأمنية بإقصاء ‏المعارضين المحتملين لتَسَلم زمام موقع المرشد، وخاصة علي أكبر هاشمي رفسنجاني ‏الذي كان له الفضل بوصول خامنئي لمنصب القيادة، والرئيس السابق محمد خاتمي الممنوع من ‏الظهور على الإعلام الإيراني، ومهدي كروبي الصديق السابق لخامنئي الذي ما يزال رهن ‏الإقامة الجبرية حتى كتابة هذه السطور.

ومن الأسماء المرشحة لشغل موقع القائد ضمن ‏طروحات خامنئي الذين مهد لهم الأرضية كل من هاشمي شاهرودي، ومجتبى خامنئي ‏‏(نجل المرشد الأعلى الحالي)، محمد تقي مصباح يزدي، وصادق لاريجاني‎.‎

‎وفي الوقت ذاته أعاد خامنئي رسم المشهد السياسي الإيراني من خلال تعيين عدد من ‏الشخصيات التي تفتقر للتجربة والشعبية، وقد جاء  تعيين بعضها مخالفاً لرأي حوزة قم، ‏كي يضمن صعود هذه الفئة لمواقع متقدمة، بحيث تصبح هي المعنية باختيار المرشد، وهذه ‏السياسة ستُسهم في إيصال مرشد يفتقر للخبرة والتجربة والكاريزما، وحتى شرط المرجعية ‏الدينية، مما سيجعله ألعوبة بيد مؤسسات الثورة، لا سيما الحرس الثوري، الذي كان ‏له دور مؤثر في اختيار المرشد على النخب السياسية والعسكرية والأمنية التي تقود إيران حالياً. ‏وبناء على ما سبق فإن منصب المرشد الأعلى بات  منصباً عسكرياً وأمنياً أكثر من كونه سلطة ‏دينية، نظرا لدور الحرس باختياره‎ .‎

الملفت في موضوع المرشد القادم هو حرص روحاني على الترشح لمجلس الخبراء، وهذا يُفهم ‏منه ضمنياً أن الرئيس الإيراني استغل شعبيته لتعزيز موقفه وموقعه، وخامنئي يدرك أبعاد هذا ‏الترشيح ، وهو فعلياً لا يرغب بأن يتولى روحاني منصب المرشد، في ظل الشبهات الإصلاحية ‏التي تحوم حوله، رغم أن روحاني بدا محافظاً حتى النخاع، ودخل في مهاترات مع الحرس ‏الثوري في مناسبتين مهمتين، أولهما: عندما طالب الحرس بالتنحي عن السياسة وثانيهما ‏الاقتصاد، مما أعتُبر مؤشراً خطيراً سيجعل الحرس يُمارس حق الفيتو المخوّل له ضد شخص ‏روحاني بحكم سيطرته على الدولة والثورة الإيرانية، والضامن للمرشد القادم بشأن إخماد ‏الاضطرابات الشعبية خلال المرحلة الإنتقالية في حال اندلاعها‎. ‎

لكن السؤال المحوري هو ما هو رأي الجيش النظامي وأجهزة المخابرات وميليشيات النظام ‏‏ كقوات التعبئة وحزب الله الأم  من خلافة المرشد؟‎.‎

‎ربما لا تتحدث هذه المؤسسات بصوت واحد فيما يخص خلافة المرشد التي حان وقتها. بعد أن أصبحت المؤسسات الثورية خليطاً عسكرياً وأمنياً وثورياً ، ويتداخل في عملها السياسة و‏الاقتصاد، وجعل منها فصائل متصارعة لديها مصالح مختلفة في العديد من القطاعات ‏والمؤسسات . حيث أنه من المستبعد أن يتمتع المرشد القادم بالسيطرة الكاملة على هذه ‏الفصائل ويدير التوازنات ويحل التناحر القائم  فيما بينها، على الرغم من نجاح المرشد الحالي ‏خامنئي بهذا الأمر حالياً‎ .‎

وبتحليل بسيط لخارطة القوى، من المرجح أن رحيل خامنئي ووجود مرشد جديد سيزيد من ‏احتمالية ميل إيران نحو العسكرة والشمولية في حال أراد المرشد القادم فرض سلطانه ، ‏وبالمقابل فإن الاعتماد على الحرس الثوري لتحقيق ذلك معناه جعل إيران في مهب الريح، ‏خصوصاً في ظل إغفال دور القوى السياسية والاجتماعية ، وحتى بعض الثورية‎ .‎

وفي ضوء هذه المتغيرات سيكون أول تحد للمرشد القادم هو خلق حالة الإنسجام بين ‏مؤسسات النظام، وعلاقتها مع بعضها.

التحدي الثاني الغياب الكامل لدور الحوزة ولرجال ‏الدين الإيرانيين أساس شرعية الثورة الإيرانية ومصداقيتهم وحتى وجودهم ودرجة تأثيرهم ‏ستكون على المحك، بعد أن تركزت الدولة الإيرانية بيد الحرس والجيش والميليشيات الثورية منها‎ ‎‎ .‎

وأما عن السياسة الخارجية في فترة المرشد القادم فإن مقاليد الأمور وإدارة الملفات المهمة ‏ستبقى مركزة بيد "الباسدران أو الحرس الثوري"، لا سيما الأزمات الإقليمية والعلاقة مع ‏الولايات المتحدة ، وسيتجه الإهتمام بشكل أكبر لتبقى المكاسب بيديه، مستغلاً أكذوبة بقاء ‏اقتصاد المقاومة بيدهم، وسلب الدولة ومقدراتها تحت هذا الشعار الخادع للشعب الإيراني، ‏هذا في حال افترضنا، بقاء الأمور على حالها، وعدم  وجود حالة من التناحر الداخلي نتيجة ‏الفشل في التوافق على شخص المرشد بين مختلف القوى الفاعلة‎ ..‎

والسؤال الذي يبرز هنا هو فيما إذا كان "الباسدران أو الحرس الثوري" سيعيد تحديد أولويات ‏السياسة الخارجية الإيرانية، والتهدئة مع الخارج، ليتفرغ للوضع الداخلي في حال انفجاره‏، وهو السيناريو المرجح‎ .‎

وفي ضوء هذه المتغيرات يمكن أن يُشكل رحيل خامنئي وتسلم المرشد الجديد فرصة تاريخية ‏‏ من نوعها بالنسبة للعالم العربي، نتيجة التطورات الداخلية التي قد تجعل طهران تنكفئ ‏للداخل، وتوقف مشروعها التوسعي الطامح لبناء الدولة الإقليمية العظمى المُهدّد، الذي ‏أوجدته إيران نتيجة دور المرشد السابق في صياغة السياسات العدائية للنظام، خصوصاً تجاه ‏العالم العربي‎ .

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,902,094

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"