مصرع النمر الجريح ‏

علي الكاش   ‏

بعد سويعات من إعدام النمر إنهالت التحليلات من بعض الكتاب العراقيين عن الموضوع، مع العلم إن ‏بعضهم لن يسمع خطب النمر، ولا إستمع إلى جلسات المحكمة ليطعن بنزاهتها، وليس عنده أوليات كافية ‏عن حيثيات الموضوع، ولا حقيقة التهمة الموجهة للنمر ولا إعترافاته. يبدو بعض الكتاب أشباه بالعدائين ‏ما أن يصفر الحكم حتى يبدوا بالركض، همهم الأسراع الى الأمام حيث وجهتهم الرئيسة، حتى يشعر ‏المرء أن البعض منهم مُسير وليس مُخير. وأن هناك من يدفع بهذا الإتجاه سواء ماديا أو معنويا او من ‏خلال النزعة الطائفية فقط.‏

 

بإستثناء الحس الطائفي لم نقرأ مقالا عادلا يعالج الموضوع ضمن إطار الحياد وعدم الإنحياز الطائفي، ‏وينظر للمسألة بإبعاد متساوية. سبق أن عشنا نفس اللحظات مع مقتل الشيخ المصري حسن شحاتة الذي ‏أقيمت له سرادق عزاء في الجنوب العراقي، وسميت ساحة بإسمة ومئات المقالات كتبت عنه، والكثير ‏ممن كتب لا يعرف من هو شحاته؟ وما هي شطحاته؟ علما إنه يقيم في دولة فيها الأزهر الشريف الذي ‏تغاضى سنوات طويلة عن هجوماته على الصحاية وأمهات المؤمنين وسبٌهم ولعنهم، وإنما ساروا مع المد ‏الإيراني. حتى المرجعية الصامتة التي سكتت عن موت ملايين العراقيين وفضائح سجن أبو غريب ‏خرجت عن صمتها وندت بمقتله، مع إنه شحاته متطرف والذين قتلوه متطرفون مثله، اي تصفية حسابات ‏بين متطرفين. مع إننا ضد طريقة قتله بهذه الصورة الهمجية، القضاء وحده هو صاحب القرار النهائي، ‏وليس كل فرد ينفذ ما يريد من أحكام كما يجري في العراق حاليا. لكن هجمة النمر أشرس من شحاته لأن ‏ورائها السعودية عدو إيران اللدود.‏

يبدو من المقالات والتحليلات ان الكثير من شيعة العراق أو على الأقل، الكثير الكتاب أصبحوا أبواقا ‏للنظام الإيراني يرددون أقوال ولاية الفقيه دون تمحيص أو تدقيق. عشرات المقالات تناولت الموضوع ‏بنكهة طائفية مقززة كأن إيران صارت رمز الدين الإسلامي والعروبة، مع كل العنجهية الفارسية ‏المعروفة والتي ترى في العراقيين عبيدا للفرس ويشرفهم ان يكونوا عبيدا للفرس. ويبدو فعلا ان البعض ‏يمارسون دور العبيد ويشرفهم هذا الدور! (كنت في المقهى وكان الشيخ النمر) و(النمر، نمر الشريعة) و ‏‏(إعدام النمر ماذا يعني) و (دقة ساعة نهاية مملكة العار/يقصد الفطحل دقت) و(النمر وإعلامنا الخجول) ‏و(هل سيكون النمر باقر الصدر؟) و(ماذا ننتظر من أمة تشرب بول البعير(يقصد أمته وأهله الفطن!)، ‏‏(هنيئا لك الكرامة إيها النمر الشهيد) و(الشيخ النمر الثائر وسط الركام) و(دمائك ستصنع دولة أيها النمر) ‏و(دماء الأحرار مهر لإسقاط الطواغيت) و(لو كان رأسي وهابيا لقطعته) و(لماذا أعدمت السعودية النمر؟) ‏و (آل سعود ينبوع الإرهاب فكرا ودعما وإحتضانا) و(نظام آل سعود دولة القتل والإرهاب) و(أعدمت ‏السعودية نفسها بإعدام النمر) و(آل سعود يصبون الزيت على النار) و(إختاروا لأنفسهم شر قتلة) والمئات ‏من التغريدات ضمن نفس الإطار النقدي. موجة عالية من الإنتقادات لإعدام النمر، حتى يخيل للمرء ان ‏النمر عراقي وليس سعوديا!‏

نود في البداية أن نوضح بأننا لسنا بصدد الدفاع عن المملكة والنظام السعودي، وإهتمامنا بالنمر هو نفس ‏إهتمامه بنا كعراقيين. هناك الآلاف من الأقلام السعودية القادرة على مواجهة الأقلام التي تعاديهم، وتتولى ‏هذه المهمة بكفاءة،. ولكننا ستعالج الموضوع من زاوية أخرى وهي من هو النمر؟ بلا أدنى شك هو ‏مواطن سعودي، ويعرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات تجاه وطنه، من المعروف أن في كل دولة ‏توجد خطوط حمراء من تجاوزها يتعرض الى العقوبة، ومنها المطالبة بإسقاط الحكومة وإيغال النفوس ‏للإنتقام من رجال الأمن، وإثارة النعرات الطائفية، وصناعة الفتنة بين شرائح الشعب. وهذه هي التهم التي ‏وجهت إلى الشيخ النمر، ويمكن عند الرجوع إلى خطاباته في أشرطة التسجيل تثبيت كل هذه الإتهامات ‏بحقه، ربما البعض يقول إنه وطني ومقاوم للنظام الظالم، لذلك رفع راية إسقاط النظام السعودي القائم؟ ‏نقول له حسنا لا ضير في ذلك! فما الغريب إذن في إعتقاله طالما هو يعرف ما الذي يتنظره؟ أن من يواجه ‏نظام الحكم يدرك جيدا تبعات موقفه هذا! ويجب أن يكون مستعا لمواجهة مصيره. فإيمانه بقضيته هو ‏أساس بطولته وثبات مبادئه وتخليده.‏

أما من يدعي بأن النمر كان يطالب برفع المظلومية عن شيعة السعودية وأن مطالبه كانت شرعية، ‏وتظاهراته كانت سلمية، نرد عليه بأنه خرج الآلاف من المتظاهرين السعودين في القطيف إستنكارا ‏لإعدامه، ولم يتعرض أي منهم للإعتقال سوى الذين قاموا بإعمال الشغب كحرق السيارات والمتاجر ‏والإعتداء على رجال الشرطة والأمن، على العكس مما طالب به شيقق النمر بأن تكون التظاهرات سلمية، ‏وبعيدة عن العنف لأنه لا يريد المزيد من سفك الدماء، وهو موقف عقلاني جدا. ونسأل هؤلاء إن كنتم ‏تؤمنون بأن التظاهرات السلمية لا تستوجب من الحكومة أن تعالجها بالعنف والقتل! هل كان هذا هو ‏موقفكم عندما قام نوري المالكي بمجازر الحويجة والأنبار وقتل المئات من المتظاهرين السلميين، قبل أن ‏تتطور الأمور إلى سقوط المحافظة بيد داعش؟ ‏

بالطبع لم يكن هذا موقفكم! إذن لماذا السكوت عن جرائم المالكي بحق العراقيين، والهجوم على المملكة ‏لإعدام النمر، وهو مواطن سعودي لا علاقة له بالعراق؟ أليس من الصواب أن يحرص العراقيون على ‏مواطنيهم أولا من ثم على غيرهم ثانيا؟ هل العراقيون أحرص على حياة النمر من المملكة؟ وما هو سبب ‏هذا الحرص الشاذ؟ هل هي الطائفية بعينها ام ماذا؟

قتل المئات من شيوخ أهل السنة، وفي محافظة البصرة عُطلت الصلاة بسبب إغتيالات علماء الدين، ولم ‏يبقَ من الخطباء والشيوخ بعد تصفيتهم إلا ما ندر! هل سمع أحد منا إستنكار أو شجب من المملكة لهذه ‏الإغتيالات المبرمجة من قبل الميليشيات التابعة لولاية الفقيه؟ لماذا لم تتدخل المملكة لنصرة شيوخ أهل ‏السنة، في حين يتدخل العراقون لنصرة علماء الشيعة في السعودية؟ ‏

هل يسمح  شيعة السلطة في العراق للملكة العربية السعودية أن تندد بإغتيال وإعتقال شيوخ أهل السنة؟ أم ‏سيعتبر هذا تدخلا في شؤون العراق الداخلية وإنتقاصا للسيادة، وإساءة لعلاقات حسن الجوار، ودعما ‏للإرهاب وغيرها من الإتهامات الحاضرة؟ إذا تعطي لنفسك الحق في نصرة شيعة السعودية، فعليك أن ‏تعطي الحق نفسه الى السعودية لنصرة أهل السنة في العراق، وهذا ما لم تطالب به السعودية لأنه ‏يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية وعلاقات حسن الجوار.‏

نفس الأمر بالنسبة لإيران! ما علاقة إيران بمواطن سعودي الجنسية حاكمته السلطة القضائية في بلده ‏وحكمت عليه بالإعدام؟ اليس هذا التهجم الإيراني دليل إثبات على أن النمر كان عميلا للنظام الإيراني؟ ‏مثل هذا الدفاع المستميت على النمر لايمكن تفسيره إلا بالعمالة للأجنبي. ونحن لا نتهم الرجل بالعمالة ‏لإيران، لكن هذا ما يستشفه المرء من خلال تصريحات أقطاب النظام الإيراني، والأحزاب الحاكمة في ‏العراق والتابعة لولاية الفقيه. الموقف الإيراني أشبه بفتيلة المفرقعات ما أن تشتعل واحدة حتى تشتعل بقية ‏المفرقعات فتنطلق الواحدة بعد الأخرى في دويلات العراق وسوريا ولبنان واليمن. قال رئيس مجلس ‏خبراء القيادة في إيران أحمد خاتمي، إن " إن هذه الجريمة لم تكن مستبعدة عن نظام آل سعود لأنه مبني ‏منذ نشوئه على الجريمة والنهب. الشيعة في السعودية سيحولون نهار آل سعود إلى ليل مظلم". هل يجوز ‏لزعيم دولة ما أن يحرض شعب آخر للثورة على نظامه؟ إين السيادة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون ‏الداخلية للدول؟ أليست هذه دعوة للإرهاب؟ هل تقبل الحكومة الإيرانية نفس الموقف من السعودية تجاه ‏علماء السنة في إيران سيما عرب الأحواز؟ لو كان الهجوم من قبل الحوزات العلمية يمكن قبوله، ‏بإعتبارها تناصر الزعماء الشيعة وهو موقف مذهبي وليس سياسيا. مثلما جاء في وصف علي السيستاني ‏النمر بالشهيد" الذي أريقت دماؤه ظلماً وعدوانا" مع ان السيستاني اعتبر جميع المعدومين شهداء ومن ‏إخوانه، بما فيهم المعدومين من تنظيم القاعدة وداعش، بقوله" تلقينا ببالغ الأسى الأسف نبأ إستشهاد جمع ‏من اخواننا المؤمنين، أريقت دماؤهم الزكية ظلماً وعدواناً، ومنهم‎ ‎العالم المرحوم الشيخ نمر النمر، طاب ‏ثراه". يبدو ان السيستاني لا يعرف بأن اكثرية المعدومين السعوديين هم من أهل السنة ومتهمين ‏بالإرهاب. الكثير من شيعة العراق يعتبرون السيستاني لا يؤمن بولاية الفقية وله خلاف مع الولي الفقية، ‏مع ان السيستاني ليس له موقف معارض واحد ضد سياسة نظام ولاية الفقيه. إنه فعلا مواطن إيراني يعمل ‏لوطنه الأم.‏

أما أن يصدر موقف حاد ومتشنج من أعلى سلطة في النظام الإيراني، فهذا جهل فادح بالدبلوماسية ‏والقانون الدولي والعلاقات الدولية. في الوقت الذي تعاملت فيه السعودية مع هذه التصريحات وفق ‏السياقات الدبلوماسية. فقد إستدعت السفير الإيراني في الرياض وسلمته مذكرة إحتجاج عن التدخل السافر ‏والتهديد الإيراني للمملكة. وحملت الحكومة الإيرانية مسؤولية تأمين سلامة سفارتها وقنصليتها، لكن ‏الحكومة الإيرانية سمحت للمتظاهرين الغوغاء بالإعتداء على السفارة والقنصلية السعودية وحرقها، في ‏موقف لا يفسر إلا بسوء النية والرغبة تعكير الأجواْء، في الوقت الذي شددت فيه السعودية الإجراءات ‏الأمنية لتأمين سلامة السفارة الإيرانية وكادرها في الرياض. نسـأل: أي طرف من الطرفين يطبق القانون ‏الدولي واتفاقيات فيننا للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية؟ وما معنى السماح للغوغاء بإقتحام السفارة دون ‏تدخل قوات الأمن الأيرانية؟ اليس هذا انتهاكا صارخا للقانون الدولي وإتفاقية فيينا؟

أما من يشكك في القضاء السعودي، فنسأله هل أطلعت على محاضر القضاء ووجدت ثغرات قانونية ‏وخروجا عن القانون؟ إن كان الجواب نعم! سنضم صوتنا إلى صوتك فورا دون أي تردد! وان كان ‏الجواب بالنفي! فعلام الشكوك؟ ‏

ونسأل من يشكك في القضاء السعودي! هل القضاء العراقي نزيه؟ إن قال نعم! سنقول له لماذا يطلق ‏سراح أكثر من (8000) معتقل لم تثبت عليهم التهم بين آونة وأخرى، ومعظمهم متهم بالإرهاب؟ ألم ‏يعترف وزير الداخلية حيدر الزاملي بتأريخ 25/12/2015 عن اعتقال أكثر من 500 مخبر سري ‏وتقديمهم‎ ‎للمحاكمة بعد توجيه تهمة (الإدعاء الكيدي) إلى قضاياهم، علما أنه سبق أن كشف مجلس القضاء ‏الاعلى في العراق في 8/12/2014 عن وجود 498 مخبرا سريا كاذبا في بغداد فقط، وقال رئيس المجلس ‏القاضي مدحت المحمود إن "هناك 498 مخبرا سريا كاذبا في بغداد. وهناك الآلاف بينهم من اعدم عُوق ‏بسبب التعذيب أو  تعرض للإغتصاب أو قضى سنوات طويلة في الإعتقال بلا ذنب. اليس من الأجدى أن ‏يطالب العراقيون بتصحيح مسيرة قضائهم أولا قبل أن ينتقدوا قضاء المملكة؟ كيف نفسر هذا الإنفصام في ‏المواقف؟

المسألة الأخرى أن المسؤولين في ولاية الفقية وتابعة ولاية العراق فاتهم بأنة من جملة المعدومين عناصر ‏من تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة، لكن الكثير من المواقع والكتاب تجاهلوا هذا الحقيقة وركزوا ‏على النمر فقط في تغاضي مقصود النية! ونسأل: كيف يكون الجمع بين دولة تتبنى الإرهاب (كما يزعم ‏البعض) وفي نفس الوقت تعدم عناصر إرهابية من تنظيمي القاعدو وداعش؟ كما قيل حدث العاقل بما لا ‏يُعقل فإن صدق فلا عقل له.‏

من جهة أخرى، أليس هياج الميليشيات العراقية كجيش المهدي ومنظمة بدر والمجلس الأعلى وحزب ‏الدعوة، وحزب الله، وعصائب أهل الحق وغيرها أسقطت ورقة التوت عنهم، وبينت للجميع إنها رهن ‏إشارة ولاية الفقيه، وليس ولاية العراق؟ كيف نفسر وحدة الخطاب الشيعي في العراق وتناغمه مع خطاب ‏الحكومة الإيرانية؟ إن من يسمح لنفسه بأن يرمي الحجارة على بيوت الناس، عليه أن يقبل رمي الناس ‏الحجارة على بيته.‏

أتركوا الدول وشأنها الداخلي، فهي أدرى منا بها، وأعرف منا بكيفية معالجتها، وأحرص منا على سلامة ‏مواطنيها وأمنها الوطني. علينا أن ننتبه لشأننا الداخلي، ونعالج مصائبنا وكوارثنا المستديمة، لا أن نضيف ‏مشاكل الغير لمشاكلنا، ما لدينا من مشاكل نسد بها شواغر العالم كله من المشاكل. إن كان للغير عورة ‏فلدينا مئات العورات. لم يولِ النمر العراق وشعبه أي إهتمام خلال السنوات السابقة كي نوليه كل هذا ‏الإهتمام المعالى فيه. النمر صب إهتمامه على شيعة السعودية فقط، وليس على شيعة العراق. ومن يعتبر ‏أن مقتل النمر سيؤجج الطائفية في المنطقة، نقول له ان تصريحات المسؤولين العراقيين والإيرانيين هي ‏التي ستؤجج الطائفية في المنطقة. ‏

من يظن إن النظام الإيراني لا يتاجر بعقول الشيعة العرب هو على وهم كبير! أنظر إلى تعاملهم مع شيعة ‏الأحواز؟ إنظر إلى تعاملهم مع عناصر مجاهدي خلق وهم من الشيعة الفرس!

إن من يقصف بالصواريخ ‏المعارضة الإيرانية في العراق، ويلاحقهم في كل دول العالم بغرض تصفيتهم لا يمكن إئتمان جانبه. ‏وليس له الحق أن يتهم الغير بتصفية معارضيهم. عليه أن يكون نموذجا صالحا ليقتدي الآخرون به.‏

العراق على وشك الإفلاس، العراق على وشك التفتيت والتقسيم، العراق صار ولاية تابعة لإيران، العراق ‏يحتظر، ونحن مشغولون بالنمر! إتركوا العالم وشأنه، وعليكم بالعراق، العراق، العراق فقط يا أولي ‏الألباب.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,375,122

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"