ماذا تريد أميركا و (إسرائيل الشرقية) من الأنبار؟

صلاح المختار

اكثر من ستة شهور مضت والرمادي تقصف ليل نهار من قبل حشود الصفويين وأميركا وتحت شعار (إخراج داعش) وخلال هذه الفترة من القصف الكثيف والمستمر فان الذي تضرر بصورة مأساوية هم سكان الرمادي بشكل خاص والانبار بشكل عام ، لدرجة ان المحافظة افرغت من الكثير من سكانها خصوصا من الرمادي ، وهذا هو الهدف الحقيقي للصراع فيها . فما الذي يجري في الواقع ؟ وماهي اهدافه غير المعلنة ولكن الواضحة لمن يدقق؟

 

1-المشروعان الأميركي والفارسي يربط بينهما قاسم مشترك هو تغيير التركيبة السكانية للعراق كله فلكل منهما مصلحة ستراتيجية في عدم بقاء العراق التاريخي المعروف بتركيبته السكانية الاصلية والتي يشكل فيها العرب اكثر من 85% من مجموع السكان ، وافضل وسيلة هي تغيير تركيبته السكانية بصورة تسمح بأنهاء وجود قومية رئيسية تجذب العراقيين كلهم الى وطنهم ، فالمطلوب أميركيا وفارسيا هو انقاص نسبة العرب بنسبة جوهرية عبر تهجير منظم لملايين العرب وجلب سكان غير عرب من خارج العراق وتوطينهم في العراق ، وهذا ما رايناه منذ الغزو حيث منح  اكثر من اربعة ملايين ايراني وكردي غير عراقي الجنسية العراقية .

 لكنهما يختلفان حول عدة نقاط منها تقسيم وتقاسم التشكيل الجديد للعراق الذي يريد كلا المشروعين الوصول اليه منذ الغزو وحتى الان . المشروع الأميركي الصهيوني في سيناريو اول يريد اقامة دولة سنية تمتد من الموصل الى الرقة في سوريا بينما المشروع الفارسي يريد العراق من سامراء في شمال بغداد الى نهاية الجنوب ، فالاتفاق هو حول التقسيم ولكن الاختلاف هو حول التوزيع الجغرافي للعراق الجديد .

أميركا لا تريد للانبار ان تكون تحت الحكم الفارسي بينما ملالي (إسرائيل الشرقية) يريدونها تحت قبضتهم ولكل طرف اسبابه ، فأميركا تريد الانبار اقليما او دويلة مستقلة كي توطن فيها اكثر من اربعة ملايين فلسطيني يعيشون في المهجر واصبحوا احدى اهم مشكلتين تمنعان اكمال الاعتراف العربي ب(إسرائيل) الغربية وهما مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ومشكلة القدس ، لهذا فان أميركا وهي ترفض اعادتهم لوطنهم الذي هجروا منه وضعت خطة لتوطينهم في الانبار ونتيجة لذلك لا يجوز ان تسيطر (إسرائيل الشرقية) على الانبار .

اما (إسرائيل الشرقية) فهي تريد اقامة خط الحياة الضامن لبقاء الهلال الفارسي الممتد من طهران الى لبنان مرورا بالعراق وسوريا فهذا الاتصال الجغرافي احد حتميات بقاء الهلال والانبار هي وديالى اهم محطات ضمان خط الحياة وبدونهما سوف يموت الهلال الفارسي قبل ان يتحول الى بدر فارسي، كما خططت النخب القومية الفارسية.

2-أميركا بناء على ماتقدم لها مصلحة في تغيير غير جوهري لسكان الانبار فلكي يوطن اربعة ملايين فلسطيني لابد من انقاص سكان الانبار ليصبح ممكنا توفير مستلزمات الحياة ولو بالحدود الدنيا لسكان الكيان المطلوب انشاءه ،وعلى الارجح سيكون هذا الكيان جزء من كونفدرالية فلسطينية (إسرائيلية) طبقا لما يسمى ب(مشروع شارون) او (مشروع الوطن البديل) ، وهنا نرى المصلحة الأميركية في تهجير قسم من ابناء الانبار بالقوة وهذا يفسر المشاركة الأميركية في عملية التدمير الشامل للانبار خصوصا لعاصمتها الرمادي .

اما (إسرائيل الشرقية) فمن مصلحتها تدمير الانبار كليا خصوصا الرمادي بشرا وعمرانا كي لا يبقى اثرا للحالة الاصلية ، وهي عروبة الانبار ، وبعد اكمال التدمير تبنى عمرانا وبشرا بطريقة مختلفة كليا تخدم هدف اعتبار الانبار موقع ستراتيجي دفاعي اول عن خط الحياة والمقرر لنجاح او فشل المشروع الامبراطوري الفارسي ، فيصبح السكان فرس الهوية وليس الهوى فقط ، وهنا نعرف سر ادخال مليون فارسي وافغاني ومن بلدان اخرى وكلهم شباب مؤخرا للعراق وبقاءهم فيه وادخالهم فورا دورات تدريب عسكرية بالاضافة للملايين التي ادخلت بعد الغزو ومنحت الجنسية العراقية كما اعترف ابراهيم الجعفري عندما كان رئيسا للوزراء في عام 2005.

بناء على ما تقدم ما المطلوب من خطوات لضمان احد الخيارين الأميركي او الفارسي؟ التدمير شبه الشامل للعمران كي تزال كافة اثار الوجود العربي الاصلي في الانبار ولهذا راينا أميركا و(إسرائيل الشرقية) تحشدان قدراتهما العسكرية وبتعاون واضح جدا خصوصا بعد دخول داعش على خط الصراع في عام 2014 لاحداث اكبر خراب عمراني ممكن من جهة ولتهجير او قتل اكبر عدد ممكن من سكان الانبار العرب تمهيدا لاقامة كيان جديد بمواصفات اخرى تناسب البديلين من جهة ثانية. هنا تكتشفون اسباب التوافق الأميركي الفارسي.

3- وفي حالة الفشل في تطبيق خطة اسكان اربعة ملايين فلسطيني فان الانبار من وجهة نظر أميركية (إسرائيلية) غربية يجب ان تكون اما ضمن الدولة السنية الممتدة من الموصل الى الرقة سواء بقيادة داعش او بمن سيخلفها، او ان تكون اقليما مستقلا والسبب بالنسبة ل(إسرائيل) الغربية امني لان الانبار هي اقرب منطقة عراقية لها ومنها قصفت لاول مرة بصواريخ ستراتيجية عراقية في عام 1991 وبهذا المعنى فان الانبار ثغرة في الامن الصهيوني يجب غلقها ، اما بالنسبة لأميركا فالسبب مزدوج اقتصادي وستراتيجي فهي تتمتع بموقع ستراتيجي حساس بين العراق والاردن و(إسرائيل) الغربية والسعودية وسوريا ، كما ان الثروات المعروفة في الانبار وتلك التي لم يعلن رسميا عنها بعد –خصوصا الغاز واليورانيوم - احد اهم اسباب سعي أميركا لوضع اليد عليها.

4- ورغم ان كل ابناء العراق يتميزون بقدرة عالية على التحمل والصلابة فان الكتلة السكانية للانبار تبدو الاكثر صلابة في تكوينها النفسي وترابطها العشائري والاسري لذلك تشكل عقبة خطيرة امام كلا المشروعين ، فابناء الانبار يمثلون قوة مقاومة كامنة سرعان ما تظهر عند اول دخول اجنبي اليها وهذا ما اثبتته عملية غزو العراق حيث ان  المقاومة العراقية وان انطلقت من خارج الانبار الا انها تجذرت وتقوت وانتشرت في الانبار اكثر من غيرها . لهذا فان اي حل دولي او اقليمي او اي مشروع لا يمكنه النجاح الا اذا تغلب على مشكلة التكوين السكاني للانبار وهذا يتم بتغيير التركيبة السكانية للانبار من اجل توفير امكانية السيطرة على هذه المنطقة البالغة الاهمية لكافة الاطراف المنخرطة في الصراع .

الحقيقة الاكثر بروزا ومأساوية هي اننا بأزاء تدمير شامل ومخطط لاكثر من 80% من الرمادي جعلها غير صالحة للسكن خصوصا في ظل ما يسمى افلاس الحكومة والذي يعني تحديدا انها ستبقى مدمرة لفترة ليست بالقصيرة ، والتدمير شمل كافة خطوط الطاقة والمياه والبنية الاساسية والخدمات ! ومن يريد معرفة اسباب التعمد الأميركي والفارسي تدمير الرمادي عليه ان يأخذ بنظر الاعتبار ما ذكرناه ، فالاصل في تدمير الرمادي ليس الاحقاد التي استغلت بكفاءة عالية بل الاهداف الستراتيجية البعيدة .

ولكي نتأكد اكثر لنتساءل : هل كانت عملية اخراج داعش من الرمادي تتطلب هذا الزمن الطويل وتلك العمليات العسكرية الضخمة والمتواصلة والتي الحقت دمارا هائلا بالمدينة وبسكانها دون ان تصيب داعش بضرر رئيس ؟ ولم دخلت القوات للرمادي مؤخرا فقط وبعد ستة شهور من القصف المدفعي وبالطائرات وبالحصار الشامل للمدنيين  وحرمان المدينة من مستلزمات الحياة؟ الم يكن الهدف هو تدمير العمران بصورة شاملة ؟ الم يكن الهدف الحقيقي هو تهجير اكبر عدد ممكن من السكان وفي هذه الحالة فان اطالة القصف هو الحل الامثل لاجبار سكان يتحملون القسوة والتضحيات على المغادرة؟

هل توجد ادلة اخرى على صحة ما نقول؟ نعم فقط انظروا لما حصل في ديالى فبالرغم من انتهاء العمليات العسكرية منذ فترة طويلة الا ان سكانها العرب لم يسمح لهم بالعودة حتى الان وتصر الحكومة التابعة ل(إسرائيل الشرقية) على منعهم من العودة الى ديارهم وقراهم ومدنهم وهذا ينطبق بدرجة اقل على تكريت . ومنع عودة السكان ليس قرارا ايرانيا فقط بل هو قرار أميركي واضح جدا ولا يحتاج لتأكيد . لهذا ليس بامكان احد تجنب الحقيقة الابرز وهي ان ما يجري هو عمليات مخططة لتغيير البنية السكانية لكل العراق لانهاء عروبته.

وما هو الحل؟

ليس ثمة حل غير المقاومة بكافة اشكالها خصوصا المسلحة والان  نشهد تدحرج (إسرائيل الشرقية) وتداعي قوتها بينما أميركا هي بالاصل فقدت زخمها الاصلي فانسحبت وعادت من الشباك راكبة عجلات فارسية مضعضعة.

ولكي تكون المقاومة اكثر حسما لابد من تشكيل تحالف عربي مسلح يقوم بمهمة تطهير الاقطار العربية من نغول فارس عبر دعم المقاومات الشعبية.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :136,351,159

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"