أجرت صحيفة الشرق القطرية حواراً شاملاً وتفصيلياً مع وزير خارجية العراق الشرعي الدكتور ناجي صبري الحديثي لمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لغزو واحتلال العراق.
وقدَّم الدكتور الحديثي في هذا الحوار عرضاً تفصيلياً لأسباب ودوافع الغزو وخفايا ما جرى في مجلس الأمن الدولي عشية الغزو الأميركي المجرم، فضلاً عن الدور الإجرامي الذي نفذته فرق التفتيش الدولية في العراق في التمهيد لهذا الغزو، وخصوصا الدور القذر الذي قام به المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في حصار العراق وغزوه.
كما عرض جوانب من جهد العراق الدبلوماسي لإعادة العلاقات مع أشقائه العرب، والجهود التي بذلت في اجتماع وزراء الخارجية العرب عام 2002 لهذا الغرض.
وفضح وزير خارجية العراق الشرعي التواطؤ الأميركي الايراني الذي سهَّل غزو العراق واحتلاله، وحقيقة الدور الذي قامت به إيران في دعم المخربين والارهابيين في جنوب العراق.
وقد أدار الحوار رئيس تحرير "الشرق" الزميل العزيز جابر الحرمي، وأعده للنشر الزميلان طـه حسين وعبدالحميد قطب.
وتنشر "وجهات نظر" بالاتفق مع صحيفة "الشرق" هذا الحوار على حلقات، بدءاً من اليوم الأحد.
وتضمنت الحلقة الأولى، من هذا الحوار، الموضوعات الآتية:
* 25 سنة من تاريخ العراق شكلت كابوساً على الشعب ما بين الحصار والاحتلال
* احتلال الكويت خطأ استراتيجي جسيم ارتكبته القيادة العراقية وتلقفته الإدارة الأميركية
* 661 أشمل وأقسى قرار عقوبات يفرضه مجلس الأمن في التاريخ باعتراف الولايات المتحدة
* مليون و720 ألف ضحية فقدها العراق من الحصار حتى الاحتلال بواقع 5 آلاف متوفى شهرياً
* القضاء على جيش العراق رابع أقوى جيوش العالم كان مهمة أميركا بعد الحرب الباردة
* المجمع الصناعي العسكري الأميركي خطط للتدمير الشامل لقدرات الدولة العراقية
* تنسيق أميركي - إيراني سبق حرب 1991 وانكشفت نوايا طهران بالاستيلاء على الطائرات
* إيداع الطائرات الحربية لدى إيران خطأ استراتيجي آخر وقعت فيه القيادة العراقية بـ"حُسن نية "
* واشنطن وجدت في أزمة العراق والكويت فرصتها الذهبية لتحقيق حلمها بخلق عدو خارجي
* حملة شاملة هدفت لعزل العراق عن محيطه العربي والإسلامي ومنع أي حل إقليمي أو دولي للأزمة مع الكويت
* تدمير شامل طال 8230 منشأة حكومية وصناعية ومدارس وجامعات ومراكز للطاقة و20 ألف وحدة سكنية في حرب 91.
* حرب استنزاف ثلاثية شنتها أميركا وبريطانيا وفرنسا ضد العراق منذ 91 حتى الغزو سنة 2003
* "الثورة الشعبانية " كانت حملة تخريبية لحرس الثورة الإيرانية تصدى لها الجيش العراقي وأسر منهم 186 ضابطاً
* إيران هي من ضربت حلبجة بغاز السيانيد وطالباني اعتبره أسعد يوم في حياته
* أكذوبة اضطهاد الشيعة خير من يرد عليها أبناء المذهب الجعفري المترحمون على أيام صدام
* إمام بأحد مساجد النجف يؤكد أن "الأنبياء الوهميين" منعونا من النظر لصدام بموضوعية
* لأول مرة في التاريخ نسمع أن بلداً نفطياً لا يسد ثمن نفطه ثمن استخراجه
* مرجعيات دينية تناهض الهيمنة الإيرانية وترفض منطق الفتنة وتقف ضد الطائفية والأحزاب الشيعية.
لم يكن سقوط بغداد واحتلالها في التاسع من نيسان/ أبريل 2003 يوماً عادياً للأمة العربية، فهي أول عاصمة عربية يتم احتلالها مجدداً في القرن الواحد والعشرين .
وما يحدث اليوم في الواقع العربي من تداعيات اقليمية، ومشاريع متعددة تتنافس للاستحواذ على حصص من ارضنا العربية ـ في غياب اي مشروع عربي ـ وتفكك للمنظومة العربية .. ما هي الا نتاج التحول الذي حدث بسقوط بغداد.
لكن هذا السقوط أو الاحتلال لم يأت فجأة، إنما نتيجة خطأ تاريخي واستراتيجي ارتكبته القيادة العراقية في 2/8/1990 باقدامها على جريمة غزو دولة الكويت الشقيقة، واستباحة سيادتها، والذي مثل ضربة لمنظومة العمل العربي، وأوجد فرصة سانحة لتدخل قوى اجنبية بالمنطقة ، ومن ثم تدمير دولة بحجم العراق ، ليسهل فيما بعد احتلالها ، وهو ما حصل بعد سنوات من الحصار ، فكان أن سقطت بغداد في ابرايل 2003 .
هناك الكثير الذي قيل وكتب عن الغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت الشقيقة، وهناك الكثير ايضا الذي قيل وكتب عن فترة الحصار، التي امتدت منذ 1991 الى يوم سقوط بغداد في 2003، ولكن من المؤكد ان من عاصر وعايش مرحلة غزو الكويت وسقوط بغداد، مرورا بفترة الحصار وتداعياتها وما تعرض له العراق من قصف متجدد، وهجمات تدميرية لأكثر من خمس مرات، لديه ما يقوله.
الدكتور ناجي صبري الحديثي، آخر وزير خارجية للعراق في عهد الرئيس صدام حسين هو شاهد على مرحلة مفصلية عاشها العراق.
لم يأت د. ناجي صبري الحديثي فجأة إلى وزارة الخارجية، أو ينزل اليها بـ "الباراشوت"، بل شغل العديد من المناصب الاعلامية والثقافية والسياسية، فقبل ان يتولى منصب وزير الخارجية في 2001، كان وزير الدولة للشؤون الخارجية، وقبلها كان مديرا للإعلام الخارجي ووكيلا لوزارة الثقافة والإعلام ومستشارا في ديوان رئاسة الجمهورية وسفيرا في وزارة الخارجية، وبالتالي كان حاضرا في المشهد العراقي بكل تفاصيله الدقيقة.
"الشرق" استضافت د. ناجي صبري الحديثي عبر سلسلة من الحوارات الوثائقية لأصعب مرحلة يعيشها العراق في تاريخه والتي تمتد لنحو 22 عاما، 12 عاما فترة الحصار وهي الممتدة من 1991 الى 2003، ثم مرحلة الاحتلال من 2003 الى 2013.
حوارات وثقت لأول مرة عبر شخصية عراقية مسؤولة ، قرار غزو دولة الكويت وما تلا ذلك .. وفترة الحصار وتداعياتها .. وقرارات مجلس الامن .. ولجان التفتيش والادوار التي لعبتها .. ووكالة الطاقة الذرية ودورها في غزو العراق .. والمحيط العربي وعلاقاته مع العراق .. وكيف بدأت اطلالة العراق على محيطه الخليجي..
ومن هي الدولة التي كانت المحطة الاولى للانفتاح على الخليج والعالم العربي .. وابرز المحطات في الاجتماعات الوزارية العربية .. واجتماعات مجلس الامن .. ثم قرار الغزو الذي اتخذته اميركا وتبعتها بريطانيا دون غطاء اممي .. وصولا الى سقوط بغداد ..واختفاء الجيش العراقي .. ثم بدء المقاومة وكيف تشكلت .. وفي كل هذه المراحل ماذا كان موقف الرئيس صدام حسين .. وهل هرب بسقوط بغداد ام لعب ادوارا في مقاومة الاحتلال الاميركي ..
فصول متعددة نتناولها في سلسلة حلقات تنشرها "الشرق" على لسان د.ناجي صبري الحديثي آخر وزير خارجية للعراق في عهد صدام حسين ...
وفيما يأتي نص حوار الحلقة الأولى..
** في البداية نرحب بك معالي الوزير ونشكر لك استقطاع وقت مهم لتسليط الضوء على المشهد العراقي بعد 13 عاما على الاحتلال الأميركي وقبلها 12 سنة أخرى من الحصار، هي 25 سنة من تاريخ العراق من المعاناة.
دعنا نبدأ من 1990 وما قبلها..
كيف كانت الصورة حول العراق؟ وما الذي دفع العراق الى ارتكاب خطأ احتلال الكويت وخلفيات المشهد آنذاك؟
- أولا نبدأ من المشهد الكلي، من البيئة الدولية عام 1989 التي بدأت تشهد تحولا خطيرا، من النظام ثنائي القطبية الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وتزعمته الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وذلك بعد انهيار الامبراطورية الشيوعية السوفيتية في ذلك العام وتفكك محورها الاتحاد السوفيتي نفسه في العامين التاليين.
تـُوج هذا التحول في اليومين الثاني والثالث من كانون الاول/ ديسمبر عام 89 باتفاق الطرفين الرئيس السوفيتي جورباتشوف والرئيس جورج بوش الأب على إنهاء الحرب الباردة. وكان لهذا التحول آثار وانعكاسات خطيرة على العراق.
فالمؤسسة العسكرية الأميركية تحالفت مع المؤسسة الصناعية فيما عرف بالمجمع الصناعي العسكري الذي بلغ مكانة هائلة ونفوذا كبيرا في الولايات المتحدة في فترة الحرب الباردة الى الحد الذي جعل الرئيس دوايت ايزنهاور يخصه بالاسم محذرا في خطاب الوداع عند انتهاء فترة رئاسته يوم 17 كانون الثاني/ يناير عام 1961 من مخاطر تغوله وطغيانه على الحريات المدنية في أميركا، رغم انه نفسه دخل البيت الأبيض من نافذة المؤسسة العسكرية بعد قيادته جيوش أميركا والحلفاء في أوروبا في الحرب العالمية الثانية.
وطوال الحرب الباردة كان النظام السياسي الأميركي يعبىء الموارد ويخصص الأموال اللازمة للصناعة العسكرية لتطوير الأسلحة ويحشد الجهود لمواجهة الاتحاد السوفيتي، الخصم الأول للولايات المتحدة ولـ (العالم الحر). وبعد انتهاء الحرب الباردة وجدت المؤسسة العسكرية الأميركية بلا خصم تواجهه وتعبئ الموارد وتشغّل لمواجهته ماكينتها العسكرية لإنتاج المزيد من الأسلحة المتطورة.
وكما قال كولن باول الذي عينه الرئيس الأميركي جورج هـربرت بوش (الأب) عام 1989 رئيسا للأركان "فجأة وجدنا أنفسنا في حالة انعدام وزن" بعد غياب الخصم السوفيتي. لذلك كانت تبحث عن عدو خارجي للولايات المتحدة تعبىء لواجهته الموارد وتواصل من أجل مواجهته والتفوق عليه صب المليارات في ماكينة الصناعة العسكرية.
أما الانعكاس الثاني فيكمن في الحرص الشديد للادارة وعموم الأوساط المتنفذة في الولايات المتحدة على استثمار الفرصة التاريخية لانتهاء نظام القطبية الثنائية بانتهاء الحرب الباردة، من أجل فرض نظام أحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة وحرمان القوى الكبرى الأخرى مثل القوى الأوروبية الغربية الكبرى والصين من التفكير بنظام متعدد الأقطاب.
فوجدت الولايات المتحدة في أزمة العراق والكويت ضالتها وفرصتها الذهبية لتحقيق حلمها بخلق عدو خارجي تعبىء له الموارد والجهود وتحشد البلاد لمواجهته من جهة، ولتزعم النظام الدولي الجديد بقوة السلاح من جهة أخرى. في عام 1989 لاحت بوادر أزمة بين البلدين الشقيقين الجارين العراق والكويت وتطورت في النصف الأول من عام 1990 حيث اشتكى العراق في أثناء مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في بغداد في شهر آيار / مايو عام 1990 من إجراءات اتخذتها حكومة الكويت الشقيقة وأضرت بمصالحه الوطنية. وجرت محاولات عربية صادقة لتسوية الأزمة قامت بها المملكة العربية السعودية استمرت حتى نهاية شهر يوليو/ تموز.
وليس ثمة مجال هنا للخوض في تفاصيل المواقف التي أصبحت من الماضي. ثم تصرف العراق في رد فعل خاطىء بقرار الغزو أو التدخل العسكري يوم 2 آب /أغسطس 1990. فاستثمرت الولايات المتحدة هذه الفرصة لتحقيق حلمها في جانبيه أو هدفيه: العثور على الخصم المنشود، وفرض زعامتها على النظام العالمي بقوة السلاح الذي ستستخدمه ضده في حرب أقرب للحروب العالمية. وثمة هدف ثالث، لاستثمار هذه الفرصة، لا يقل أهمية وخطورة، أتاحته هوية هذا الخصم العربية الاسلامية ومواقفه القومية المعروفة وغير المهادنة في التعامل مع اسرائيل ..
هذه المواقف التي كانت موضع استياء شديد من كثير من الأوساط المتنفذة في الولايات المتحدة، رغم العلاقات الطبيعية أو الاعتيادية على المستوى السياسي بين البلدين، والطيبة والمتينة على المستوى التجاري في عقد الثمانينيات الذي سبق الأزمة. وفي مقدمة هذه الأوساط تلك المتصلة اتصالا وثيقا باسرائيل التي كانت تحلم بتدمير العراق أو انهاكه وانهاء دوره ومكانته المؤثرة في المنطقة مدفوعة بخصومة تاريخية تعود لآلاف السنين.
وهذا الخطأ الذي وقعت فيه القيادة العراقية كان خطأ استراتيجيا جسيما تلقفته الادارة الأميركية في هذا المفصل التاريخي المهم وللأسباب التي أوضحناها. ففي خلال بضع ساعات فجر الثاني من اغسطس / آب عام 1990 اجتمع مجلس الأمن وأصدر القرار 660 الذي الذي أدان الاجراء العراقي في فقرته الأولى وطلب منه الانسحاب غير المشروط في الفقرة الثانية.
وبهذا القرار قفز مجلس الأمن مباشرة الى الفصل السابع، خلافا لما ينص عليه الميثاق من ضرورة التدرج بالاجراءات عند وقوع أي نزاع يقرر المجلس أنه مما يهدد الأمن والسلم الدولي ومن حرص على اتباع كل السبل المتاحة لحل الخلاف بالطرق السلمية.
* لماذا لم ينسحب الرئيس صدام في اليوم التالي ويفوِّت الفرصة وينهي الغزو؟
- العراق أعلن يوم 3 / 8 امتثاله للقرار وحدد يوم 5/ 8 موعدا لسحب قواته من الكويت، وبالفعل بدأ في اليوم الخامس بسحب قواته من أراضي دولة الكويت، بشهادة السفير الأميركي جوزيف ويلسون. لكن الولايات المتحدة وزعت في اليوم التالي للغزو مباشرة أي يوم 3/ 8 مشروع قرار لفرض العقوبات والحصار على العراق.
ونتيجة لذلك تصرف مجلس الأمن خلافا لما ينص عليه الميثاق في فصله الأول من حرص على حل الخلاف بالطرق السلمية. فلم ينتظر المجلس رد العراق ولم يشجعه بعد إعلانه اعتزامه الانسحاب من الكويت على تنفيذ قراره هذا.
بل اتجه في اليوم الرابع لاندلاع الأزمة أي يوم 6 آب/اغسطس لإصدار القرار 661 الذي اعتبرته أميركا نفسها (على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها جيمي روبن) أشمل وأقسى قرار عقوبات في التاريخ، والذي منع العراق من تصدير أي سلعة أو استيراد توريد أي سلعة ومنع دول العالم من أي تعامل مالي أو تجاري مع العراق. وكان بحق حصار شامل لا سابق له في التاريخ على الدولة العراقية.
حملة كونية
** لكن الغزو العراقي للكويت تبعه تدمير القوى العراقية خلال انسحابها من الكويت وفرض الحصار وبداية انهيار الدولة والجيش.. ألم يكن له من الأفضل الانسحاب مبكرا؟
- لا يمكن أن تعيد عقارب الساعة للوراء أو تغير مسار الأحداث الآن. هذا ما جرى. قد كان الغزو خطأ استراتيجيا كما ذكرت، والولايات المتحدة استثمرته الى أقصى الحدود لشن حملة حربية كونية على العراق استمرت من ذلك الشهر حتى نهاية عام 2011 وقامت على عدة مسارات: مسار سياسي — دبلوماسي بدأت بقرار مجلس الأمن 660 يوم 2/8 وتضمن تسخير مجلس الأمن مطية لسياستها وحملتها الحربية ضد العراق، وعزل العراق عن محيطه العربي والاسلامي، ومنع أي حل اقليمي أو دولي للأزمة.
والمسار الثاني مسار اقتصادي بدأ بقرار 661 أي قرار الحصار وتضمن الكثير والاجراءات التي فرضتها على العراق بموجب القرار 687 في 3/ نيسان/ابريل 1991 وتداعياته الخطيرة المتمثلة بالتعويضات وأعمال التفتيش وغيرها.
والمسار الثالث مسار عسكري بدأ بالاجراءات العسكرية التي بدأتها الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا يوم 7 / 8/ 1990 باستخدام البحرية الأميركية والبريطانية والاسرائيلية للاعتداء على السفن العراقية ومضايقتها في الخليج العربي، ومن ثم بفرض الحصار الجوي بقرار مجلس الأمن 665 في 25 اغسطس / آب وبعده بشهر بقرار 670 لفرض الحصار البحري وصولا الى قرار شن الحرب على العراق رقم 678 في 29/ 11/ 1990.
وكانت حربا تدميرية شاملة لكل جوانب الحياة والتقدم في العراق، حيث بلغ عدد المنشآت الحكومية التي دمرت تدميرا كاملا 8230 منشأة مثل المدارس والمعاهد والكليات والمصانع ومراكز توليد الطاقة الكهربائية وتصفية وإسالة الماء ومراكز تصفية النفط والاتصالات والبث الاذاعي والتلفزيوني في كل أنحاء العراق. كما بلغ عدد المنشآت التي تضررت ضررا جزئيا، أكثر من 2000، اضافة الى ما يزيد على 20 ألف وحدة سكنية وتجارية أهلية.
وبعد توقف هذه الحرب في نهاية شهر شباط/ فبراير 1991، اطلقت الولايات المتحدة وحليفاتاها بريطانيا وفرنسا منذ اليوم الأول من آذار/ مارس حرب استنزاف دامت حتى يوم الغزو عام 2003. وقد انسحبت فرنسا منها عام 1996.
فكانت الطائرات الحربية الأميركية والبريطانية تنتهك حرمة الأجواء العراقية يوميا فتنتقي ما تشتهي من الأهداف العسكرية لتدميرها وفي كثير من الأحيان كان طيارو هذه الطائرات يتسلون باسقاط مشاعل نارية من محارق طائراتهم على مزارع العراقيين وخصوصا أيام الحصاد حيث تكون مئات الهكتارات من مزارع القمح والحبوب الأخرى سهلة الحرق بعود ثقاب.
واستمرت هذه الحالة حتى الغزو عام 2003 وتخللتها ستة اعتداءات كبرى بالقذائف الجوية والصواريخ بعيد المدى بدأت في آذار/ مارس 1990 وكان آخرها على بغداد بداية عام 2000. وكانت الحلقة الأخيرة في المسار العسكري حرب الغزو والاحتلال في 19 / 3/ 2003 وما تلاها من اعمال عسكرية في العراق حتى الانسحاب المذل الذي نفذته القوات الغازية يوم 31/ 12/ 2011 تحت جنح الظلام هربا من المقاومة الوطنية العراقية الباسلة.
** إذن كانت مرحلة جديدة في تاريخ العراق بعد هذا التدمير؟
- الأمم المتحدة أرسلت بعثة في 10 آذار/ مارس 1991 برئاسة الدبلوماسي الفنلندي مارت أهتساري (الحائز على جائزة نوبل والذي تولى رئاسة فنلندا عام 1994) وصفت الحالة في العراق بعد جولة وتقص لمدة 7 أيام بأنها أشبه بأحداث يوم القيامة وأن المجتمع العراقي الذي كان يعتمد على المكننة بشكل كبير أعيد بعد هذه الحرب الى ما قبل الثورة الصناعية. وكان حجم التدمير ونوعية المؤسسات التي دمرت تدللان على قصد ورغبة مسبقة في تدمير دولة العراق.
** ما حقيقة ما قيل ان السفيرة الأميركية أبرل غلاسبي التقت الرئيس العراقي قبل الغزو وأبلغته أن أميركا لن تتدخل في حال وقوع أي اشكال بين العراق والكويت؟ هل ورطت أميركا العراق؟
- محضر اللقاء نشر، وقالت فيه السفيرة إن أميركا لا شأن لها في التدخل في الخلافات العربية — العربية. وقيل إن القيادة العراقية فسرت ذلك بأن الولايات المتحدة لن تتدخل إذا تحرك العراق باتجاه الكويت.
لم أكن في موقع قرار في ذلك الوقت يمكنني من معرفة ما جرى، كنت مديرا عاما في وزارة الثقافة والاعلام ورئيس تحرير للصحيفة الرسمية الناطقة باللغة الانجليزية آنذاك. لكن السيد طارق عزيز نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية آنذاك الذي حضر اللقاء، نفى فيما بعد أن تكون القيادة قد فهمت كلام السفيرة على أنه ضوء أخضر للتدخل.






