من يستمع لكلام المحرضين على العلماء والدعاة وهم يحذرون من الإرهاب، ويحرضون على من يختلف معهم متهمينه بالدعشنة، يظن الانخراط في الجماعات الإرهابية أسهل من تنظيم رحلة برية!
مايقوله هؤلاء استسهال للأمر بصورة ساذجة، كما لو كان الالتحاق بهذه الجماعة أو تلك يتم من خلال موقف حافلات ينادي فيه كل صاحب جماعة على جماعته، والشباب المغرر بهم يقبلون عليهم أفواجاً أفواجاً، واقع الأمر يختلف عن ذلك تماماً، لن أبالغ إذا ماقلت إن الالتحاق ببعض الجماعات الإرهابية أصعب من الالتحاق بوظيفة حكومية!
الإرهاب غالباً ليس عملاً فجائياً محضاً، لا يمكن أن تبحث عن عمل وبمحض الصدفة تجد نفسك منخرطاً في جماعة إرهابية، وليس اختياراً عشوائياً لرغبة ملحة أو عادة مستحكمة، الملتحقون بتنظيم "داعش" في الموصل أو الرقة لم يكونوا يبحثون عن وجهة سياحية وقادتهم المصادفة لإحدى مدن التنظيم في سوريا أو العراق، الإرهاب بناء فكري تراكمي، يبدأ بتصور إيجابي، تنغرس بذرته بقناعة يبلورها فكر، فتنمو وتتأثر بكل ما يحيط بها، حتى تنتهي إلى عقيدة راسخة.
الإرهابي لا يولد إرهابياً، ليس هناك جينات عنف وأخرى مسالمة، ولا متطرفة وأخرى وسطية، الإرهاب فكر وثقافة وعقيدة، وأشهر قادة التنظيمات الإرهابية لم يُعرفوا بالغلظة والشراسة والبطش وإنما كانوا وادعين مسالمين هادئين، كما أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبي محمد الجولاني وأبي بكر البغدادي، الذين لم يكن أي منهم في شبابه فتوة الحي الذي يهابه الجميع، وعمر نجل أسامة بن لادن عاش مع أبيه في عمق بيئات الإرهاب، وتنقل معه في أفغانستان وكهوف تورا بورا، ومع ذلك لم يتشبع بثقافته، وغادر أفغانستان طائعاً مختاراً، حتى انتهى به الأمر منغمساً في الثقافة الغربية حد الثمالة!
هناك أكثر من مرحلة لضمان الالتحاق بالجماعات الإرهابية، الإرهابي المستجد لابد أن يخضع لأكثر من اختبار ليلتحق بجماعته، وجميعها اختبارات صعبة ومشددة، أولها اختبار تعاطفه مع الجماعة، ثم اختبار تأييده المطلق للجماعة، ومن ثم اختبار ولائه المطلق لها، والبراء من كل من يضادها، وقبل وأثناء ذلك يخضع لأكثر من مقابلة شخصية، لمعرفة مدى ولائه، ومن ثم تلقينه البيعة لأمير الجماعة التي بايعها، وإذا أراد الرحيل إلى إحدى مناطق نفوذ جماعته فلابد أن يحظى بتزكيات عدد من عناصر جماعته الموثوقين في بلاده، والعاملين فيها كخلايا نائمة، قبل الرحيل إلى هناك.
الأمر أكثر تعقيداً مما يصوره غواة التخوين، وعلى أرض الواقع كل استخبارات دول المنطقة والدول العظمى تستهدف اختراق هذه التنظيمات ببعض عناصرها، وبعضها قد يُكتشف ويُعدم بصمت، والبعض الآخر ينجح وربما يتقلد مراتب قيادية في التنظيم، ويحقق أهداف دولته، والتنظيم لا يشك في صدق ولائه، وهو ينفذ أجندة بلاده ويمدها بالمعلومات المطلوبة.
لو كان الأمر بالسهولة التي يصفها أولئك لما وجدنا تنظيم "داعش" يتمدد ويحصد بيعات التأييد والولاء في كل قارات العالم، ولما استطاع اختراق ثقافات دول متقدمة، وأيديولوجيات متحررة، كما استطاع تجنيد نجيم العشراوي، وهو ضالع في تفجيرات باريس، وأحد منفذي تفجيرات بروكسل، وكان تلميذاً نموذجياً، وخريج مدرسة إنجيلية؛ كما وصفته مديرة المدرسة التي تخرج فيها!