نقل الكاتب البريطاني جوناثان ستيل عن مسؤولي النظام في دمشق، أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي سيعمل على تحسين صورة نظام الأسد لدى واشنطن، كما سيعمل على إقناعها بأن نظام الأسد أفضل من استيلاء الإسلاميين والجهاديين على سوريا. وأعربوا عن ارتياحهم للعلاقة المتوترة بين السيسي وبين أردوغان، فضلا عن قناعتهم بأن السيسي سيقوم بترويج النظام السوري، ليس فقط في واشنطن، بل بين الدول العربية أيضا.
كتبت مقالا عن هذه القضية قبل أسابيع، وذلك بعد مشاركة وفد من النظام السوري في مؤتمر في شرم الشيخ، الأمر الذي كان بالغ الدلالة على موقف نظام السيسي من النظام في دمشق. وحين نتحدث عن النظام في دمشق، فنحن نتحدث عن بشار شخصيا في نظام رئاسي شمولي، ذي نكهة طائفية.
لا حاجة إلى البحث والتنقيب في ملفات المواقف كي ندرك أن السيسي يغازل منذ شهور النظام في إيران، ويكفي أن يبادر إلى إرسال وزير خارجيته إلى العراق في ذروة العزلة التي كان يعانيها المالكي كي ندرك ذلك، وبالطبع في وقت لم تكن إيران قد اتخذت قرارها بالتخلي عن المالكي، أقله في العلن من أجل المساومة مع واشنطن على موقف ضد تنظيم الدولة بعد سيطرته على مناطق واسعة في العراق.
جاء كلام الكاتب البريطاني للمفارقة قبل مقابلة أجراها أوباما مع إحدى محطات التلفزة الأميركية، وقال فيها ردا على سؤال حول الموقف من نظام بشار، إن لدى أميركا أولويات أكثر إلحاحا من الحديث عن عزل النظام السوري، وهي إشارة بالغة الدلالة على أن الضربات الجوية التي تستهدف تنظيم الدولة لن تمسَّ بحال مصالح النظام.
والحال أن حديث واشنطن عن المعارضة المعتدلة ودعمها وتدريبها لا يعدو أن يكون لعبة من أجل استدراجها بهدف استخدامها ضد تنظيم الدولة، من منطلق القناعة بأن الضربات الجوية لن تكون كافية لهزيمته، فيما يدرك الجميع أن إدارة أوباما ليست جادة في دعم تلك المعارضة ضد النظام، وهي إلى الآن ما زالت تتبنى المقاربة الصهيونية للصراع ممثلة في إطالة أمد النزاع من أجل استنزاف جميع الخصوم، بما في ذلك إيران وحزب الله وتركيا والربيع العربي.
على أن موقف السيسي يبدو مختلفا إلى حد كبير، مع التذكير بأنه لم يكن ليجرؤ على فتح قنوات مع إيران ونظام بشار لو لم تكن هناك قناعة بأن ذلك لن يغضب واشنطن، وحتى لو صحّ أنه تمرد بهذا القدر أو ذاك، فإن ما يريده السيسي من هذه اللعبة يبدو مختلفا، وفي كل الأحوال، فإن الخدمات التي يقدمها النظام المصري بطبعته الجديدة لنتنياهو لا تقدر بثمن على صعيد الملف الفلسطيني على وجه التحديد، ما يغفر أية زلات أخرى.
ما يريده السيسي من هذه العلاقة مع طهران، ومن ثم مساعيه لإعادة تأهيل نظام بشار تتمحور في عدة نقاط، أولها نفسي من زاوية أن قائد انقلاب عسكري ضد ثورة شعبية، لن يصطف بأي حال إلى جانب ثورة شعبية، وموقفه من ليبيا واضح كل الوضوح. أما النقطة الأخرى فلا تغادر البعد النفسي أيضا، ذلك أن مساعي إعادة تأهيل بشار، تمثل نوعا من أنواع الرد على تركيا أردوغان التي ترفض الاعتراف بالانقلاب، بل تناكفه باستضافة معارضيه.
البعد الثالث والأهم هو ذلك المتمثل في الشعور بأن ثمن إعادة تأهيل بشار ستكون كبيرة على الصعيد الاقتصادي، ذلك أن ما يمكن أن تدفعه إيران لقاء ذلك يُعد كبيرا بكل المقاييس، نظرا لإدراك المحافظين للثمن الباهظ الذي سيدفعونه في حال سقوطه؛ داخليا في مواجهة الإصلاحيين، وخارجيا من حيث تداعياته على مشروع تمددهم الذي كلف الكثير الكثير في المنطقة، وإن ارتبط الملفان بعضهما ببعض.
.
هل سيؤدي ذلك إلى إنقاذ بشار؟ الجواب هو لا، اللهم إلا إذا كان الثمن تسوية يرضى بها الشعب السوري، ذلك أن عودة الوضع إلى ما كان عليه لن تحدث ولو امتدت المعركة 10 سنوات أخرى، كما أن تركيا لن تسكت على ذلك، وربما تساندها دول أخرى وإن كانت قليلة .